إيلي صليبي/مات الله

384

مات الله
إيلي صليبي
06 كانون الثاني/15

أستعير عنوان كتاب “نيتشه”، وحاشا أن أتبنى إلحاده… لأدخل من باب التورية إلى مظاهر إلحاديَّة في ضمير أمَّة تدَّعي الايمانيَّة وتمارس الطقوس “الشيطانيَّة”.

مات الله في المعابد التي تعبق بالبخور، وتبيعه والذخائر في دكاكينها الملحقة بالأديار.

مات الله في المساجد التي يحوِّل أئمَّتُها محاريبَها إلى منابر للتحريض وعمائمَهم إلى تغطية عقولهم المفخَّخة بالجهل والظلام.

مات الله في المدن المكتظة بالكنائس والجوامع التي توزع الصلاة بمكبِّرات الصوت، وتخرس عن نحر المكارم في جوارها.

مات الله في القلوب التي حجَّرها حاملوها، فلا مسارب فيها للرحمة، ولا مخارج للبغضاء، لا إشفاق على آخر، ولا تفكُّر في منسحبات المشاعر.

مات الله في البيوت التي فكَّك عوائلَها الفلتان، وسكن فيها البهتان.

مات الله في أسواق التجارة، بتحويل كلِّ شيء إلى سلعة، بما في ذلك التعليم، والطبابة، والغذاء، والدواء، وحتى في تسعير المقابر وجوارير دفن الموتى.

مات الله في القصور التي بناها الفقراء بعرقهم ودمهم ليقطنها الأغنياء بكبريائهم وتفاهتهم.

مات الله في وجدان الزعماء الذين يتبارزون بسيوف خشبية، ويدفعون بالوطن إلى الانتحار، وبالمواطن إلى الرهان على خيول نفقت في مضامير سباق فرسان بلا أحصنة.

مات الله في دولة المؤسسات الفاسدة، وقانون غب الطلب.

مات الله على أبواب السفارات التي توجِّه البلد بـ”الريموت كونترول”، ولا يستحي دبلوماسيُّوها في تأجيج الخطابات السياسيَّة، وتسعير نار الفتن بالنَّفخ في مجامر الطوائف.

مات الله في بذخ المقتدرين، وفي كفر الجائعين.

مات الله في وسائل التواصل الاجتماعي، فالكلُّ صار نبيًّا، وواعظًا، وعلى الأقل شاعرًا، ومبدعا. والكلُّ يقتل الكلَّ بالرَّجم، وبألات النفخ والتنفيس، وبنشر الأعراض على السطوح.

مات الله في وسائل الإعلام، وقد تحوَّلت إلى وسائط إعدام. فماذا تسمي السمَّ الذي يدخل الجسم من العين والأذن؟ أوليس تحويل الإنباء إلى إعماء شبيهَ من يقود الأعمى إلى حافة البئر ويغريه بخطوة إلى حتف محتوم؟

مات الله في ضمائرنا…

مات الله حتى في صلواتنا التي لا تشمل إلّا ذواتنا وخاصَّتنا. ولا تكيل على السماء إلّا الطلبات من دون الشُّكران.

لا رحم الله ذلك المدعو “نيتشه”، لأنَّه حشا الأدمغة الضَّيقة بالإلحاد،

ولا رحم الله من يدعون الناس إلى الصلاة عن روحه سبحانه وتعالى.

(من برنامج: على مسؤوليتي، صوت لبنان ـــــ الأشرفية، كل اثنين 45،7 صباحا.)