السيد محمد الأمين/كي لا يبقى الجنوب مقبرة مفتوحة للبنان

63

كي لا يبقى الجنوب مقبرة مفتوحة للبنان
السيد محمد الأمين/نداء الوطن/8 نيسان 2023

استنكرت الدولة أو بعض المسؤولين فيها ما حصل على الحدود الجنوبية وأصدروا بيانات التنديد “بفاعل مجهول معلوم” درءاً للاصطدام وخوفاً من أن يأخذ على خاطره، والمعلوم أن من يمسك بالجنوب يمسك بلبنان ويأخذ به حيثما شاء وليس لمصلحة لبنانية، يفاوض ويقايض ويبتز من خلالها.

شهد الجنوب العديد من الاعتداءات وكثيراً من الحروب التي دفع المواطنون من ارواحهم وأرزاقهم نتيجة الاعتداءات الاسرائيلية عليه ورغم كل هذا كانت تنتهي بانتصارات وهمية، وهي في الحقيقة كانت وجهاً من وجوه الصمود بتحمّل آثار العدوان، وليست انتصاراً عليه، لأن الانتصار لا يكون بكثرة القتلى وآلاف الجرحى وتدمير القرى وبالتالي تراجع البلد الى الوراء مقابل صاروخ أصاب طريقاً ليحفر حفرة فيه، ولعل رضا الجنوبي بوهم الانتصار كان ناتجاً عن خوفه من عدم تأمين الاعمار له ومنعه من الاستفاده من المساعدات العربية والدولية “وهي لا تتم الا بعد موافقة قوى الأمر الواقع” لأنها هي المسؤولة عن توزيعها وتسليمها، فكان عليه إعطاؤها له ومنحه كرم الانتصار من هذه القوى بحيث يصبح المتضرر يطلب رضاها او يخاف سخطها، وهو أمر ساهم في الاستقواء على الناس من خلال الإمساك بالخدمات والمساعدات، وكل هذا حصل ويحصل تحت مرأى ومسمع الدولة التي تخاف القيام بدورها وبأبسط الامور في مخالفة بناء مدعوم من الثنائي المسلح الحاكم.

إن المجاملة بالنصر معاملة تجارية لم تتحول الى حالة وجدانية ولهذا نشاهد النزوح بعيداً من مناطق الصراع حفاظاً على أرواحهم لأنهم يدركون انهم وأرضهم ليسوا سوى ساحة للتقاتل وورقة للتفاوض ومشروع للتصالح واخيراً كما حصل شراكة في التجارة البحرية.

ولقد اثبتت التجارب أن السلاح والصواريخ العابرة في الجنوب وفي كل لبنان لا تحرر شبراً من فلسطين، والجنوبي لم يعط خياراً لأحد من أحزابه ولا من المنظمات الفلسطينة بإطلاق الصواريخ ولا بهجوم وأوكل الدفاع عن لبنان لجيشه وحده بقيادة الدولة، وفي جزء من اعتراضه هو نزوحه التلقائي وعدم بقائه رهن حروب المنظمات المسلحة والفعل وردة الفعل.

وبالتالي الدولة التي استيقظت على جولات وصولات الصواريخ عليها المسؤولية أيضاً والمسؤولية هي في عدم حسمها لأمر هذا الجزء من الوطن وقبلت بسلاح وميليشيات في منطقة ذات حساسية وبدل أن تبقيها خارج التجاذبات وأيضاً بدل أن تقوم قوات حفظ السلام بمراقبة تنفيذ القرارات الدولية تماشت مع قوى الأمر الواقع “ربما لأنها رأت الدولة اللبنانية على قبول” فلن تكون ملكية أكثر من الملك، وهذا لا ينفي عنها المسؤولية من عدم التزام بكل بنود القرار 1701 الذي أصدره مجلس الأمن عام 2006 وجاء في بند منه الطلب ببسط سلطة الدولة على الأراضي اللبنانية كافة وفق أحكام القرار 1959 وعلى أن تمارس كامل سيادتها حتى لا تكون أي أسلحة من دون موافقة الحكومة ولا سلطة غير سلطتها، فهل الابقاء على السلاح في هذه المناطق موافق عليه من هذه الحكومة ومن سبقها من الحكومات؟

ولا يمكن تحقيق الهدنة والسلام والاتفاق والقرار بدون ردع اسرائيل عن عدوانيتها في فلسطين كما في لبنان، ولا يمكن تحقيقه أيضاً من دون إمساك الدولة بكامل القرار على كامل الأراضي، وإلا كيف يكون التدخل الدولي مطلوباً في العام 2006 الذي أنتج القرار 1701، ويحصل أن يصبح مرفوضاً ومدعاة تخوين في مرحلة لاحقة.

ان ما يخيف اللبنانيين هو فقدان الدولة لقرار السلم والحرب من خلال خروج السلاح عن سيطرتها وهو ما يبقي لبنان ساحة مفتوحة على احتمالات الحرب، وحده الحل للخروج من محاور الصراعات الإقليمية ومن الحروب غبّ الطلب وإغراق الدولة والشعوب في الصراعات هو عدم السعي فقط من خلال بيانات لرفع العتب أمام المجتمع الدولي ورفع المسؤولية أمام الشعب اللبناني هو بأن يكون القرار بيد الشرعية لا بيد أصحاب الشعبوية وبيد الدولة لا بيد الميليشيات التي تقدم مصالح مشغليها على مصالح الوطن.

ولإخراج الجنوب من المقبرة المفتوحة يتطلب على أهل الجنوب رفع الصوت لأجل الحد من الأضرار التي تلحق بهم وبلبنان جراء هذه الممارسات. وحدهم أهل فلسطين أولئك الذين يُصلون في أرضهم أدرى بتحريرها من الاحتلال، ولعلّ السماح بالذهاب للصلاة والحج في القدس للبنانيين يخفّف عنهم ويردع من جرائم الاعتداء عليهم أكثر من الصواريخ.