الياس بجاني/نص وفيديو/ذكرى اغتيال الفيلسوف اللبناني كمال يوسف الحاج

187

ذكرى اغتيال الفيلسوف اللبناني كمال يوسف الحاج
«اللبنانولوجيا» هو الاسم الذي اختاره كمال يوسف الحاج لمذهبه الرؤيوي

الياس بجاني/04 نيسان/2023

يتذكر اليوم الشرفاء والسياديين والإستقلاليين والمقاومين الحقيقيين والأحرار من أهل وطن الأرز والقداسة والرسالة والتاريخ والهوية والكيان، يتذكرون اليوم بحزن واسى الفيلسوف اللبناني المميز كمال يوسف الحاج، ابن بلدة الشبانية الذي تم اغتاله، في 4 نيسان 1976.
الاغتيال المجرم نفذه بوحشية الإرهاب المعادي للبنان ولهويته ولقوميته، وذلك على خلفية الحقد والكراهية والغيرة والجهل والتعصب ورفض الأخر والهمجية.
لقد غاب عن العقول العفنة والشيطانية التي خططت ونفذت جريمة الاغتيال أن من هم من خامة الفيلسوف الحاج لا يمكن اغتيال فكرهم وثقافتهم وقضيتهم.
صحيح أنهم غيبوا جسد الفيلسوف الحاج، إلا أن قضيته التي هي لبنان وقوميته وكيانه وتميزه وفرادته وقداسته، هي أزلية وباقية ومزروعة ومرسخة في تراب وطن الأرز، وفي عقول وضمائر ووجدان كل لبنان سيد وحر ولبنانوي. القضية المقدسة هذه سوف تبقى ساطعة ومشرقة طالما بقي لبناني واحد يؤمن بها ومستعد للدفاع عنها والشهادة من أجل رفع راياتها.
في ذكرى اغتيال فيلسوفنا الكبير نرى أنه من الضرورة بمكان أن نذكر المجرمين وأيضاً كل المعادين للقومية اللبنانية ولهوية وتاريخ لبنان المتزر بالتاريخ بما قاله الله للنبي لموسى في الكتاب المقدّس: تثنية الإشتراع ٣٢ ــ ٥٢ و ٣٤ ــ ٤.: “ونظر موسى إلى الشمال، إلى أرض لبنان والجبال، وهذا الجبل لمن؟ قال، أغمض عينيك، محالٌ، أجابه الله بصوتٍ زلزال: وقفٌ لي هذه الأرض والجبل، لن تطأها قدماك ولا كل ما عندك من رجال، لبنان وقفُ الله الآن وإلى الأبد”.
وتأكيداً على ما تقدّم، ولكي لا نعود في التاريخ بعيداً إلى الوراء حيث أن كل الغزاة الذين تطاولوا على هذا البلد المقدّس وعلى هويته وقوميته وكيانه وتاريخ قد، تحطّموا على صخوره، فذهبوا هُمْ وبقي هو، ونكتفي هنا بذِكر الغزوات المعاصرة، وهي:
01/الغزوة الفلسطينية التي حاولت إحتلال لبنان في العام ١٩٧٥ لجعله بلداً بديلاً عن فلسطين بدعم دولي وعربي، تحطّمت على أرضه المقدّسة، ولم يبق من المنظمات الفلسطينية المعتدية سوى الذكرى السيئة.
02/الغزوة السّورية ــ الأسدية، المدعومة هي الأخرى من قِبَل المجتمع الدولي والعربي، والتي اجتاحت لبنان في العام ١٩٧٦ بهدف تفكيك كيانه وضمّه إلى الكيان السّوري، فبقي الكيان اللبناني، وتفكّك الكيان السّوري..
03/الغزوة الإيرانية القابضة على خناق لبنان منذ ما قبل العام ٢٠٠٥ بواسطة ذراعها المحلّي المعروف بحزب الله، والتي ستلاقي نفسْ المصير مهما توهم الفارسيين والطرواديين من أهلنا وكفروا، لأن لبنان هو “وقف الله الآن وإلى الأبد”.
أمّا أعداء الداخل من الطرواديين الذين خانوا الأمانة وتآمروا على لبنان، وأذلّوا شعبه، وباعوه للخارج بعد أن باعوا أنفسهم للشيطان، فعقابهم عند الله سيكون عسيراً وأشدّ هولاً وقساوة ً من أعداء الخارج!!! ومَنْ يعِشْ يرى.
أما الجهلة والأغبياء والمارقين من أبناء شعبنا الذين يعادون القومية اللبنانية ويتنكرون لها، ولها قد غيروا جلودهم وباعاوا انفسهم مقابل منافع ترابية وأرضية فهؤلاء هم الأعداء الحقيقيين كونهم من خامة الإسخريوتي والملجمي والربع الطروادي.
*الكاتب ناشط لبناني اغترابي
عنوان الكاتب الألكتروني
phoenicia@hotmail.com
رابط موقع الكاتب الألكتروني
http://www.eliasbejjaninews.com

نبذة حياة عن الفيلسوف الحاج
كمال يوسف الحاج (1917 -1976) فيلسوف قومي ولغوي لبناني. ولد في قرية الشبانية. حصل على شهادة الأستاذية في الأدب العربي من الجامعة الأميركية،‌ وعلى دكتوراه الدولة في الفلسفة من جامعة باريس سنة 1950،‌ وعين أستاذ الفلسفة في الجامعة اللبنانية. له آثار ودراسات فلسفية مختلفة في مجالات اللغة والقومية اللبنانية. أغتيل في مسقط رأسه في أثناء الحرب على لبنان في 04 نيسان سنة 1976 .
نقل إلى العربية عام 1946 رسالة في معطيات الوجدان البديهية لبرغسون، ثم أصدر دراسة عن رنية ديكارت (1954)، وثانية عن هنري برغسون (1955)، وفي عام 1956 أصدر فلسفيات (الجزء الأول)، وفلسفة اللغة، وهو أطروحته للدكتوراه. ثم أصدر في القومية والإنسانية (1957)، من الجوهر إلى الوجود (1958). وكان آخر كتبه موجز الفلسفة اللبنانية (1974)، الذي كان يفترض فيه أن يكون تهميداً لموسوعة فلسفية «ملحمية» في اثني عشر مجلداً عن «الفلسفة اللبنانية» و «الفلسفة العربية» و «الفلسفة العالمية.»
حاول كمال يوسف الحاج في فلسفة اللغة ينشيء أنطولوجيا للغة باعتبارها «أرقى مظاهر النشاطات في الوجدان». وانطلاقاً من المعادلة بين اللغة والأم، شدد على الدور القومي للغة العربية باعتبار أن «الدفاع عن اللغة القومية هو دفاع عن أدق ما في وجدان الأمة.» وفي الوقت الذي نقد فيه «دعاة قتل اللغة العربية»، دعا إلى أن يكون اتصال لبنان بحضارة الغرب «من حرف العربية»، لأنه بدون أن «يصون لبنان عفاف اللغة العربية» لا يستطيع أن يلعب دور «الأستاذ» و«الإمام» في العالم العربي: «اللغة العربية هي من جملة ضوابطنا التاريخية، التي ينبغي لنا أن نقدسها حتى نزاول القيم العالية. بدون هذه اللغة لن يكون لنا عمارات فكرية شاهقة نتحدى بها الزمن الهروب.»
هذه النزعة القومية اللغوية، التي حاولت «إحياء حرمة فلسفية خلاقة تكون اللغة العربية قالبها الأوحد»، وهط محاولة تكرر من أكثر من وجه – وأن عن غير سابق معرفة – محاولة مماثلة لزكي الأرسوزي، تسجل تراجعاً كبيراً في آخر كتب كمال يوسف الحاج موجز الفلسفة اللبنانية لتخلي مكانها لنزعة قومية لبنانية «تلبنن الفلسفة» و «تفلسف لبنان»، على أعتبار أنه «لا فاصل بين القومية اللبنانية والفلسفة اللبنانية»، وعلى اعتبار أن «الفلسفة اللبنانية موجودة منذ مئات السنين بل آلافها». و «اللبنانولوجيا» هو الاسم الذي اختاره كمال يوسف الحاج لمذهبه الرؤيوي هذا. سيرة على خطّ القمم

نقلاً عن موقع كمال يوسف الحاج
https://www.x-c-l.org/kamal-youssef-haj.html
كمال يوسف الحاج سيرة على خط القمم. موكب من نور. والنور لا تحوشه كلمات. حياة ترنحت، من المهد إلى اللحد، بين الأرض والسماء، بين الأينونة والديمومة. كيف أحوش النور في حيّز الحرف؟ كيف أرود المستحيل، كاتبًا كلمات في سيرة عصيّة عليها؟ ولكنها الأمانة… أمانتي لديمومة ذكراه في التاريخ عبر أينونة التذكّر في الصارخة بداية المشوار الأرضي يوم السابع عشر من شباط، في مراكش. غمزة التاريخ الأولى أنّ أبي لم يولد في لبنان، هذا الذي مَنطَقَه، وعقله، وهام به حتى التماهي، بل تنقّل في صباه بين المغرب ومصر. أمّ كمال، أديل بشاره، بروتستانتية ممارسة. مبشّرة ابنة مبشّرة. صاحبة إيمان مسيحي وطيد، وإرادة فولاذية، وقلب من ذهب. مثقفة رهيفة سبقت زمانها بأشواط. وقورة. زاهدة بحطام الدنيا. ومعبودة أولادها. الأب، يوسف بطرس الحاج، ابن الشبانيه، البلدة المتنية العامرة بأفذاذ الرجال، قطب في الأدب والشعر والصحافة
عُرِف بابن بطوطة لكثرة أسفاره، وبصداقته الشخصية للملك فؤاد في مصر، وللأسرة المالكة السعودية، ولخزعل خان أمير المحمّرة. أصدر صحيفته الأولى في باريس، وأتبعها بواحدة في دمشق، وثلاث في لبنان. ملك ناصية الشعر، فصيحًا وعامّيًا، ووضع كتبًا طليعية في الماسونية، والصهيونية، والشيوعية، لتعريتها. كان أمير خطابة عزّ نظيره، وساحر جماهير في لبنان وسوريا والعراق ومصر وشبه الجزيرة. جده الأبعد، غصوب الهاشم، من العاقورة. كان يوسف الحاج يتباهى بأصله الهاشمي، ويوقّع جلّ أشعاره باسم يوسف الحاج الهاشم
أسهم في تأسيس رابطة آل الهاشم «الجامعة الهاشمية»، إلى جانب قريبيه الهاشميين الأبعدين، أمين نخله ويوسف غصوب. انضمّ إلى الداهشية، فعُرف بالداهشي الأول، قبل أن يشيح عنها
نما كمال إذًا في كنف عقلين لامعَيْن، وقلبين فياضين، تعارضا وتسايفا بشراسة، إلا على اثنين: محبة زوجية صوّانية، وعشق للغة العربية حتى التقديس. لا عجب إذًا أن يتملك قلبَ الفتى كمال انبهار أثارِيٌّ باللغة العربية تيمّنًا بأبيه، ومحبة رحمية للمسيح اقتداءً بأمه. درس الفتى كمال أصول الخط العربي على أنواعه، متخرّجًا على نجيب الهواويني، خطّاط الملك فؤاد، في سنه الثانية عشرة. عثرت أخيرًا على مديح شعرية من العام 1928 ، أهداه جدي إلى الأسرة الملكية المصرية، وخطّ والدي جميع عناوينه. ثم على مرثاة شعرية من العام التالي، عنوانها «دموع الأرز»، أهداها جدي إلى روح الماريشال فوش وكتب والدي أبياتها كاملةً بخط بديع. ولقد خطّ والدي، لاحقًا، القسم الأكبر من عناوين كتبه. واللافت هو أن أمه وأباه كانا يتقنان الخط العربي، وقد تكون أمه أولى النساء الخطاطات
حياة الشباب التي عاشها في الشبانيه، على كتف «غابتها» الخلابة، في شاليه ساحر من خشب، بعيدًا عن ضوضاء الأرض، قريبًا من صفاء السماء، أشعلت حبه للطبيعة وما وراءها. هنا الولادة، ربما، للفيلسوف اللاهث وراء الثابت العلواني المترائي في المتحرك الدهراني. جبليًا ولد، وجبليًا بقي، مقدوداً من صخر التواضع، والقناعة، والإيمان المسلِّم، ومفتوناً بلحظة الأبد في رونق الخليقة
الدراسة الثانوية عند الآباء اليسوعيين، والجامعية عند الأميركان. إدمون نعيم، رحمه الله، أقرب زملائه على مقاعد المدرسة. اغناطيوس هزيم، غبطة البطريرك الهامة، صديقه الأقرب من حبل الوريد في صفوف الجامعة. ومن بين أساتذته، علاقة فذّة بشارل مالك، يعود أصلها إلى صداقة قديمة بين والديهما أيّام مصر. الاحتكاك بين هاتين الصوانتين أثمر شرارات وشرارات، فيها من التباعد في برغسون والتفلسف بالعربية بقدر ما فيها من التناغم في حب الفكر ولبنان
تعلّم كمال العزف على الكمان بتشجيع من والديه ومرافقة حثيثة من أمه، وكان عضوًا في أوركسترا الجامعة الأميركية، قبل أن يكون للموسيقى في لبنان معهد يعنى بها وأوركسترا وطنية. كان ذوّاقة موسيقى كلاسيكية من الطراز النادر، وشغوفًا بالنتاج الرحباني، وبالأصوات المقنطَرَة بين الأرض والسماء، التي وجدها، أوبراليّاً، في كاروزو وكالاس، وشرقيّاً، في فيروز وأم كلثوم ووديع الصافي. كم وددت لو تعرّف إلى صوت زوجتي فادية، الآتي هو أيضًا من قصيّ المدى الآخر!
كان قصير البنية قويّها، ولكنه أطول بعد من والده يوسف، الذي تندّر عليه صديقه العلامة عبد الله العلايلي ذات مرة، في معرض وصفه لداهش، بالقول: «انتصب بقامة هي أقرب إلى الطول، إذا كنتُ أنا أو صاحبنا يوسف الحاج مقياسًا.» رياضته المفضلة هي المشي. ظل طول حياته موفور الصحة، عارم الصدر، وبقي لسنوات يؤوب سيرًا إلى بيته في محلة المتحف، من مكتبه في كلية الآداب، منطقة الأونيسكو، عند كل سانحة
قد يكون أول تنطُّحٍ مكتوب له في ميدان الفلسفة هو مناظرة جرت بينه وبين صديقه الدكتور كريم عزقول على صفحات مجلة «الجمهور»، عام 1940 ، وردّ فيها على مقالين لعزقول في «مأساة الفلسفة» و«إفلاسها» بآخر يدافع فيه عن الفلسفة «كحاجة أولى» لكل إنسان قوامها «الفكر والإلهام». لكنه تخرّج من الجامعة الأميركية بإجازة في الأدب العربي عام 1946 ، وكانت رسالته عن مصطفى صادق الرافعي. قبل ذلك بسنة، كان قد أنجز، بمبادرة شخصية، ترجمة كتاب برغسون «رسالة في معطيات الوجدان البديهية» إلى العربية، وهي أول سكب في العربية لأحد مؤلفات برغسون. أمضّته هذه التجربة الخلاقة كثيرًا، لأنها أرته استحالة نقل العبقرية كاملةً من لغة إلى أخرى. وكتب أنّ هذه الاستحالة كانت حافزًا أساسيّاً في إطلاق سفينته الفلسفية بأشرعة مفتوحة، فأمعن النظر في معضلة اللغة، وانتهى إلى إصدار كتابه المحوريّ الأول، «فلسفة اللغة»، عام 1956 ، مستفيدًا مما اكتسبه واكتنهه فلسفيّاً عند تحضير أطروحة دكتوراه دولة في جامعة السوربون. وقد ناقش هذه الأطروحة أواخر العام 1949 تحت عنوان «قيمة اللغة عند هنري برغسون»، بعد أن سافر إلى باريس بمنحة دراسية توسّط له فيها المستشرق لويس ماسينيون مكافأةً على جودة ما ترجمه عن برغسون إلى العربية
في باريس، التي سكنها من 1946 إلى أوائل العام 1950 ، توطّدت صداقته بالآباء يوحنا مارون، وميشال الحايك، ورزق الله مخلوف، والمرسل اللبناني بولس نجم، الذي كان بابه الملوكي إلى الأمانة الكريمية. وهناك أيضًا تعرّف إلى جان-بول سارتر، وإلى إبنة برغسون، التي أهدت إليه صورة لأبيها موقّعة بخطّ يدها. وأثناء غيابه في باريس، أنشأ صديقه ميشال أسمر منبر «الندوة اللبنانية» خريف العام 1946 . وكان قد سبق قيام «الندوة اللبنانية» تأسيس ما سمي بـ «ندوة الاثني عشر» على يد حفنة من المثقفين الشباب. ندوة مقفلة، قوامها ميشال أسمر، وكمال الحاج، وأحمد مكي، وخليل رامز سركيس، وإدوار حنين، ورشدي المعلوف، وفؤاد حداد، وسامي الشقيفي، وفؤاد كنعان، وفاضل سعيد عقل، وكريم عزقول، وصلاح الأسير. وقد تبدلت بالتأكيد بعض الأسماء في المجموعة (جميل جبر، موريس صقر، جورج قزّي، وغيرهم)، ولكن الندوة بقيت دائمًا، وعن عمد، بعدد رسل المسيح. وكان ميشال أسمر، محرّك الندوتين، قد تعرّف إلى والدي بعد أن قرأ مقالاً مشجّعًا حول كتابه الأول، الصادر عام 1938 ، بقلم الأديب يوسف الحاج، فالتمس التعرّف إلى صاحب المقال، وكان الملتقى الأول في منزل الحاج الكبير، وبحضور ابنه كمال
فور عودة والدي إلى لبنان في مطلع العام 1950 ، درّس الفلسفة في معهد الآداب العليا الفرنسي وفي الأكاديمية الوطنية للفنون الجميلة، لصاحبها ألكسي بطرس. لم تكن الجامعة اللبنانية، ولا جامعة الروح القدس، قد تأسستا بعد. وفي السنة التالية، اعتلى منبر «الندوة اللبنانية» للمرة الأولى في محاضرة حول ازدواجية اللغة. تلك كانت أيضًا المرة الأخيرة التي رأى فيها أن يحاضر بالفرنسية. بعدئذٍ، وانسجامًا مع اقتناعه الفلسفي، استقال كمال الحاج عام 1925 من منصبه في معهد الآداب العليا لرفضه متابعة تدريس الفلسفة بغير اللغة العربية، ثمّ أحجم عن الكتابة بالفرنسية للأسباب عينها. لكنه بقي يدرّس الفلسفة في الأكاديمية الوطنية للفنون الجميلة، إلى جانب زملاء كبار من أمثال خليل الجرّ وفؤاد أفرام البستاني وعبد الله العلايلي وسعيد عقل وموريس شهاب وأنيس فريحه وإدمون رباط ونجيب صدقه وصلاح ستيتيه ورنيه حبشي وأسد رستم وروبير غانم ورشدي المعلوف والأب ميشال خليفه. ومن طلابه في تلك الحقبة أسماء ستلمع لاحقًا في دنى الثقافة والتربية والقانون والسياسة: مي مرّ، ماري-آنج أبي صالح-برنس، ناديا عون، رنيه رومي-رزق، توفيق توما، جوزف أنطون، جوزف أبو رزق، شفيق سعَيْد، جورج سعاده، سعيد شهاب الدين، محمد علي مكي، فرنسوا أيوب، جوزف أبو جوده، موريس قليموس، أنطوان ملتقى، يوسف حبشي الأشقر، جوزف نجيم، وغيرهم الكثيرون
بدأ يعلّم في الكسليك ابتداء من العام 1956 . من طلابه الأوائل، أطال الله بعمرهم: الأب يوسف محفوظ (المطران حاليّاً)، الأباتي بولس نعمان، الأب توما مهنا، الأب غسطين عازار. أما الجامعة اللبنانية، التي سيقضي فيها صفوة عمره الأكاديمي، فقد انضمّ إليها أستاذًا منذ تأسيسها عام 1951 كدار عليا للمعلمين، قبل أن تحمل اسمها الرسمي عام 1953 . هو إذًا من رعيلها الأوّل مع خليل الجرّ وفؤاد أفرام البستاني وأحمد مكي وجبور عبد النور وإدمون نعيم والأبوين فريد جبر وجيروم غيث وزاهيه قدورة. ومن طلابه: فؤاد الترك، مفيد أبو مراد، فيكتور الكك، محمود حمّود، محمّد علي موسى، وليم الخازن، أحمد حاطوم، ناصيف نصّار، غسان خالد، بطرس حبيب، حبيب الشاروق، ربى سابا، إلهام منصور، موسى وهبه، علي غصن، مهدي فضل الله، حنا الشاعر، رفيق غانم، رواد طربيه، الياس الحاج. واللائحة أطول من أن تحصى. وسيتولى والدي رئاسة قسم الفلسفة في الجامعة اللبنانية من 1957 إلى 1947، وعمادة كلية آدابها بالوكالة بين 9691 و 1791
السنة 1953 هي في حياته تاريخ-مفترق. فقد عيّن عامذاك رئيسًا لمصلحة الشؤون الثقافية في وزارة التربية، ليصبح أول رئيس لما سيصبح لاحقًا وزارة الثقافة. كذلك، تعرّف إلى الآنسة الأديبة ماغي الأشقر، خريجة الأكاديمية اللبنانية ونسيبة المفكر السياسي أسد الأشقر، واقترن بها. ثمّ بدأت أول مرحلة من إنتاجه الفلسفي الغزير. افتتحها عام 1954 بكتاب مدخل لفلسفة رنيه ديكارت، ليصدر بعدئذ كتابًا آخر من جزئين حول فلسفة هنري برغسون في العام التالي. ثمّ جمع، عام 1956، سلسلة من المحاضرات السابقة بين دفتيْ جزء أول من كتاب عنونه «فلسفيات»، قبل أن يصدر، بعد أشهر من العام نفسه، كتابه المحوري «فلسفة اللغة»، الذي أطلق شهرته الفلسفية الواسعة وحدا بدار النهار، ناشرة طبعته الثانية عام 1967 تحت عنوان «في فلسفة اللغة»، على أن تقدّمه بهذه الكلمات: «منذ «دلائل الإعجاز» و«أسرار البلاغة» للإمام عبد القاهر الجرجاني (المتوفى سنة 174 هـ)، لم يظهر في اللغة العربية كتاب تناول معضلة اللغة في مدواتها الفلسفية كالذي وضعه الدكتور كمال يوسف الحاج… الشيء الأكيد هو أنّ كتاب «في فلسفة اللغة» يعتبر أقوى دفاع فلسفي يلقيه مفكّر لبناني عن اللغة العربية… وقد جاء بمثابة قاعدة لإحياء حركة فلسفية تكون اللغة العربية قالبها الأوحد.» كتاب «فلسفة اللغة» هو، في ظنّ العارفين، من أرفع وأبقى ما أبدع كمال الحاج. إنه حجر الزاوية لما يمكن أن نسميه، فلسفيًا، العهد الكمحجي الأول، حيث تبرز تباعًا براويز الحاج الفلسفية الكبرى: فلسفة الأمة والقومية 1957، تعادلية الجوهر والوجود 1958، الأمة العربية 1959، القومية اللبنانية (1691)، فلسفة الميثاق الوطني 1961. ينتهي هذا العهد عام 1691، مع صدور كتابه المحوري الثاني: «الطائفية البناءة أو فلسفة الميثاق الوطني». وتغيب عن هذا العهد أفهومة الفلسفة اللبنانية، مع أنّها موجودة برعميًّا في محاضرة للحاج عن أمين الريحاني الفيلسوف، عام 1963، حيث كان سبّاقًا في كشف الغطاء عن البعد الفلسفي في نتاج الأمين.شهدت هذه الفترة أيضًا ولادة «ندوة الإثنين»، وهي منتدى ثقافي نابض، رديف للندوة اللبنانية، إذ هو يلتئم في مكاتبها. أعضاؤه: ميشال أسمر، كمال الحاج، خليل حاوي، هشام نشابه، نور سلمان، جميل جبر، أحمد مكي، ليلى بعلبكي، إدفيك شيبوب، سامي الشقيفي، جوزف أبو جوده، سهيل ادريس، جورج شامي. سقى الله تلك الأيام الذهبية من عمر لبنان الثقافة
بين 1961 و1966 «عبور صحراء» لكمال الحاج، كما يرى ميشال أسمر بقلق في الرسالة التمهيدية التي نثبتها في ختام هذا الكتاب، حيث يقول: «وكان انقطاعه، منذ العام 1961، عن كل تظاهرة كتابية علنية، وكانت جلستي معه في غروب صيف 1965.» ميشال أسمر مخطئ. صديقه كمال لم ينقطع عن الكتابة العلنية في هذه المدة، ولو بصبيب «شحيح» نسبيّاً. نجد له ست محاضرات، إضافة إلى ترجمته «تأملات» ديكارت إلى العربية. والرابعة من هذه المحاضرات، «المبرّر الفلسفي للقومية اللبنانية» (1963)، استثنائية بامتياز. ففيها يرسم الحاج، للمرة الأولى، خطًّا جديدًا في حياته الفكرية، بل في حياة لبنان الفكرية. إنه خطّ ”الفلسفة اللبنانية. أما الاستثنائية الأخرى، غير الفكرية، في تلك المرحلة، فهي قبوله التدريس في حرم غير جامعي، معهد الرسل، الذين حضن أيضًا أولاده الذكور الأربعة… كل هذا وفاء لصداقته برئيس المعهد، الراحل الكبير الأب بولس نجم
عندما أجاب كمال الحاج قلق ميشال أسمر برسالة توضيحية، كان يفتتح عهده الثاني في مساره الفلسفي. نثبت هذه الرسالة الفائقة الأهمية، وهي بعنوان «في غرّة الحقيقة» (1966)، في نهاية الكتاب. إنها فرش رائع من كمال الحاج لمراحل تكوين فلسفته ولمراميها الآتية. من يودّ أن «يكمش رأس الخيط» للولوج إلى عالمه الرحيب الغوير عليه أن يبدأ من هنا.
في العهد الكمحجي الثاني تبرز، إضافة إلى العناوين القديمة، بعض محطات جديدة: الإنسان في أبعاده الثلاتة (1966)، خطر الصهيونية (1967)، المسيح سيّدًا للتاريخ (1968). دخلنا في مرحلة حساسة للغاية من تاريخ لبنان، قبيل نكبة السادس من حزيران 1967. النزال العقائدي في بلاد الأرز على أشدّه. القوميات تتصارع عليه، وهي فئتان: الماضويّة منها، والانسانية الحقوقية. الأولى تريد أن تبعث «ماضيًا مُجَغرَفًا» كما يقول الحاج، من الفرات إلى النيل مثلاً (الصهيونية)، أو من المحيط إلى الخليج (العربية)، أو الهلال الخصيب (السورية). الثانية قائمة على الكيان السياسي المرتكز على الحقوق الانسانية والإرادة الشعبية الحرة والدولة المستقلة السيدة على حالاتها في الداخل والخارج. تلك هي القومية اللبنانية الإنسانية كما امتشقها كمال الحاج.
في هذا العهد أيضًا يبدأ كمال الحاج الماروني «ابن بكركي البارّ»، والمفكّر الجامع بقوة بين العقل والإيمان. بدأت العلاقة الأيـِّدة مع سيد بكركي، البطريرك مار بولس بطرس المعوشي، يوم قرأ غبطته محاضرة للحاج في أوائل العام 1967 دفاعًا عن المقام البطريركي، وذلك في إثر مناظرة حادة كان طرفاها الأبرزان كمال الحاج وسبع بولس حميدان، الاسم القلمي لأسد الأشقر. عنوان المحاضرة: «بكركي صخرة الخلاص». مذّاك بدأت صداقة فريدة بين والدي والسيّد البطريرك، صداقة لم أعثر بعد على نظيرها في العمق والمتانة بين علماني ورأس كنيسته. فلقد كان بطريرك «العروبة البيضاء» يطلب الوقوف على رأي والدي في كلّ شاردة وواردة من حياة الكنيسة ولبنان، وكان يسميه «بول كلوديل الشرق». كذلك، لم يجد سماحة مفتي الجمهورية آنذاك، فضيلة الشيخ حسن خالد، أفضل من كمال الحاج الماروني لتكليفه بالردّ على كتاب «نقد الفكر الديني» للمفكر السوري صادق جلال العظم، الذي أحدث يومئذٍ ضجةً كبيرة في الأوساط الدينية وسُحب من التداول
على كل الجبهات الفكرية الكبرى، كان كمال الحاج المناضل الأبرز، وأحيانًا الأوحد. في الصراع على قومية لبنان وديمومته، علا زئير كمال الحاج على كل النقيق. في الدفاع عن اللغة العربية وتحديثها والإبداع فيها، ربّان السفينة هو كمال الحاج. في تثبيت الروح الميثاقية بين جناحي لبنان غَلَقًا لعقد الدولة اللبنانية والكيان السياسي، رأس الحربة هو كمال الحاج. في «الطحش» على العقيدة الصهيونية وتقويض حججها، لا جرأة فوق جرأة كمال الحاج. في فكفكة الماركسية والتصدي للإلحاد المعاصر، سيّد المنابر هو. في التنظير للاعتدال المسيحي متمثلاً في بكركي، دونك كمال الحاج. حتى في التصدي لجملة من «الانتفاضات» ضمن الكنيسة المارونية، ومن داخل البطانة الإكليروسية، وبعضها على شخص البطريرك بالذات، ما تجرّأ أحد سوى كمال الحاج
في كل هذه المعارك، كان والدي مطمئنًا إلى النصر الأخير لأنه كان واثقًا بصدق بيانه وقوّة حجته. جبهة واحدة فقط أدرك أنها ستستحوذه طويلاً لأنها، بكلماته، الأكأد مطلبًا، والأبعد قطافًا، والأوعر مرتقًى: كيف نلبنن الفلسفة لنفلسف لبنان؟ واستطرادًا: كيف نزاول الأفعول الفلسفي لجبه معاضلنا المصيرية؟ وأخيرًا: هل ثمة أسانيد تاريخية لهذا الجبه الفلسفي اللبناني عبر العصور؟ أثمة فلسفة لبنانية؟
يخطئ من يعتقد أنّ كمال الحاج تطارح على نفسه هذه الأسئلة لأول مرة أواسط السبعينات، في إطار معركته الشَّروس لإدخال مادة الفلسفة اللبنانية في البرامج الأكاديمية لقسم الفلسفة في الجامعة اللبنانية. واقع الحال هو أنه دشّن دروسًا جامعية في الفلسفة اللبنانية من على منبر جامعة الروح القدس منذ أواخر العام 1966. وللتاريخ نذيّل هذا الكتاب بالنص الكامل لدرسه الأوّل في هذه المادة
في قراءتي أنّ العهد الكمحجي الثاني دام حتى سنة 1972، وكان صاخبًا ومثمرًا للغاية. من أهم محطاته كتابان ومحاضرات أربع. الكتاب الأول دار «حول فلسفة الصهيونية» (1967). أصله مجموعة مقالات نشرت في جريدة «الحياة» بعد حرب الأيام الستة. الثاني، «بين الجوهر والوجود أو نحو فلسفة ملتزمة» (1971)، أرسى في صيغة مكتملة نظامه الفلسفي القائم على تعادلية الجوهر والوجود وعلى انخراطية الفلسفة في السياسة، منطلقًا فيه مما كان قد حبّره في هذا الباب بشكل تخطيطي عام 1957.
أما المحاضرات الأربع، فقد ألقيت متسلسلة، صيف العام 1969، تحت عنوان واحد: «لبنان في اللهب. هل يحترق؟» فيها انطلق الحاج من لبنان كما هو كائن إلى لبنان كما يجب أن يكون، مفنّدًا ما يحدق به من أخطار داخلية وخارجية. في هذه السلسلة تبرز رؤيويته الاستباقية للحرب في لبنان وعلى لبنان بشكل لافت. وأذكر للتاريخ أنه كتب إحداها، الثالثة على ما أظنّ، بجرّة قلم واحدة، في ليلة يتيمة، وهذا نادر جدًّا عنده
منذ تلك السلسلة، ازداد تشديد والدي على لبنان الواجب أن يكون. على لبنان الغد. على لبنان التاريخ. عناوين مختلفة للبنان واحد: لبنان الرسالة. الحاج تكلّم على رسولية لبنان، وعلى لبنان الأكثر من وطن، عشرات السنين قبل يوحنا بولس الثاني. هل هي المصادفة أن يموت هذان الخالدان في اليوم نفسه، في الثاني من نيسان؟ ربما في ذلك إيماءة من فوق إلى وجوب رعاية الأعجوبة اللبنانية دون هتك سرّها
«غــــد لـــــبـــنــــــان فصل من لبنان الغد»، يقول الحاج. «لبنان الغـــــد أكـــــــثر مــن لبنانيّ… لبنان الغد رسوليّ… ورسولـيّته موجهة إلى اللبنانيين في الـــداخــــل، وإلى العرب في الخارج، وإلى جميع شعوب الأرض.» كتب الحاج هذه الكلمات قبيل أشهر من استشهاده، فارتجع صداها في المقولة البابوية الشهيرة، في السابع من أيلول عام 1989: «لبنان هو أكثر من وطن: إنه رسالة حرية ونموذج تعددية للشرق كما للغرب
في رأس العام 1972، ماتت أمه، معبودته، بين يديه، وكان وحده معها. رافقها منذ حشرجاتها الأولى وحتى تمتمات وصاياها الأخيرة. هذا العيان للموت، فتَقَدُّمه في السن، فخيبة أمله من الفلسفة أمام حتم الموت، «مَريَـمَه». هكذا يشهد أبي لحلول العذراء في كيانه: «كان ذلك في كنيسة صغيرة محتشمة. لا يؤمّها إلا المساكين بالروح. كنت راكعًا أصلي. وقد لملمت كل أطرافي نحو قلبي، نحو عقلي، نحو ضميري، لأستحضر وجه أمي الحبيب في أعماق نفسي. كنت أبكي بصمت خانق ورأسي بين راحتيّ… وأنا في تلك الليلة المسعورة نادتني العذراء… أجل، سمعت العذراء تناديني، باسمي. ورأيت نور عينيها. وكان مساء. وكان صباح… أنا اليوم ولد من أولاد العذراء… على أقدامها رميت فلسفات هذا العالم الأفّاك… لم أعد أستأنس الفلسفة إلا بمقدار ما توضح لي عمق ارتباط مريم بالثالوث الأقدس العظيم.»
بهذه الكلمات افتتح والدي عهده الفلسفي الثالث، والأخير، واللا-إلى-منتهى، كما سمفونية شوبيرت. ورغم خيبته المعلنة من الفلسفة. فهو لم يهجرها إلا تقنيّاً، إذا صحّ التعبير. بقيت في عروقه. في أنفاس يراعه. في نبض مداده. كان في حاجة ماسة إليها لتركيز ولده المدلّل، الفلسفة اللبنانية، «في إطاريها الواجبين»، الفلسفة العالمية والفلسفة العربية، ضمن ملحمة فلسفية جبارة يروز فيها، بالعربية وبرؤيا واحدة، ركائز الفكر العالمي عبر العصور في اثني عشر مجلدّا ضخمًا تحت عنوان «معالم الفكر الإنساني». في هذه الموسوعة، تأتي الفلسفة اللبنانية كسلسلة فكرية ثانية، من أربعة مجلدات، بين سلسلتَيْ الفلسفة العالمية (الأولى) والفلسفة العربية (الثالثة)، أيضًا في أربعة مجلدات لكل منها. السبب الموجب للموسوعة هو، بكلماته، «أن نلبنن الفلسفة باللغة العربية لنفلسف لبنان في عالم عربي ينتفض». هذا قيل عام 1972، بعد التمَرْيـُم
لم تمهله الأقدار ردحًا كافيًا لتحقيق هذا الطموح الجبار، المنقطع النظير في الفضاء العربي، بل ربما على الإطلاق: أن يحوّم كاتب واحد حول كلّ الفلسفة بنَفَس الفيلسوف لا المؤرّخ. هذا إنجاز لا يقوى عليه إلا أفذاذ يجود بهم التاريخ، إن جاد، في هنيهات نادرة تقاس بالقرون. خسارة ولا أفدح أنزلها بنا قاتلوه، والوحيدة التي يليق بأن يُثأر لها، ولو بعد مئات السنين
الحرب على مصير لبنان، وتشويه الحقيقة اللبنانية، ومسخها، تمهيدًا لابتلاع الكيان الرسالة، بدأت في أروقة الجامعة قبل أن تندلع على مساحة الوطن. نعيق الشؤم صمّ آذاننا الأكاديمية بين 1972 و1975، مقابل تغريد كمال الحاج، «النشاز»، بديمومة القومية اللبنانية الانسانية، وعظمة لبنان التاريخ، وأسبقية الإنسان الحرّ على كلّ كتلة مجتمعية صمّاء، وعناد المحبة النصلامية، وحقيقة الفلسفة اللبنانية. وبدأ والدي يتيقّن، في هذه الأجواء المشحونة حتى الغليان، من أن شفرة الموت لن توفّر الوطن، وقد لا توفّره هو. على نفسه ما اكترث، هو الناذر نفسه لربّ الحياة وأمه. أما على الوطن، وعلى أجياله الآتية، فخاف… من عبودية التجهيل الرهيبة خاف. لذا خاض أشرس معارك حياته الأكاديمية بغية إدراج الفلسفة اللبنانية كمادة إلزامية في برامج الدروس الأكاديمية في الجامعة اللبنانية، وتمّ له ما أراد عام 1974، في عهد صديقه ورفيق عمره وزير التربية آنذاك، الأديب والسياسي الصديق الأستاذ إدمون رزق
في ظل أجواء ما قبل الحرب، الحبلى بالانفجار، تقدّم على سكتين نذر نفسه لهما: الأولى هي إلقاء المواعظ الدينية بعد تحوله، بُعيْد تمريمه، متصوفاً بلباس مدني، والثانية هي الشروع بكتابة «موجز» لمجلدات الفلسفة اللبنانية في موسوعته كي يرجع إليها الطلاب في المادة المقررة حديثًا. وهكذا ولدت مواعظه التأملية في الميلاد، والكاهن، ويوسف البتول، والفصح، والعذراء، والصليب، والثالوث، وظهر مجلّده الضخم «موجز الفل سفة اللبنانية» (كذا!). هذا الأخير هو، على مثال «فلسفة اللغة»، من أبقى وأثمن ما كتب، رغم بعض النقص الذي يشوبه بسبب استعجال تأليفه تحت وطأة الخوف من مصير مشؤوم بدأ والدي يتوجّسه، بحدسه الرهيف شبه النبوي، «جزاءً» على كل ما جاهد في سبيله بصلابة وصدق ناصعين
ثم كانت الحرب. فالصعود إلى الشبانيه. فالعمل على التهدئة والوئام بين أبناء الجبل. فتزوُّجُ أصابعه سبحة الصلاة. فانهمار دموعِه كلما اقتبل القربان المقدّس. فانعتاقه بالروح إلى أحضان السماء. فرغبته في إنهاء حياته مترهّـبًا في دير الكريم
​… فالثاني من نيسان …
… فالخلود في ذمّة التاريخ …

في مئوية ولادة الفيلسوف كمال يوسف الحاج
في 08 نيسان/سنة 2017 كتبت الصحافية سوسن الأبطح في جريدة الشرق الأوسط المقالة التالية:
ليست مصادفة عودة الفيلسوف اللبناني كمال يوسف الحاج (1917- 1976)، بعد أن كاد ينسى وتطوي أفكاره السنين. لعله كاتب المرحلة وفيلسوفها، ومؤلفاته مناسبة تماماً لتعاد طباعتها كاملة، ويقام احتفال كبير حولها ومؤتمر يناقش مضامينها، ويعيد تقييمها كما حدث منذ ثلاث سنوات. فمن كاتب مثير للضغينة متهم بالتعصب والانغلاق في ستينات القرن الماضي، بسبب دفاعه الشرس عن «القومية اللبنانية»، والتنظير لها والتأليف حولها، وإسنادها برؤى فلسفية، إلى مفكر مطلوبة اجتهاداته ومحببة. كانت نظريته حول الوطن والدولة اللبنانيين في مواجهة الوحدة العربية التي يذوب الجميع فيها ويتماهى داخلها. اليوم، بعد كل الانقلابات التي حدثت، تبدو آراؤه التي وصفت بالانعزالية واقعية، وقد تكتسب المزيد من الأهمية في السنوات المقبلة. فالرحلة التي قطعتها مؤلفات كمال الحاج طويلة وشاقة، في مرحلة مليئة بمتغيرات، ضربت لبنان وكل المنطقة العربية والعالم أجمع.
منذ سنوات كان عليك أن تبحث كثيراً في المكتبات لتعثر على بعض من كتب كمال الحاج، الآن توفرت الكتب، وثمة اهتمام خاص بإحياء فكره، بمناسبة حلول مئوية ولادته هذا العام. وبدءاً من 14 (مارس) آذار الحالي، تنطلق أنشطة حول يوسف الحاج وأعماله، تستمر عاماً كاملا، في لبنان وأيضاً في تونس، حيث تنظم محاضرات ونقاشات وندوات، كما يتم العمل على ترجمات، وهناك تشجيع على إعادة تدريس رؤيته الفلسفية في المناهج الجامعية. فالفيلسوف الذي اغتيل عام 1976 مع مطلع الحرب الأهلية اللبنانية المشؤومة، دافعاً دمه ثمناً لجرأته، يبدو لكثيرين بعد أربعة عقود أنه كان أقرب إلى الصواب ممن نادوا بالنضال من أجل هوية أوسع وأكثر شمولا وباءت نظرياتهم على الأرض بفشل ومجازر.
لبناني حدّ التعصب لولا أنه يمنح هذه النظرة الوطنية الضيقة بعداً مفتوحاً على أفق رحب ومسارب كثيرة. وكلما شعرت وأنت تقرأه، أنه يقترب من الشوفينية، يشرّع لك نوافذ وأبواباً تزودك بالسماحة والاعتدال.
ولد كمال يوسف الحاج في 17 فبراير (شباط) 1917، في مدينة مراكش في المغرب. عاش في بداياته بين المغرب ومصر. والده، يوسف بطرس الحاج كان كاتباً وصديقاً للملك فؤاد، أصدر عدّة صحف في باريس ودمشق ولبنان، وعلّم ابنه فنون الخط العربي والعزف على الكمان، لينضم بعد ذلك إلى أوركسترا الجامعة الأميركية، التي منها أجيز بشهادة في الأدب العربي عام 1946، وعمل على أطروحة حول مصطفى صادق الرافعي. وقبل تخرجه انكب على ترجمة كتاب برغسون «رسالة في معطيات الوجدان البديهية» ليكون أول من ينقل هذا الفيلسوف الصعب إلى العربية. وشكلت هذه التجربة محطة مفصلية في حياته الفكرية، إذ جعلته يتوقف طويلا أمام علاقة الإنسان باللغة عموماً والفكر بشكل خاص، وصعوبة إيجاد المعاني ذاتها في لغتين مختلفتين، بعد وقوفه عاجزاً أمام إيجاد الكلمات التي تتطابق والمفاهيم التي كان يتوخاها أثناء الترجمة. بفضل هذا الكتاب، حصل على منحة إلى فرنسا لتحضير رسالة دكتوراه في جامعة السوربون حول «قيمة اللغة عند هنري برغسون»، غارقاً بذلك في موضوع أثار فضوله باكراً.
وبنتيجة هذه الأطروحة التي سيعود بعدها إلى لبنان عام 1950 ليدرس باللغة الفرنسية في «معهد الآداب العليا الفرنسي وفي الأكاديمية الوطنية للفنون الجميلة» سيجد نفسه مشغولا بموضوع الازدواجية اللغوية، وليتوقف بعدها بقليل عن استخدام الفرنسية منتقلا إلى لغته الأم، التي سيكتب عنها كثيراً بعد ذلك، وعن قيمتها الجوهرية في التعبير وتشكيل الوجدان.
كان من أوائل الأساتذة المؤسسين الذين انضموا إلى «الجامعة اللبنانية» عند افتتاحها كدار عليا للمعلمين مطلع الخمسينات. ثم أصبح أستاذا في «قسم الفلسفة» فيها ورئيساً له، وعميداً لكلية الآداب. وفي ظلها سيلمع اسمه، وتعرف أفكاره وأهم كتبه، ومع أساتذتها ستدور الكثير من النقاشات حامية الوطيس.
عام 1954 صدر كتابه «مدخل لفلسفة رنيه ديكارت»، تلاه آخر «حول فلسفة هنري برغسون» في جزأين، ثم «فلسفيات». وعام 1956 بدأ التدريس في «جامعة الكسليك» وأصدر كتابه الأشهر «فلسفة اللغة» الذي سيطبع مرة ثانية تحت اسم «في فلسفة اللغة» ويدرسه عديدون من طلاب «الأدب العربي» كجزء من منهاجهم، حيث وضع فيه خلاصة تجربته مع لغة برغسون وأفكاره الفلسفية ومعرفته باللغة العربية. واعتبره كمال الحاج مؤلفاً جديداً في ميدانه، لأنه ينظر إلى اللغة لا من جهة النحو والصرف التقليدية المعتادة وإنما من زاوية فلسفية وكملكة تمنح البشري قيمته الإنسانية. وهو يشرح في مقدمة هذا الكتاب أن «اللغة هي قضية قومية. ولما كانت التيارات القومية متعددة في لبنان، فقد تعددت أيضا المواقف إزاء اللغة عامة، واللغة العربية خاصة التي هي لغتنا الأم».
تعلقه باللغة العربية ورفعه لها إلى درجة اعتبارها جوهراً، لم يقده إلى القومية العربية التي كانت كاسحة في ستينات القرن الماضي، أو البعثية وتلك التيارات اليسارية الوطنية التي كانت سائدة، وإنما إلى اعتبار القومية اللبنانية هي الأساس، لأنها في نظره قديمة ومتجذرة. وهذا ما سيسوقه للتنظير للدولة ومفهومها، والطائفية معتبراً إياها تبعاً لتعريفه الخاص أساس الوجود اللبناني وقيمة إيجابية يفترض الاستفادة منها لتعزيز الروح الوطنية. من هنا جاءت سلسلة كتبه «فلسفة الأمة والقومية» 1957، «تعادلية الجوهر والوجود» 1958، «الأمة العربية» 1959، «القومية اللبنانية» 1961، «فلسفة الميثاق الوطني» 1961، ثم كتابه «الطائفية البناءة أو فلسفة الميثاق الوطني».
في هذا الكتاب يشرح كيف أن الطائفية بالنسبة له قيمة إيجابية، و«عظمة القومية اللبنانية تنبثق من كونها طائفية». «والطائفية هي صهر أخوي لدينين عظيمين في قومية واحدة. بل هي النقطة التي يلتقي فيها غرب وشرق. وقد عبر عن ذلك التمازج الحضاري ميثاقنا الوطني الذي أخطأ بعضنا فهمه عندما نظروا إليه كتسوية إدارية في ملاكات الحكومة. الميثاق تخطى صراحة التعادل الإداري في الحكومة إلى تعادل حضاري في المشاهدة الباطنية بين مسلمي الشرق العربي ومسيحييه».
بلغة خاصة، اعتبرها استكمالا لهويته اللبنانية، وانتماءً للعربية نحت كمال يوسف الحاج العديد من الكلمات الجديدة من بينها كلمة «نصلامية» التي يقصد بها الزواج الحضاري بين النصرانية والإسلامية. إذ يعتبر أن لبنان يجمع هذا التناغم بين الدينين ويحافظ على الطائفية. وهو بلد التسويات، وإذا طلب منه غير ذلك فهو «تكسير لأضلاعه».
كتب ونظّر كمال يوسف الحاج، ضد الماركسية والشيوعية، وكذلك ضد قيام إسرائيل والدعوة الصهيونية، معتبراً أن سبعة ملايين مسيحي في هذا الشرق يجب أن لا يستهان بدورهم في النضال ضد إسرائيل، فهي في نظره دولة مستعمرة، معتدية، ووجودها بصيغتها الدينية التي لا تفسح مجالا لآخر وجود مضاد للبنان، البلد الذي جاء سكانه مهاجرين، ليحتموا بمغاوره وجباله، وفي غالبيتهم، من الهاربين من العبودية إلى صلابة جباله، ومن طلاب الحرية والثوار والمتمردين. وهم في الأصل مختلفون في أديانهم وفي أصولهم، جاءوا منذ أمد بعيد ليعيشوا وفق صيغة تعايش هي رسالة للجميع. من هنا يعتبر أن انتصار إسرائيل وتمددها وسيطرتها معاد للبنان وخطر، لا بل هو وجود، في الأصل، يهدد لبنان بالفناء.
ربما أن فكر كمال الحاج في حينه كان يبدو شوفينياً، يوم كانت النخب العربية تناضل في كل قطر من أجل وحدة وجدت نواتها الأولى على يد جمال عبد الناصر في الوحدة بين سوريا ومصر. وقتها كان كمال الحاج وأمثاله بحاجة إلى شجاعة كبيرة ليقفوا في وجه أمواج العروبة الحماسية. ومع ذلك قال الحاج كلمته حينها: «لبنان مدافع عن العروبة بشرطين: ألاّ تكون عروبة دينية، وألا تطلب الوحدة السياسية المبرمة. ولا لدولة مسيحية في لبنان، ولكن الامتياز المسيحي ضرورة في وجه إسرائيل. وبالتالي لم يكن كمال الحاج ضد العروبة بمعناها التاريخي الإنساني الحضاري، لكنه ضد أن يذوب لبنان في هذا المحيط العروبي الكبير. رؤية تحاول أن تكون متكاملة حول الإنسان ولسانه وانتمائه وكينونته والجوهر. العودة إلى كمال الحاج اعتراف بأن النظرية العروبية قد علّقت وأن التمسك بالقطرية هو طوق النجاة الأوحد المتاح، إن أمكن.

في اسفل رابط محاضر للفيلسوف الحاج وشرح لأبعاد القومية اللبنانية

ابعاد القومية اللبنانية
الفيلسوف كمال يوسف الحج/هام 1970
“ابعاد القومية اللبنانية” من الناحية التاريخية والاقتصادية ولثقافية والاجتماعية، محاضرات القيت في جامعة الروح القدس – الكسليك في العام 1970.
ف ” قضية القومية هي من القضايا الكبرى المطروحة على بساط البحث اليوم في عالم الفكر والسياسة، في لبنان والبلاد العربية. ان الاحداث المصيرية، على ما يظهر، في إذكاء هذه المشكلة وتعقيدها. لذلك لا يجوز الوقوف منها موقف التجاهل واللامبالاة. كما انه من الخطاء ان تعالج بالهوس والحماس
ومن المفكرين الذين حاضروا في هذا الموضوع الفيلسوف كمال يوسف الحج، وعنوان محاضرته : ” قوميات إزاء القومية اللبنانية” ، ومنها نقتطف هذا الحوار الذي تم بين الفيلسوف المحاضر وثلاثة صحافيين. وربما يكون هذا الحوار الجواب الشافي على المتمسكين بالعروبة او القومية السورية او اي قومية اخرى خارج مظلة القومية اللبنانية:
زارني، يوماً، ثلاثة صحافيين من خيرة شبابنا الواعي، في حقل الثقافة والسياسة.اعرفهم، واحترمهم. عقيدتهم هي القومية العربية، عقيدتي هي القومية اللبنانية.
وكانت الغاية من زيارتهم لي ان نتذاكر حول لبنان والقومية العربية. افتتح الكلام كبيرهم.
قال : الا تعتقد ان لبنان بلد عربي.
قلت : اعتقد
فال : اذاً انت تعترف بأنك عربي.
قلت : اعترف.
قال : اتمانع في ان نسجل عليك هذا التصريح؟ انه كسب لنا.
قلت : لا امانع. ولكن المعركة لم تنته بيننا. لقد بدأت.
قال : وكيف ذلك؟
قلت : ان اكون عربياً شئ وأن اكون قومياً عربياً شئ آخر. ليس كل عربي قومياً عربياً. انا قومي لبناني. ( ساد محدثي الوجوم ) أرأيت كيف ان الالفاظ تلعب دوراً كبيراً، وكبيرأً جداً، في المعارك السياسية. ان لفظة عربي صفة لا وجود ، أو قل : هي نعت مضاف الى وجود. تعني فقط ان كل من يتكلم العربية كلغة – ام له هو عربي. وعليه فانا عربي لساناً. وهذا لا يتنافى مع قوميتي اللبنانية.
قال : وهل تتنافى القومية العربية مع لبنان؟
قلت : لنبحثن. اتسلم بان القومية العربية تيار سياسي يرمي الى تحقيق وحدة سياسية في ارض تمتد م المحيط الاطلسي الى الخليج الفارسي؟
قال : اسلم
قلت : اذاً هي ليست فكرة فقط. انها عمل من اجل كيان سياسي معين.
قال : هذا صحيح.
قلت : والكيان السياسي؟ اهو صفة ام وجود؟
قال : انه وجود
قلت : وكيف تحدد الوجود في السياسة؟
قال : بالمكان او الطبيعة، وبالزمان او الانسان.
قلت : ماذا تقصد بالطبيعة؟ اتقصد بها الارض فقط بمعناها الخارجي؟ ام هي القطر الصالح زرعاً ورياً ؟ وهنا يدخل الاقتصاد ايضاً ؟
قال : بلى اقصد القطر الصالح.
قلت : هذا من جهة المكان. يبقى الزمان. اليس هو حاصل الماضي والحاضر والمستقبل؟
قال : بدون شك.
قلت : الا تعتقد ان كلمة ” التاريخ” تعبر عن هذه الابعاد الثلاثة؟
قال : اعتقد.
قلت : حسناً. اذاً التاريخ هو مجموع التقاليد، بمعناها الشامل، التي تؤلف ارادة مشتركة، يعطاها الانسان تراثاً من الماضي، ليعايشه حاضراً، في اتجاه المستقبل. يبقى سؤال. هذه الاسانيد الجغرافية، والاقتصادية، والتاريخية، كيف يعبر عنها الانسان، على صعيد الذهن؟ اليس باللغة؟
قال : جبراً باللغة.
قلت : لقد كمل بين ليدينا، الاطار الجوهري، انه ارض، واقتصاد، وتاريخ، ولغة. لكن كيف يصون الانسان هذا الاطار الجوهري؟ اليس عن طريق المؤسسات؟
قال : لم افهم.
قلت : لنأخذن الارض. ايحن الانسان الى مطلق ارض؟ ام هناك الارض التي تمثل له الوطن؟
قال : صدقت. انها الارض التي تمثل له الوطن.
قلت : والوطن اليس رقعة من الارض عينت لها حدود؟ هذا من الناحية الجغرافية. اليس كذلك.
قال : انه لكذلك.
قلت : لنأخذن الانسان الموجود على ارض الوطن. اليس بحاجة الى ادارة داخلية تسير له اعماته وتيسرها؟
قال: جبراً.وهي تسمى الحكومة.
قلت: احسنت. ولكن الانسان لا يعيش وحده في المعمورة. هناك غيره من المجتمعات التي تتمتع بالاسانيد الجوهرية ذاتها. الا يترتب عليها ان تعترف بوجوده كي يصير هذا الوجود حقا دوليا؟
قال: يترتب.
قلت: يوم تعترف به ماذا يصبح؟
قال: دولة.
قلت: أبدعت. اذا الدولة هي الاعتراف، الذي يحصل عليه الشعب، من الخارج، والذي يدل (أي الاعتراف) الى انه (اي الشعب) مستقل في علاقاته مع الاغيار. هذا من الناحية الحقوقية الدولية.اليس كذلك؟
قال: انه كذلك.
قلت: الا تعتقد ان الدولة بحاجة الى صيانة الجيش؟
اعتقد بل اؤمن.
قلت: الا تعتقد ان شخصا واحدا يمثل كل السلطات هو الرئيس الأعلى.الا تسلم بذلك.
قال: اسلم.

قلت: اعيد. لغة، القومية تأتي من القوم الذي ينتسب اليه الانسان. وليس مطلق قوم ينتسب اليه مطلق انسان. ثمة قوم واحد يحدده جوهر واحد ووجود واحد. الجوهر الواحد يقوم على أنه ارض واحدة، واقتصاد واحد، وتاريخ واحد، ولغة واحدة. تلك هي الاسانيد الجوهرية المنبثقة من الزمان والمكان. وقد ترتب عليها ان تتجسد في مؤسسات تلخصها الحكومة (أي السيادة في الداخل) والدولة (أي الاستقلال في الخارج) هذا هو الكيان السياسي.
قال: صدقت.
قلت: اذا القومية العربية جوهر ووجود. معنى ومبنى. فكرة وتحقيق. ذلك لان القومي العربي لن يكتفي، فقط، بالشعور المجرد نحو القومية العربية. انه يعمل ايضاً من أجل تحقيقها في كيان سياسي واحد.
قال: هذا حق.
قلت: وهل يقبل الكيان السياسي الواحد قوميتين مختلفتين؟
قال: انه لتناقض.
قلت: عليك الآن ان تستنتج.
قال: لا سبيل الى القومية العربية والقومية اللبنانية في آن واحد. إما هذه وإما تلك. ذلك لأن لبنان يتمتع ايضا بكل صفات القومية كما حددتها انت.
قلت: لا فض فوك. ان اللبناني، الذي يطمح الى القومية العربية، يعمل ضمنا الى ازالة لبنان، إن آجلا وإن عاجلا. كيف يمكن التوفيق اذا بين هذين الادعاءين “انا قومي عربي” “وانا ادافع عن كيان لبنان واستقلاله”؟ وهل بمقدورنا ان نعايش قوميتين في كيان سياسي واحد؟ إما ضد لبنان مع القومية العربية، وإما ضد القومية العربية مع لبنان. عليك ان تختار بوضوح وجرأة وصراحة.
هنا تضايق محدثي واحمر وجهه وارتجف ثم انتصبت عروقه من شدة الانفعال.
قال: انت تدافع بطرق الفلسفة عن القومية اللبنانية. وقد تكون على صواب الا انني لا اسلم بها.
قلت: انت حر ان لا تمنحها ولاءك الفردي او الحزبي. تلك ناحية عاطفية تعبر عن انك لا تريد القومية اللبنانية. الا ان القومية اللبنانية موجودة بالفعل والقانون. وهي وليدة ارادة مجموعية تعود بجذورها الى مئات السنين في التاريخ الاكبر. لقد صارت صيغة رياضية. فانكارك اياها هو موقف خاص بك وبحزبك ولكنه لا يستطيع ان يتناول تراكمات اثنية في الزمان والمكان عمرها آلاف الأعوام. هناك دولة لبنانية تجيز لي عقلانيا ان اؤكد وجود القومية اللبنانية ولا تجيز لك ان تؤكد الا عاطفيا وجود قوميتك اللبنانية. واني اكرر ما قاله انطون سعاده بان التاريخ لا يسجل الاماني ولا النيات بل الافعال والوقائع. فانطلاقا من هذا السند الذي وضعه سعاده يمكنني القول بان القومية اللبنانية موجودة وحدها في لبنان بوجود الدولة اللبنانية. وقد طرحتها على بساط الرأي العام. طرحتها كعقيدة للتاريخ. عليك بعد الآن ان تكذبها او ان تصدقها. قبلا لم تكن القومية اللبنانية مطروحة بهذا الشكل الجدلي الواقعي الصارم. اما اليوم فانك تجابه نظرية فلسفية لا بد لك من تكذيبها او تصديقها. ولئن كذبتها او صدقتها فانك ترسخها في دفاتر التاريخ. تلك هي معضلتك بعد اليوم. لقد تحررت أنا من عقدة الغياب القومي الذي فرضته انت علي مدة نصف قرن. منذ خمسين سنة وانا احاول ان اكذبك. عليك انت بعد الآن ان تكذبني. فانا قومي لبناني بفعل القوة التي لمنطق الجدل، وانا قومي لبناني بقوة الفعل الذي لواقع الساسة، انا قومي لبناني على سنان الرمح وفوق رؤوس الاشهاد.
قال: ربما كنت على صواب في ضوء تلك الفلسفة الجديدة التي طلعت بها علينا. اجل! الدولة اللبنانية موجودة وبالتالي القومية اللبنانية. ولكنها دولة مصطنعة. دولة كرتونية اقامها الجنرال غورو بشحطة من قلمه. فاذا ما زالت الدولة اللبنانية زالت القومية اللبنانية.
قلت: لقد رحت عليك الجولة الاولى باعترافك ان الدولة اللبنانية موجودة وبالتالي القومية اللبنانية. وساربح الجولة الثانية ايضا.
قال: كيف؟
قلت: انت تخلط بين الحكومة والدولة. ربما كانت الحكومة اللبنانية يومذاك من صنع الجنرال غورو. اما الدولة اللبنانية فهي من صنع التاريخ الممتدة جذوره الى ما قبل التاريخ. الدولة تركيب اثني. لعلها اجدر الشؤون والمظاهر الثقافية تمثيلا للحياة العقلية التي هي من خصائص الاجتماع الانساني.
قال: ايضا ربما كنت على صواب. مع ذلك فانا اعتبر الدولة اللبنانية دولة كرتونية.
قلت: يا الف مرحى لهذا الكرتون. لماذا لا تزيلونه؟ لماذا لم تتمكنوا من تمزيقه؟ لماذا لا تتكرتنون انتم محل كرتوننا؟ الكرتون شيء بسيط، شيء سهل، شيء رخيص، شيء سخيف جدا، بل شيء يداس. والتخلص من الكرتون لا يتطلب كبير عناء. لا يتطلب مؤامرات واغتيالات وعقائد وفلسفات وصراعات. لا يتطلب احزابا وتنظيمات. اذا كانت القومية اللبنانية وليدة دولة جاءت بشحطة من رأس قلم غربي، فلماذا لا تزيلونها بشحطة معاكسة من رأس قلمكم، وهكذا ترتاحون وتريحون؟ هب ان القومية اللبنانية كرتونة، فقد تغلبت هذه الكرتونة على فولاذكم المزعوم. وعندما يتغلب الكرتون على الفولاذ فهذا يعني ان كرتوننا فولاذ وان فولاذكم كرتون. (وانتهى الحوار عند هذا الحد بعد ان سكت محدثي).

*الفيلسوف كمال الحاج/ابعاد الطائفية في لبنان والعالم العربي/اضغط هنا  لقراءة الدراسةPDFفورمات