حسين عبد الحسين/عن الاستهزاء بالفينيقيين وبالهوية اللبنانية

70

عن الاستهزاء بالفينيقيين وبالهوية اللبنانية
حسين عبد الحسين/النهار/24 آذار/2023

لم تتأخر العواصم العربية في الرد على تصريحات الوزير الإسرائيلي المتطرف بتسالل سموتريتش، والتي قال فيها إن اليهود هم الفلسطينيون الفعليّون، وإن لا وجود لشعب فلسطيني عربيّ. في الأثناء، قام حساب على موقع “تويتر”، يسمّي نفسه #فينيقيا، ببثّ تغريدة فيها صورة لجواز سفر، أرجوانيّ اللون، لدولة متخيّلة اسمها فينيقيا، وكتب أنّ لبنان، كطائر الفينيق، سينبعث مجدداً من الرماد. التغريدة الفينيقية أثارت عاصفة من الردود التي طعنت بتاريخ الفينيقيين وسخرت من الهُويّة اللبنانية.

قديمة هي الازدواجية العربية في تمجيد الهويّة الفلسطينية والسخرية من نظيرتها اللبنانية، وهو ما كان يُثير استغراب معلّمنا الراحل المؤرّخ كمال الصليبي لدى سماعه العروبيين الذين يردّدون أن لبنان دولة مزيّفة، صنعتها اتفاقيّتا سايكس – بيكو وسان ريمو، فكان يردّ بأن فلسطين هي صنيعة الاتفاقيّات الإمبرياليّة نفسها. والتاريخ يميل لمصلحة لبنان وتاريخه الفينيقيّ الطويل أكثر منه لفلسطين حديثة العهد. الفينيقيّون حضارة عاشت قرابة ألفيّة ونصف، أي ما يساوي عمر الحضارة الإسلامية اليوم. بدأت الحضارة الفينيقية مع الانتقال من العصر البرونزي إلى الحديدي، في المنتصف الثاني من الألفية الثانية قبل الميلاد. مدن على امتداد ساحل شرق المتوسط متطابقة في الثقافة واللغة أطلقت على نفسها تسميات متعدّدة، منها “صيدونيين”، تيمّناً بمدينتهم صيدا، ومنها “كنعانيين”، تيمّناً بالاسم القديم للمشرق. أما تسمية فينيقيين فأطلقها عليهم اليونان.

لم تكن فينيقيا دولة واحدة حملت هذا الاسم بل إن الحضارة الفينيقية كانت كالحضارة العربية، حضارة واسعة في ممالك ودول متنوعة انتشرت حول حوض البحر المتوسط، وتنافست في ما بينها، واحترفت الإبحار وما يتطلّبه ذلك من علوم، مثل الفلك والتدوين والرياضيات، واستوحت من الدورة الفلكية أساطير دينية، فتصوّرت المجرات والنجوم على أنّها آلهة، أبرزها الشمس والقمر والزهرة وعطارد. أقدم نصّ دينيّ توحيديّ منسوب إلى الفينيقيّين، ويتخيّل كيف جبلت الحياة الأولى نفسها من الموادّ الأربع (الماء والتراب والنار والهواء) فصارت صخرة سوداء، وصار اسمها جبلة، وأمضت وقتاً طويلاً تسبح في الفضاء، فراكمت حكمة. ولأنها الحياة الأولى، ولم يخالطها شيء، فكان اسمها صفاء، وأنجبت ولد بدون دونس، ابن كالشمس يغزو الظلام بقوّة، ثم يزول، ليعود في قيامته إلى الحياة مجدداً. نقل اليونان صفاء فصارت آلهة الحكمة صوفيا، وصار ابنها ضوء زوء أو زوس، وعند الرومان زوس باتري (أي الأب)، أي زوبيتر أو جوبيتر.

أما أقدم إنسان، فتخيل #الفينيقيون أن اسمه قدّام (مثل العامية المشرقية) لأنه في طليعة البشرية، وصار عند اليونان قدموس، وارتبط بالأبجدية لأنه الأول، على غرار آدم في القرآن، الذي علّمه الله الأسماء، أي الكلمات والحروف. هذه الحضارة الفينيقية، المتقدّمة جداً في زمانها، أقامت مستوطنات صار بعضها إمبراطوريات، مثل قرطاجة في تونس. وتونس هو اسم الآلهة تنت، وهو مشتق من الجذر الساميّ الذي يفيد معنى أنثى. في قمّة سطوتهم، كان القرطاجيّون يعتبرون مدينة صور (ومعناها صخرة) قبلتهم، ويحجّون إلى معبدها ملك الأرض (ملكرت)، الذي صار الإله هرقل عند اليونان. ومعبد ملكرت هذا كان داخله عمودان يتوسّطهما حجر أسود، هو جبلة أو صفاء. وكان ينافس صور ومستوطنتها قرطاجة صيدا ومستوطنتها بنزرت. ويبدو أنه بسبب أهمية صور ومعبدها دينياً، قام العهد القديم بربط بناء هيكل الحكمة لسليمان في القدس بالمهندس أحيرام الفينيقيّ الصوريّ.

انتشرت عبادة الحجر الأسود جبلة في عموم حوض المتوسط، حتى بعدما بدأ الفينيقيون رحلة تعرّبهم بسبب انتشار اللغة العربية كلغة تحالف تجاريّ حمل البضائع بين الهند وحوض المتوسط. على أن الفينيقيين حافظوا على معتقداتهم، ففي القرنين الثاني والثالث ميلادي، برز جنرال فينيقي روماني من لبدة الليبية اسمه سبتيمس سيفيريس، وتزوّج سيدة أرستقراطية من حمص السورية وعرقا اللبنانية اسمها جوليا دومنا. صار سبتيمس إمبراطور روما، وخلفه ولداه كركلا وجيتا وبعدهما إيلاجبالوس (أي سيد جبلة). هؤلاء الأباطرة الفينيقيون العرب رعوا معبداً للحجر الأسود في حمص، ونقلوا معهم الحجر الإله إلى روما أثناء حكمهم. صنّف الرومان حمص في محافظة “فينيقيا اللبنانية” لأنّها ضمّت جبال لبنان ومملكة العرب الأيطوريين حكّام البقاع، فيما صنّفوا صور وعكّا الفينيقيّتين في محافظة ”فينيقيا البحرية“.

كان الفينيقيون أصحاب ممالك وسيادة، وصاروا أباطرة رومان، وانخرطوا بعدها في النظام البيزنطي، وثأروا من روما لقتلها الإمبراطور موريس واستبداله بفوقاس، فاستعادوا مع الإمبراطور هرقل التونسي حكم قسطنطينية، ثمّ انفصلوا عن بيزنطية، وشاركوا في إقامة دولة الأمويين العربية أواخر القرن الميلادي السابع، بعد انقلاب سليل هرقل على خط جدّه الدينيّ، وعودته إلى أحضان كنيسة روما. هؤلاء العرب، ومقرّهم دمشق وحمص وبعلبك والجولان، هم الذين شيّدوا قبة الصخرة في القدس.

لا يقابل هذا التاريخ الفينيقيّ الطويل من الممالك والسيادة والمشاركة في بناء هيكل سليمان وقبة الصخرة أي ممالك ذات سيادة أو أدوار لفلسطينيين في التاريخ. عبر الأزمان، عاش سكّان فلسطين تحت سيادة حكّام من خارج حدود فلسطين، إن من روما وقسطنطينية، أو من دمشق وبغداد، أو من القاهرة وإسطنبول. ولم يُقِم أيّ حاكم عربي أو إسلامي في القدس، حتى بعدما انتزعها صلاح الدين الكردي الأيوبي من الصليبيين، لم يتّخذها عاصمة له.
الفترات الوحيدة التي يذكر التاريخ أن سكّان فلسطين مارسوا فيها سيادة كان في زمن اليهود، الذين سباهم البابليون في القرن السادس قبل الميلاد، وبعدهم بأربعة قرون ملوك اليهود من الحشمونيين. غير السيادة اليهودية على بعض فلسطين لم يمارس سكّان هذه البقعة أي سيادة، ولم يقيموا دولاً ولا ممالك.
حتى بعد الانتداب البريطاني، ثم قيام دولة إسرائيل، لم يتصرّف الفلسطينيون كفلسطينيين، بل كجزء من أمّة عربية أوسع، حتى أن أبرز المواجهات العربية ضد اليهود قادها السوريّان عز الدين القسام وفوزي القاوقجي، إلى أن جاء زمن ياسر عرفات و”حركة تحرير فلسطين” (فتح)، ثمّ سيطرته على “منظمة التحرير الفلسطينية”. مع عرفات، استبدل الجزء الأكبر من الفلسطينيين قوميّتهم العربية بقوميّة فلسطينيّة.

نقاش الهوية والتاريخ يجب أن يبقى بعيداً عن السياسة والسياسات. لا يهمّ إن كان الفلسطينيون شعباً، أو أمّة ذات تاريخ في السيادة، أو هوية تشكّلت قبل عقود فحسب. المهم أن لهؤلاء الناس الحقّ في حياة كريمة مثل باقي البشر. من يحرمهم هذا الحق، وكيف يمكنهم الحصول عليه، هي من الأسئلة السياسية التي تقع خارج نطاق هذا النص عن الهوية والتاريخ.

*باحث في “مؤسسة الدفاع عن الديموقراطيات” في واشنطن