أحمد الأيوبي: عندما وافق حزب الله على المحكمة الدولية واغتالها

56

عندما وافق “حزب الله” على المحكمة الدولية… واغتالها
أحمد الأيوبي/نداء الوطن/16 آذار/2023

عادت المحكمة الدولية الخاصة بمحاكمة قتلة الرئيس الشهيد رفيق الحريري إلى الواجهة عندما طلبت غرفة الاستئناف فيها من القضاء اللبناني تنفيذ خلاصات الأحكام ومذكرات التوقيف الغيابية الصادرة عنها بحق أربعة من كوادر أمن «حزب الله». ودعت إلى توقيف كلّ من: سليم جميل عياش، حسن حبيب مرعي، حسين حسن عيسى وأسد حسن صبرا، الذين أدانتهم بالتدخل في العمل الإرهابي الذي وقع في 14 شباط 2005 وأسفر عن قتل رئيس حكومة لبنان رفيق الحريري و21 آخرين. عمدت النيابة العامة التمييزية في لبنان، إلى تعليق هذه الأحكام ومذكرات التوقيف على اللوحة الخاصة بها لتبليغ الأحكام عند مدخلها الرئيسي، وقرّرت إبلاغ هؤلاء لصقاً بعد تعذّر القبض عليهم وقامت القوى الأمنية بتنفيذ مداهمات شكلية في أماكن إقامة هؤلاء في ضاحية بيروت الجنوبية وفي بلدة شحور في جنوب لبنان، لكن لم يعثر عليهم في هذه العناوين المعرّف عنها.

يَعبُر خبر المحكمة اليوم يتيماً فريداً لا يأبه له حتى بعض من حمل راية الشهيد وإرثه السياسي، فلا يترك تعليقاً ولا تعقيباً ولا ملاحظة…
كان يفترض أن تكون المحكمة تجربة نموذجية في تجارب مقاومة جرائم الاغتيال والجريمة المنظمة والنجاة من عقاب العدالة، لكنّنا نتأكّد اليوم أنّها تعرّضت للاغتيال منذ أيّامها الأولى على يد من كان يفترض أنّهم حُماة العدالة، وأوّلهم وزير العدل حينها شارل رزق الذي كشف في حديث تلفزيوني في 19 آب 2020 أنّه سلّم جميع مسودات قانونها الأساس بكلتي يديه إلى الأمين العام لـ»الحزب» حسن نصر الله في إطار عملية مكوكية بين مقرّ الأمم المتحدة والضاحية الجنوبية وخضعت تلك التعديلات لحفر سكين «الحزب» وموسكو قبل أن تمرّ في مجلس الأمن.

قالها شارل رزق بكلّ تفاخر إنّه «عندما تقرّر إنشاء المحكمة الدولية الخاصة بلبنان كان يفترض أن يُوضع نظامُها بالتنسيق بين وزارة العدل اللبنانية وبين الأمين العام للأمم المتحدة (…) واقترحنا اعتماد القانون اللبناني الذي يتضمّن الحكم الغيابي لأنّنا كنّا نعلم أنّ المتّهمين لن يحضروا»… وعند مباشرة كتابة نظام المحكمة الذي ينصّ على طريقة عملها قال رزق إنّه «عيّن قاضيين لبنانيّيَن هما: شكري صادر ورالف رياشي، وكانا يذهبان كلّ شهرين إلى نيويورك ليلتقيا المعنيين في الأمانة العامة للأمم المتحدة ويكتبا المسوّدة ويحضراها إليّ… ولأنّني أعرف الوضع السياسي كما هو كان واضحاً أنّني يجب أن أعطيها إلى المسؤولين اللبنانيين، ولكن من الحكمة أن أعطيها إلى الطرف اللبناني الأكثر نفوذاً في هذه العملية… وفور وصول المسودة كنت أتصل بصديقنا الحاج وفيق صفا وأذهب برفقته إلى السيد حسن وأسلّمه المسودة «زيّ ما هيّ»… أنا أريد أن أعملها بالتوافق لتكون عنصر توافق لا تفرقة بين اللبنانيين… وكنت مسروراً جداً بأنّه مطلع جداً على تفاصيل نظام المحكمة… لأبنيها في جوٍّ من الثقة… هناك فارق بين الموقف السياسي والاطلاع الوطني».

قدّمت المحكمة الدولية تخفيضات خاصة لـ»حزب الله» من خلال تخفيض عدد المتهمين الخاضعين للمحاكمة من أربعة إلى واحد، وكان على اللبنانيين والعالم أن يقتنعوا أنّ هذا الواحد تمكّن لوحده من قتل رفيق الحريري بأكثر من طنٍّ من المتفجِّرات.

الأرجح أنّ أغلب من كانوا في السلطة كانوا عارفين بمسار خنق المحكمة لحظة تأسيسها، ومنذ اللحظة الأولى كان لـ»حزب الله» الأفضلية باعتباره «الطرف الأكثر نفوذاً» وهذا ما عرّض العدالة لكمين هائل كانت خلاصته حكماً هزيلاً لكنّه كان كافياً لإدانة حزب القاتل، رغم تركيب المحكمة على أساس عدم محاكمة الدول والتنظيمات. لقد وافق «حزب الله» على المحكمة وبصم على قانونها، ورغم صدور حكم شديد التخفيف إلاّ أنّه أصرّ على اغتيالها وشيطنتها ليقول للبنانيين إنّهم سيبقون في دائرة العدالة الممنوعة.