علي الأمين/الملسوع من حليب إيران ينفخ على لبن الإتفاق

57

الملسوع» من حليب إيران «ينفخ» على لبن الإتفاق!
علي الأمين/جنوبية/15 آذار/2023

لعله من المبكر، الحكم على النوايا الإيرانية “الخالصة” ، في معرض “إتفاق الإطار” والتفاهم الإيراني السعودي المستجد، ولكن بما لإيران من تاريخ حافل بالمناورات والإنقلابات، على نفسها وغيرها، تبعاً للسياسة الإيرانية القائمة على “التقية” و”الولاية”، يمكن الإنتظار على جادة “الريبة والشك”، خصوصاً وإن إيران لا تمد يدها لأحد “لوجه الله”، إنما دوماً لمصلحتها، وتحديداً في لحظة إنكسار لا تعترف بها تاريخياً، بل على العكس، توحي بأنها في “عز قوتها”، لتتماهى مع “سلام الشجعان”.. المفقود.

فعملاً بأحد الأمثال المعروفة في البلاد العربية، أن “الملسوع من الحليب ينفخ على اللبن”، وهو ما ينطبق على القرار الايراني في توقيع الإتفاق مع المملكة العربية السعودية برعاية صينية، اتفاق إن كانت كامل بنوده ومضامينه غير معلنة، فإن عناوينه المعلنة تنطوي على قرار إيراني استراتيجي، بتغيير السلوك الميليشيوي في المنطقة العربية، والانتقال إلى سياسة تعاون مع الدول العربية، كسبيل لحماية نفوذها أو مصالحها في هذه الدول، على أسس التعامل “الدولتي” وليس الميليشيوي أو ما يسمى “فيلق القدس”.

السؤال يبقى مشروعاً، حول اصل التحول هذا ومدى دقته، لكن الإتفاق الذي رعته الصين وضمنته، اذا لم يكن متضمنا هذا التوجه الايراني، فلا قيمة له ولا ضرورة لوجوده، وكان يكفي ان يوقع في العراق او في سلطنة عمان، ولا يبرر ايضا أقدام السعودية على تبنيه والترويج له. لا يخفى أن العنوان الابرز في الاتفاق، هو إعادة العلاقات الدبلوماسية بين الدولتين الجارتين، وفتح السفارات والممثليات التي اغلقت قبل سنوات، إثر اعتداء طاول السفارة السعودية في ايران، لكن بالعودة إلى “النفخ على اللبن” فإن إعطاء مهلة شهرين قبل خطو هذه الخطوة، هو ما يمثل الاختبار، الذي يكشف مدى جدية القيادة الإيرانية، أو قدرتها على تنفيذ خطوات تعيد الثقة، وتفتح الباب على مرحلة، عنوانها عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، والاندراج في نظام العلاقات الدولية مع الدول العربية تحديدا، لا سيما أن القيادة السعودية، ليست في موقع من يرغب، أو يفيده التصعيد ضد إيران، خصوصاً ان المملكة منهمكة في التخطيط، وتنفيذ أضخم مشاريع تنموية على ارضها وعلى مستوى الاقليم، وضخّ حجم استثنائي من الاستثمارات، فيما سمي خطة ٢٠ -٣٠، يتطلب تحققها مستوى عال من الاستقرار الأمني وحسن العلاقة مع الجوار.

وغير خاف على المتابعين، أن ميليشيات الحوثي بدعم إيران، موجودة على الحدود السعودية، وان فصائل عراقية مدعومة من إيران، تقيم قواعد عسكرية على الحدود مع السعودية، وبالتالي فإن الرياض معنية، بخفض التهديد الايراني على حدودها البرّية، ولجم التهديد في الخليج ومعابر النفط، ووقف تهديد الطائرات الايرانية المسيرة، على منشآتها النفطية في البر والبحر. لسائل أن يسأل، طالما ان لدى إيران كل هذه القدرات التهديدية، فلماذا تسارع إلى توقيع اتفاق مع الرياض يلزمها بأي شروط؟ ما يمكن أن يقال في هذا السياق، أن المشروع الايراني من خلال سيطرته على عدة دول عربية، انكشف عن مأزق خطير، انفجر داخل إيران بالدرجة الأولى، ويستنزف السياسة الايرانية ومقدراتها في دول نفوذها، لكن رسالة الداخل الايراني إلى قيادة المرشد، كانت الأشدّ من خلال انتفاضة الشعب الايراني، التي تمثلت في الاحتجاجات غير المسبوقة، بعد مقتل مهسا اميني قبل خمسة اشهر، اذ يكفي ان يُشار، إلى أن لحظة اعلان الإتفاق في الصين، ارتفعت قيمة العملة الايرانية ٢٥ في المئة بالنسبة للدولار الأميركي. وإلى جانب الانتفاضة الداخلية والازمة المالية والاقتصادية في ايران، فإن القيادة الايرانية ليست في وضع يتيح لها الاطمئنان، لعدم تعرضها لضربة قاسية لمشاريعها النووية، من اسرائيل في الحد الأدنى، وفي الوقت عينه هي قلقة من الخطوة الأخيرة لإنجاز القنبلة النووية، قلق من أن هذه الخطوة، وان وفرت لها التوازن الاستراتيجي مع اسرائيل، فهي قد تشكل مبررا قويا لتشديد الحصار الأميركي والاوروبي عليها، وربما دفعها لأن تتحول الى نموذج ثان لكوريا الشمالية، أي دولة نووية شبه معزولة غربياً، وعرضة لابتزاز خصوم الغرب سواء الصين أو روسيا.

المشروع الايراني برمزية “فيلق القدس” أو “الحرس الثوري”، بات استمراره باعتماد السياسة نفسها والوسائل ذاتها، أمام خطر ليس خارجياً فحسب، بل حتى في داخل ايران وهو الأهم، بتقدير العديد من المتابعين، الذي دفع إيران إلى البحث عن تسويات خارجية والاندفاع نحوها، لا سيما أن ادوات التأثير في الداخل الايراني، كشفت للقيادة الايرانية في ظل الانتفاضة الأخيرة انها قوية، وان ما استخدم لم يكن سوى تدخل محدود، ولكنه كشف عن إمكانيات هائلة متاحة لدول عربية وغربية، للتدخل سواء عبر طالبان عبر افغانستان، أو من خلال دعم الاقليات من جهة أذربيجان أو الاكراد، والعرب وغيرهم، أي أن إيران استشعرت خطر ابتلاع السمّ، الذي اطعمته للآخرين، اي الاستثمار في الأقليات في المنطقة العربية

 وهذه فاتورة ادارة ظهره لـ«حزب الله» الدول العربية التي تسيطر عليها إيران في مسار الانهيار وان بدرجات متفاوتة، لكن المشترك فيما بينها، انها دول في طريق الانهيار، وربما التفتت والانقسام، ولم تستطع إيران التي تمسك بهذه الدول، أن تعطي الأمل بامكانية وقف انهيارها، بل زاد منسوب الفوضى والفساد، وارتفعت نسب الفقر فيها، وبالتالي فإن هذه الدول وادوات السيطرة من ميليشيات ومقاومات، تتحول الى عبء ليس على شعوبها ودولها فحسب، بل حتى على إيران نفسها التي طالما كانت “تبشر” بالكرامة والعدالة، فيما هما اعز ما تفقده هذه الشعوب، التي أضافت إلى أحلامها حلم الاكتفاء بالماء والخبز والدواء…

لذا وبناء على ما تقدم، تحاول القيادة الايرانية استنقاذ ما امكن من نفوذها، وهي من يستعجل إجراء التفاهمات والاتفاقات مع خصومها واعدائها، الاستعانة بالصين ليس استعداء لواشنطن، بل محاولة لمنع ابتلاعها من واشنطن، فهي تحاول التخفيف من الخسائر، من خلال سياسة احتواء المخاطر من الداخل والخارج، إذ أن طهران طوت منذ زمن بعيد، سياسة استعداء واشنطن سياسيا، وان كانت تحافظ على استخدام لغة العداء، لتغطية العديد من التقاطعات الاستراتيجية معها، سواء في العراق أو لبنان أو اليمن نفسه. التحدي الابرز أمام القيادة الايرانية اليوم هو كيف يمكن ان تتعامل مع اذرعتها، سواء في البعد الايديولوجي، أو كيفية الحدّ من التغوّل الايديولوجي للدولة الوطنية؟

بهذا المعنى فإن الإتفاق مع السعودية، هو سؤال مطروح على النظام الإيراني نفسه، الذي لفظ محمد خاتمي وهاشمي رفسنجاني لصالح قاسم سليماني واحمدي نجاد، عندما قوّض كل السياسات والاتفاقات السابقة مع السعودية نفسها ومع العديد من الدول، هل هذا النظام نفسه، هو قادر على إعادة النظر، في ما اعتبره مصادر قوته لصالح مسار آخر، يرتكز إلى احترام الهويات الوطنية للشعوب، وعدم الاستثمار في الانقسامات الداخلية، في الحدّ الأدنى؟ أغلب الظن، ان العرب الذين عانوا من السياسات الايرانية، ومنهم اللبنانيون، يحتاجون إلى مزيد من النفخ على الحليب.. ولو تبيّن انه لبن مثلج!