علي حمادة يقرأ في الاتفاق السعودي الإيراني ويسأل ماذا عن البعد الدولي؟

55

الاتفاق السعودي – الإيراني: ماذا عن البعد الدولي؟
علي حمادة/11 آذار/2023

Newsalist 

في لبنان وبعض الدول العربية سيل من التحليلات حول آفاق الاتفاق السعودي – الإيراني ونتائجه على المستوى الإقليمي، لاسيما في الساحات العربية التي تشهد صراعا بين مشروعين عربي وإيراني. لكن ماذا عن البعد الدولي؟ بعبارة أخرى ماذا عن الصورة الأكبر لهذا الاتفاق وتبعاته؟

لا بد أولًا من القول ان الاتفاق بين القوتين الاقليمييتن الكبرتين حصل في العاصمة الصينية بكين وبرعاية مباشرة من الرئاسة الصينية التي يمكن الجزم بأنّها أسهمت الى حد بعيد في التوصل الى هذا الاتفاق واصدار البيان الثلاثي الذي أعقبه، معلنًا بدء عودة العلاقات الطبيعية بين البلدين المركزيين في الشرق الأوسط. هنا المؤشر الأهم الذي سيتوقف عنده خبراء السياسة الدولية الذين يعتبر قسم كبير منهم ان الحدث الأهم هو الصين، ودخولها للمرة الأولى في تاريخها منطقة الشرق الأوسط الباب الواسع. هذا هو الحدث الجيوسياسي الكبير الذي تتوقف عنده العواصم الكبرى في العالم بدءا من واشنطن مرورا بالعواصم الأوروبية الكبرى، وانتهاء بموسكو، ونيودلهي.

وعليه فإنه على الرغم من انّ الإقليم ركز جلّ اهتماماته حول الاتفاق بين الرياض وطهران نظرًا لمسار العلاقات الثنائية السلبي وللعداء المتبادل، فإنّ الانظار تتوجه اليوم نحو بكين ونجاحها في تحقيق اول مبادرة جيوسياسية كبيرة في إقليم كان يعتبر في العقود الخمسة الماضية حديقة خلفية للولايات المتحدة. تتوجه الانظار اليوم نحو بكين ونجاحها في تحقيق اول مبادرة جيوسياسية كبيرة في إقليم كان يعتبر في العقود الخمسة الماضية حديقة خلفية للولايات المتحدة

يذكر العديد من الخبراء في العلاقات الدولية قول الرئيس المصري الراحل انور السادات يوم أعلن عام ١٩٧٣، وبالرغم من وجود الاتحاد السوفيياتي آنذاك كحليف وكمصدر للسلاح للجيش المصري، ان اميركا تمتلك ٩٩ في المئة من الأوراق في المنطقة. والمبادرة التي نتحدث عنها اليوم هي التي تجمع اثنتين من الدول المركزية في الشرق الأوسط وغرب آسيا. من هنا فرادة الحدث الذي تمّ في قلب العاصمة الصينية، واعتباره نصرًا كبيرًا للديبلوماسية الصينية في عالم بعد حرب أوكرانيا، ومؤشرًا الى احتمال انضمام كل من البلدين في المستقبل القريب او المتوسط الى مجموعة دول “البريكس” مع ما ينتج عن هكذا تطوّر من انتكاسات كبيرة على المشهد الجيوسياسي ليس الإقليمي بل العالمي.

هذا الحدث الجيوسياسي الكبير سيكون موضع دراسة ومتابعة في العمق من قبل الإدارة الأميركية التي يتعيّن عليها ان تحاول استخراج العبر من هكذا تطور، ومعرفة كيف حصل في وقت كان الرئيس جو بايدن يصرح في مطلع صيف ٢٠٢٢ من الرياض بالذات انّ اميركا هنا (في الشرق الأوسط) وهي باقية، فيما كان الحلفاء يلمسون على ارض الواقع تحوّل الاهتمام الأميركي نحو الشرق ومؤخرا نحو أوروبا. وما من شك في ان أداء واشنطن في المنطقة ومع الحلفاء في الأعوام الثمانية الأخيرة (الخيار الإيراني لباراك أوباما) قد دفع بالحلفاء التاريخيين الى البحث عن مسارات أخرى موازية لمسار العلاقات مع الولايات المتحدة، وخصوصا ان سياسات ادارتي الرئيس الأسبق باراك أوباما والرئيس الحالي جو بايدن زادت الحلفاء اقتناعا بأنّ الرهان على وشنطن وحدها لم يعد كافيا، وبأنّ السياسة الخارجية للحلفاء الكبار في الشرق الأوسط ينبغي ان تتوسع في آفاقها. ولذلك شهدنا بضعة أشهر بعد زيارة بادين للرياض استقبال الأخيرة الرئيس الصيني شي جينبينغ الذي فاق استقبال بادين حفاوة. بمعنى أنّ الرياض كانت تعلن صراحة عن ان توسيع مروحة علاقاتها الاستراتيجية. وهنا انطلق في تقديرنا مسار المساعي الصينية لتطبيع العلاقات بين السعودية وإيران، استنادا الى نفوذ سياسي واقتصادي واستراتيجي كبير في طهران، وفي المقابل علاقة استراتيجية ناشئة مع السعودية بدأت في الاقتصاد والتجارة، وهي اليوم توسعت لتشمل ملفا سياسيا محوريا.

انطلاقًا مما تقدم، يجب النظر الى الاتفاق السعودي – الإيراني على مستويين: الأول هو المتعلق بالعلاقات الثنائية والمشاكل المتراكمة منذ أعوام طويلة وبينها ملفات إقليمية من اليمن والعراق الى سوريا ولبنان وغزة. والثاني المتعلق بمسار رسم خريطة عالم متغير متعدد الاقطاب حيث تنجح قوى كانت تصنف ” شرقية ” (الصين) محيّدة في حل ازمة بين قوى مصنفة من “الجنوب ” (السعودية، إيران). هذا يحدث للمرة الأولى وذلك بصرف النظر عمّا إذا كانت ستوصل في نهاية المطاف الى حل الازمات المتراكمة بين الرياض وطهران. هنا أهمية الحدث ومرتكزاته.