د. توفيق هندي/مفاجأة الإتفاق السعودي-الإيراني. مسبباته وتداعياته

90

مفاجأة الإتفاق السعودي-الإيراني. مسبباته وتداعياته
د. توفيق هندي/المركزية/11 آذار/2023
فاجأ الإتفاق السعودي-الإيراني المسؤولين في كافة الدول والكيانات كما غالبية السياسيين والإعلاميين في السعودية وإيران. الجميع كان يعلم أن ثمة مفاوضات جارية بينهما عبر مساعي حميدة قامت بها دولتا العراق وعُمان. ولكن ما من طرف كان يتوقع أنها سوف تنتج إتفاقا” إلا قلة متحلقة حول ولي العهد محمد بن سلمان والمرشد علي خامينئي. فالمفاوضون هم رجال أمن يدركون أن المفاوضات يجب أن تكون سرية للغاية كي تنجح. زار الرئيس الصيني السعودية وزار الرئيس الإيراني الرئيس الصيني، وكان ذلك تحضيرا” لدور الصين لراعية المفاوضات والإتفاق. لأول مرة تلعب الصين دورا” سياسيا” على الساحة الدولية في حين كانت سابقا” تكتفي بعقد إتفاقات ذات طابع إقتصادي، عاملة” على تطوير “مبادرة الحزام والطريق”، وهي مبادرة صينية قامت على أنقاض طريق الحرير في القرن التاسع عشر من أجل ربط الصين بالعالم، لتكون أكبر مشروع بنية تحتية في تاريخ البشرية. والأدهى أن واشنطن أعطت وتعطي الأولوية لمواجهة صعود الصين في القوة في منطقة آسيا-جنوب المحيط الهادئ، وهي مشغولة بحربها ضد روسيا ظنا” منها أن بهذه الطريقة تسّهل على نفسها مواجهة الصين (الوقائع تدل على أن العكس هو ما يحصل). فها هي الصين تخترق منطقة نفوذها من حيث لا تتوقع. مما لا شك فيه أن الرابح الأكبر من هذه التطورات الدراماتيكية هو محور “الشرق”، أي الصين وروسيا وإيران، وقد يفضي (ولكن ليس أكيدا) إلى قيام نظام دولي جديد على حساب المحور الغربي. ومما لا شك فيه أن هذا الوضع ناتج من رعونة السياسة الأميركية في الشرق الأوسط بدءا” من وصول أوباما إلى البيت الأبيض وحتى يومنا هذا. الخاسر الأكبر هو أميركا-بايدن وإسرائيل التي باتت مستفردة وخسرت رهانها، أقله في هذه المرحلة، على إتفاقات أبراهام وبشكل خاص إمكانية أن تعقد السعودية إتفاقا” معها.

ولكن ما الذي دفع السعودية إلى عقد هذا الإتفاق؟
إنه تخوفها من إمكانية حدوث حرب إسرائيلية على إيران، بمشاركة أميركا أو من دونها، لمنعها من إنتاج السلاح النووي، إذ أن تحول إيران إلى دولة نووية تجعل منها حصنا منيعا يسمح لها بتكملة “مسيرتها الجهادية” في الإقليم والعالم، مما يشكل تهديدا” وجوديا” على إسرائيل. تخشى السعودية كما كافة دول مجلس التعاون الخليجي أن تتحول هذه الحرب إلى تهديد وجودي لدولها في وقت هي غير مهيئة للدفاع عن نفسها وفي وقت لا يمكنها الإعتماد على أميركا لحمايتها. وقد مهّدت السعودية لموقفها المستجد بحياديتها إزاء الحرب في أوكرانيا وتطوير علاقاتها مع روسيا والصين، كما لو أنها تسعى إلى الحصول على بوليصة تأمين على وجودها وإستمرارية نظامها.

ماذا عن إيران؟
بإبرام هذا الإتفاق، تخرج إيران من عزلتها السياسية والإقتصادية وتَهدأ الحركات الإحتجاجية في داخلها، ولو أنها لا تهدد نظامها الإسلامي. يبقى التساؤل حول إذا ما تُكمل مسارها نحو إمتلاك السلاح النووي في هذه المرحلة أو أنها توقفه مؤقتا” لتستأنفه في مرحلة لاحقة، علما” أن لها ما يكفيها من اليورانيوم المخصب لإنتاج قنبلتين نوويتين خلال أسابيع معدودة فور إتخاذ قرارها بذلك.

محتوى الإتفاق. ما خلى الكلام عن حسن الجوار وما شابه وإلى إعادة العلاقات الدبلوماسية خلال الشهرين القادمين والعودة إلى الإتفاقيات الإقتصادية والإنمائية والثقافية…ألخ، الأهم هو الحديث عن إحترام سيادة الدول وعدم التدخل في الأوضاع الداخلية لكل منها. وهذا أمر يفيد هذه الدول كما يفيد إيران. ويبقى السؤال ماذا عن الكيانات المكونة لفيلق القدس أو لـ”محور المقاومة”، مثل حزب الله في لبنان أو الحوثيين في اليمن على سبيل المثال؟ ألا يشكل وجودهم بحد ذاته في هذه البلدان تدخلا” إيرانيا” في شؤونها الداخلية؟ السيد نصر الله مثلا” يؤكد أن إيران لا تتدخل في الشؤون الداخلية اللبنانية في حين أنه هو إيران في لبنان نظرا” لعلاقته العضوية مع الجمهورية الإسلامية.

هل تتخلى إيران عن مشروعها “الجهادي بتصدير الثورة”؟ بالتأكيد كلّا لأن نظامها يسقط حكما” إذا تخلت عن علة وجودها. لذا، سوف نشهد نوعا من التهدئة والهدنة في اليمن التي قد تطول قليلا”، ولكنها تبقى مؤقتة.

أما في لبنان، فقد نشهد دفعا” بإتجاه إنتخاب رئيس جمهورية موالي لحزب الله، والأرجح أن يكون سليمان فرنجيه ورئيس حكومة ترضى عنه السعودية ويكون طيعا” بيد صاحب السلطة الفعلية، أي حزب الله. ومن الملاحظ أن دعم ترشيح فرنجيه قبل أن يعلن هو ترشيح نفسه، كان بتاريخ 6 آذار، أي عند بدء المفاوضات النهائية بين السعودية وإيران في بيكين. وقد أزعج هذا الترشيح فرنجيه حيث بدا وكأنه مرشح حزب الله. غير أن الحزب من “عضام الرقبة”، ومن الصعب التصديق أنه لم يكن له علم بقرب توقيع الإتفاق. إذا حدث ما سبق عرضه، يكون لبنان على طريق حلحلة الأوضاع السياسية والإقتصادية والمعيشية لمرحلة، مع إبقائه تحت الإحتلال الإيراني عبر حزب الله وبمشاركة الطبقة السياسية المارقة إياها. أما تزخيم “جهاد” “محور المقاومة” فسوف ينصب على إسرائيل التي تعيش أوضاعا داخلية غاية في التأزم إلى جانب تصاعد وتيرة العمليات العسكرية والأمنية الفلسطينية التي تقوم بها المكونات الفلسطينية ل”محور المقاومة”. إن هذه التطورات قد تؤخر بعض الشيء وصول لبنان إلى شاطئ الأمان، ولكن حتما” خلاص لبنان آت على يد من سوف يعمل على تحريره من الإحتلال الإيراني والطبقة السياسية المارقة الفاسدة.