شارل الياس شرتوني: نحن أمام اشتراكات مميتة، لبنان الحاضر انتهى ولا بد من التفتيش عن البدائل

60

نحن أمام اشتراكات مميتة، لبنان الحاضر انتهى ولا بد من التفتيش عن البدائل
شارل الياس شرتوني/09 آذار/2023

السؤال الذي يقلق اللبنانيين على مدار الساعات والأيام يدور حول هم تنتظم حوله سائر الهموم، هل من صباح بعد هذا الليل المطبق منذ أربع سنوات؟ المقلق في الأمر، ليس فقط انتفاء الجواب، بل ما يتوارى عن النظر الذي تختصره مقولة وجود سياسة إنهيار إرادية تنعقد حول السياسة الانقلابية للفاشيات الشيعية، ومصالح الاوليغارشيات المالية التي تحتضنها على قاعدة المقايضات الاستنسابية. اذن نحن أمام تحالف مصلحي، ولو بأولويات مختلفة، يسعى بشكل إرادي الى تمديد وضعية الأفق المسدود، مع العلم التام بنتائجها التدميرية على كل المستويات. إن سياسة المماطلة والاستنكاف عن إيجاد حلول فعلية على أساس ترتيب يضع الأولويات المالية والاقتصادية على رأس الاهتمامات العامة، وانتخاب رئيس للجمهورية، وتشكيل حكومة انقاذ وطني تباشر العمل الاصلاحي بالتعاون مع المؤسسات الدولية والدول المانحة، ليست بالأمر الطارئ، بل متابعة لنهج هادف. إن اصرار الثنائي الشيعي على الإتيان برئيس جمهورية خاضع لاملاءاته، والامتناع عن التفاوض من أجل التفاهم حول مرشح تسوية، وفرض خياراتهم قاعدة للانتظام السياسي في البلاد، قد وصل الى خواتمه مع التفكك المنهجي لمؤسسات الدولة، وتضاعف الانهيارات المالية والاقتصادية والاجتماعية.

الجدل السياسي القائم في البلاد هو شأن اوليغارشي بإمتياز لا يعني، لا من قريب ولا من بعيد، المسائل الأساسية التي تحتبس مستقبل البلاد والشؤون الحياتية. إن المناخات الايديولوجية المطبقة التي تسود الوسط الشيعي، وسياسة الافق المسدود، واستمرارية الأزمات المالية والحياتية المتضافرة، و”تناسل الازمات” على المستوى الاقليمي وارتباطه العضوي بحالة المراوحة في الداخل، قد أصبحوا من المسلمات والحتميات التي ينبغي التعاطي معها وكأنها الأفق الوحيد الذي يحكم حياة اللبنانيين ومستقبلهم. إن مؤدى هذه السياسة واضح لجهة تثبيت واقع الانهيارات المتنامية، وتكاثف الهجرات الدائمة، وارساء ديناميكيات التبدل الديموغرافي مع تركز الهجرة السورية، والافقار البنيوي، وتآكل الذخر الاجتماعي الذي بنته البلاد على مدى المئوية. لم نعد أبدًا في معادلات التداول على السلطة التي تحكم المؤسسات الديموقراطية، ولا في سياق أزمات مالية ظرفية، نحن أمام عملية تدمير منهجي للحيثيات الدولتية، ولقواعد الاجتماع السياسي التعددية والليبرالية، ولثقافة الاعتدال المبدئي التي تؤمن ديمومة الديموقراطية ومستقبلها، ناهيك عن التموضعات النزاعية الاقليمية والدولية القابضة على مفاصل الحياة السياسية الداخلية. لا امكانية لإجراء أية اصلاحات بغياب استقرار سياسي ،واصلاح للحوكمة، وتطبيع لمداخلاتنا الاقليمية والدولية، وسحب التداول بشأن الاصلاحات المالية والاقتصادية من الدوائر الاوليغارشية المقفلة، الى التداول التشاركي بين كل المعنيين بالملفات الاصلاحية.

لقد سئمنا الكلام في إشكاليات تنسيب المسؤوليات الجنائية العائدة للأزمات المالية المفتوحة، وتوزيع الخسائر، وإعادة الودائع الى أصحابها، بحجة أنها لم تعد موجودة، ولا بد من التصرف بأصول الدولة، كأن السرقات الموصوفة التي أوصلتنا الى ما نحن عليه، تتطلب إعادة تكرار، وتثبيت الاوضاع المالية من أجل تحفيز حركة الاستثمارت في الاقتصاد بمجمل قطاعاته، وانهاء اقتصاد الجريمة المنظمة الذي دمر الشروط البنيوية لتطبيع الحياة الاقتصادية والسياسية على حد سواء، قد أصبحا من الشروط المستحيلة وخارج المنال.

لا عودة لحياة طبيعية، ما لم نخرج من واقع الاستثناءات السيادية الذي سمح للفاشيات الشيعية تدمير معايير دولة القانون وتسخير مؤسساتها في خدمة سياساتها الانقلابية، ولشركائهم في المنظومة الاوليغارشية الحاكمة من استملاك القرار المالي والاقتصادي في البلاد منذ ثلاثة عقود. إن التمادي في الأوضاع الحاضرة هو مدخل لدوامات نزاعية وفوضوية تنعقد بين الارهاب السياسي، وتشبث اقتصاد الجريمة المنظمة، والتحلل المضطرد لمرتكزات الاجتماع المدني لحساب الهمجيات المتفلتة، وديناميكيات النزاعات الإقليمية المفتوحة. إن وراء سياسات المماطلة والتخريب المنهجي والفراغات المتزايدة، عمل إرادي لا إمكانية للتعايش معه، ومؤديات لا التباس فيها: متابعة سياسة السيطرة الشيعية ووهاماتها القاتلة، ترسخ الهمجيات على كل مستويات التداول الاجتماعي والسياسي، إنهيار أسس الاقتصاد المالي والسياسي والاجتماعي، والانخراط في دوامة الصراعات في منطقة متفجرة، بعبارات أخرى، لبنان الحاضر انتهى، ولا بد من التفتيش عن البدائل.