الكولونيل شربل بركات: لبنان.. المسيحيون والعدد

420

لبنان.. المسيحيون والعدد
الكولونيل شربل بركات/27 شباط/2023

في ملحمة “غلغامش” التي تمثل أهمية لبنان بالنسبة لشعوب المنطقة منذ أكثر من أربعة آلاف سنة وتفرده، بين البلاد المحيطة بما بين النهرين، بغابة الأرز المهمة والتي يحميها حارس الأرز “هومبابا”، رمز مهم للخلود يترافق مع عمر خشب الأرز وصلابته. وقد استمر هذا الرمز المعاش بشكل أو بأخر طيلة الآلاف الأربعة التي عاشتها الحضارة البشرية المدونة في تلك البلاد.

ورث الفينيقيون الكثير من روحية شجرة الأرز وأهميتها، فكانت هياكل سفنهم وسواريها فقط تصنع منها لصلابتها وصعوبة معالجتها من جهة، ولقدسية هذه الشجرة من جهة أخرى. فهي ليست لللاستهلاك العام وانما فقط لهياكل اللالهة التي طلبها المصريون وسعوا لشرائها لكي تزين معابدهم المهمة، حتى رافق اسم أحد ألهتهم المهمين “جب” اله الأرض عندهم اسم جبيل المدينة الفينيقية وذلك بمزج “جب” و”إيل” وهما الالاهين الأهم بين مصر وفينيقيا. وأهمية جبيل في الميثولوجيا المصرية تظهر أيضا في اسطورة ازيس وأوزيريس وهما أولاد “جب” حيث بعد أن يقتل “ست” أخاه “عزير” أو أوزيريس يضعه في تابوت ويرميه في النيل، وبعد تفتيش طويل تجده “ازيس” في شجرة بالقرب من جبيل. المهم بهذه الاشارة هي القصص التاريخية التي تناقلتها الشعوب وتتعلق بلبنان حيث تعود الاسطورة المصرية إلى أكثر من أربعة آلاف سنة قبل المسيح وتركز على العلاقة الواضحة بين جبيل ومصر.

وخشب الأرز قُدّم أيضا لبناء هيكل الرب في أورشليم في الألف الأول قبل الميلاد ولم يستعمله الفينيقيون للتجارة كما يحلو للبعض أن ينظّروا لأنه ارتبط دوما بالخلود والاستمرار وليس بالثروة، وحتى استعماله في بناء أجزاء مهمة من السفن كان من قبيل المناعة القصوى التي تسهم في نشر الحضارة عبر البحار. ولم نجد في السفن التجارية الفينيقية التي عثر عليها في باطن البحار خشب أرز للتصدير أو البيع مثل المنتجات الأخرى انما دخل في صناعة الأجزاء الأساسية للسفن كما ذكرنا أعلاه.

وبعد تحول سكان لبنان “حراس الأرز” هؤلاء إلى المسيحية على أيدي تلامذة مار مارون استمروا بتقديس الأرز، وأصبح مرافقا للسيدة العذراء وبالتالي مقدسا. ولكن هذه القداسة لا تعني فقط الشجر وخشبه انما أصبحت تعني أكثر من ذلك بكثير، فهم ورثوا حضارة الفينيقين الذين تعرّفوا إلى التجمعات البشرية المنتشرة في كل الاتجاهات إن في البر أو البحر؛ من بلاد الرافدين أو بلاد الحثيين إلى الشمال في تجارتهم مع آسيا الداخلية، أو بلاد العرب إلى الجنوب والتي كانت مصادر تجارتهم مع افريقيا (الحبشة واليمن)، ومع الهند والصين (عمان والخليج)، وحول البحر المتوسط أولا (اليونان وأيطاليا واسبانبا وشمال افريقيا…)، ومن ثم غيره من البحار من البحر الأسود إلى البحر الأحمر، وما بعده ألى خارج أعمدة هرقل في الأطلسي باتجاه الشمال أي بريطانيا (ارض القصدير بر- تن) واسكندينافيا وصولا إلى كندا، أو باتجاه الجنوب حول أفريقيا وحتى البرازيل. فلا يمكن أن يبقى افق هؤلاء محدودا في الأرض الضيقة التي ينطلقون منها. ولكنها تعني لهم الكثير وكيفما اتجهوا وأينما حلوا فمرجعهم لبنان، هذا الجبل الذي يحمي غابة أرز الرب ويحمل في أوديته وتلاله ملاحم من البطولة والعنفوان، وانفتاحا على كل الآخرين، يستقبل المسالمين منهم أو الهاربين من جور، ويرفض الغزاة الطامعين.

لبنان إذن ليس أرضا تضيق باللبنانيين، وخاصة المسيحيين منهم، الذين يعرفون تاريخهم الطويل ومعاناتهم مع الغرباء، ولكنهم يحاولون استيعاب محدودية الغزاة أحيانا، ويجربون أن يلبننوهم بالانفتاح والفهم واستيعاب الفكر الواسع الذي يشمل البشرية جمعاء وتجاربها، وليس فقط مظاهر القوة والعدد التي تزول بسرعة عند وصول من هو أقوى أو أكثر عددا وأطماعا. المسيحيون اللبنانيون الذين ورثوا تجارب فينيقيا وتعلّق أجدادهم بالأرض وبقدسيتها لا يقدر أحد أن يحدّ من طموحهم، ولا يقدر متسلط أن يروضهم فيعيشوا أذلاء ورعايا في حمايته. فهم أكبر من أن يذلّوا وأوسع ادراكا من أن يحاربوا بأسلحة الغزاة. فلهم الباع الطويل عبر البشرية جمعاء. ولهم الأرض برمتها ملاعب وساحات يبرزون فيها قدراتهم، لا تلك السلبية التي يحاول البعض أن ينسبها لهم اليوم بالتحايل والتعامل بالممنوعات لتشويه صورتهم حول العالم، ميدانهم الواسع، انما بعبقريتهم واصرارهم على صنع الخير ونقل النبوغ البشري باتجاهات متنوعة تستند إلى خبراتهم في العيش مع الآخرين، والتعاون الذي يبدأونه صغارا ومن ثم يتسابقون لتنفيذه في مساحات الانتاج حول العالم المفتوح.

نقول لمن يعتقد بأنه يخيفنا بالتعداد كلما اعتقد بأن غريزته الجنسية انطلقت فأنجبت جياع ينشرون الفقر ويزيدون الفاقة ويحاولون التشدق والتشبيح، بأنه هو زائل ونحن الباقون، فارتحشستا الثالث صحيح جعل صيدا تدمر نفسها ولكن امبراطوريته بليت بالاسكندر الكبير بعد أقل من اثنتي عشرة سنة فدمرها برمتها وأذالها من الوجود. والاسكندر نفسه الذي بلغت عنجهيته حد أن يدخل صور بالقوة ويهدمها، لحقته لعنتها فمات بعلته بعد سنوات قليلة على تلك الفعلة.

وقامت صيدا من رمادها وعادت صورمرفأ المتوسط. فيا من يدّعي اليوم بأن عدد المسيحيين قد قل ليحاول حرمانهم من حقهم في ادارة بلادهم، وهو الذي استقبله هؤلاء يوم كان مضطهدا ذليلا، لا بل حموه مؤخرا وأعادوا له حقه بأن يتساوى معهم في الوطنية، وهو باع نفسه لمن اشترى ولم يفهم بعد بأن الدنيا دولاب سيهرسه قريبا ولن يأسف على غيابه أحد.

يقول البعض بأن المسيحيين تركوا السلاح فلم يعد لهم الحق بالحكم، وهذا هو الغباء بعينه، لأنهم إذا دفعوا إلى القتال لا يحتاجون السلاح، فسلاحهم الحكمة والايمان وهما أقوى الاسلحة، ولكنهم يتركون من يدّعي الفطنة أن يدير البلاد ويشبع العباد كما فعلوا هم بدون عناء، ولو أنه غير قادر إلا على التشدّق والادعاء، وهذه لا تطعم خبزا. فهلا توقف من لا خير فيهم واعترفوا بأنهم غير قادرين على الحكم وتركوا الساحة لمن يعرف أسرارها ويملك مفاتيحها قبل فوات الأوان؟ فقد شطت ريلتهم لما سُلموا مسؤولية فضاعوا وأضاعوا البلاد لأنهم لا يعرفون التفريق بين الشأن العام والمصلحة الخاصة، وأن تربيتهم قامت على السلب والغزو واستباحة حقوق الناس، وهذه لا خبز لها في العالم المتحضر.

المسيحيون عندما تسلّموا مسؤولية البلد حافظوا على نظامه وعلى أموال الناس فيه وعلى قيمة عملته، لا بل غطوها بالذهب الذي جمعوه أكثر من مرة. وهم اليوم يحاولون سرقة الذهب وبيعه وافلاس البلاد ودفعها نحو الاستجداء.

فيا من يقيمون في قصور الذل ويمضغون سم أفعالهم ويجترون أقوال الاعداء الذين لا يريدون للبنان أن يقوم من سباته، ارتدعوا لأن القدير عينه على لبنان وشعب هذا البلد المقدس سيبقى حاملا الراية في هذا الشرق المعذب، وسيصل به إلى ميناء الخلاص عاجلا أم آجلا. ولكنكم لن تقدروا أن تقهروه ولا أن تشوهوا وجه لبنان. والأفضل لكم أن ترعووا وتفهموا بأنكم لا تملكون القدرة على قيادة سفينة لبنان فاتركوا القيادة للربان الحكيم عسى أن يقوم البلد فتستفيدون من ثرائه وإلا فإن أيامكم إلى زوال وسيلفظكم لبنان وأبنائه البررة وستسقطون من كتب التاريخ كما أمم كثيرة قبلكم…