الكولونيل شربل بركات: خميس السكارى

340

خميس السكارى
الكولونيل شربل بركات/08 شباط/2024

في تراثنا الموروث تقاليد ومناسبات لا نزال نتبعها وهي محطات اجتماعية نحتفل بها بكل بساطة وتبقى لنا مثالا على ما في الحياة من ملذات وصعوبات، أفراح نستغلها، وأحزان نتحملها، بكل أيمان واتكال على الله الذي بارك كل شيء وسمح بأن نتعرف على الخير والشر فنختبر هذا وذاك ونتأمل بالفارق بينهما لنقدّر العطاء في حينه ونتحمّل الشقاء الذي لا يمكن التهرب منه أحيانا كثيرة.

هذا الأسبوع هو اسبوع المرفع وهو الأسبوع الأخير قبل بداية الصوم الكبير الذي يبدأ باثنين الرماد ليذكّرنا بأننا “من التراب وإليه نعود”. وخلال هذا الصوم نمتنع عن كثير من الملذات في المأكل والمشرب، ونحاول التقشف ما استطعنا للتكفير عن الخطايا والذنوب التي اقترفنا. وفيه نتأمل بالدنيا ومشاكلها ونحاول اتبّاع قواعد الإيمان في علاقاتنا بالقريب فنسهم، على قدر الامكان، برفع المعاناة عن من حولنا؛ إن بالعطاء للمحتاج أو بتفقّد المريض والمعاني تيمنا بما قاله لنا الرب “عدتموني وأنا مريض أطعمتموني وأنا جائع…”

ولكن وقبل أن نبدأ رحلة التأمل بالمآسي نودّع في هذا الأسبوع الملذات ومنها المآكل التي سننقطع عنها والمشروب الذي سيرتفع عن الموائد، ومن هنا وبما أن يوم الخميس كان يوما يجتمع فيه الكبار ويسهرون في أحد بيوت “الشلة”حيث تزين المائدة ببعض أصناف اللحوم وبالطبع يحضر كل واحد “بطحته” للمشاركة بشرب كأس ينسي هموم الأسبوع، يعتبر خميس المرفع “خميس السكارى” أي آخر خميس تجتمع فيه “الشلة” ويشرب فيه الخمر قبل أن ينتهي زمن الصوم بقيامة المسيح وتجديد الحياة بجميع حوانبها. وليس من المعيب ابدا أن يسمي هذا اليوم “خميس السكارى” ولا هو من تراثنا أن نشرب حتى السكر فنحن نعرف كيف نشرب للتمتع بلذة الشرب ولكننا لا نكثر منه لألا نفقد سيطرتنا على الأمور فمن يكون حرم الخمر قد لا يعرف الكمية التي يمكنه تناولها والمشروب ليس بحد ذاته لذة ولا هدف ولكنه يسهم بعض الشيء في خلق جو من الفرح أما الاكثار منه فيخلق جوا مكدرا ينتهي دوما بالتصرف الغير موزون وأحيانا الغير لائق وهو لم يكن مرة من شيمنا. ونحن هنا لا ندعو الناس إلى الشرب ولكننا نفسر تقليدا من تقاليدنا نفتخر به ونتعجب ممن يحاول بذمية تغيير الأسم إلى “خميس الذكارى” أو ما شابه وكأنه يخاف أن ينسب إليه شرب المسكر وهو حر ولكننا لا نتنكر لتراثنا ولا لتقاليدنا ولا نستحي بما نقوم به لأننا نعرف حدود اللياقة والمسؤولية المترتبة على كل تصرف. فحانات الشرب والبارات ليست من تراثنا ولا الشرب حتى الثمالة من عوائدنا فنحن نحضر العرق والنبيذ في بيوتنا ونشرب منه في المناسبات ما يكفي لخلق جو من الفرح ولكننا لا نفرط فمثلنا العامي يقول “كل ما زاد عن حده نقص”.

أما الأحد آخر ايام المرفع فقد كانت البلدة كلها تجتمع على البيادر بعد القداس أذا كان الطقس مقبول وتحضر كل عائلة ما لذّ وطاب من مآكل المرفع وخاصة قراص الكبة والسنبوسك وما تبقى من لحم المرفعية للشوي وغيرها ويفرح الصغار والكبار بالألعاب والدبكة وتدور حلقات الشعر والتباري بالقول وينتهي النهار بأن يلبس “ماعوص” ثيابا وكأنه شخص ثم يقوم الندابة بالنوح عليه وتودعه البلدة كلها كعزيز يغادر إلى السنة القادمة وينتهي كل ما يتعلق بالمرفع استعدادا لبدء الصوم الكبير. ومن الجدير بالذكر أن ما يقوم به جماعة اميركا اللاتينية ويسمونه “Carnival” هو مشابه نوعا ما لفكرة وداع المرفع ودفنه في عين إبل.

**المقالة كانت نشرت لأول مرة في 16 شباط/2023