الـيـاس الزغـبـي/خطر الإعتدال

332

خطر الإعتدال
الـيـاس الزغـبـي/لبنان الآن

03 كانون الثاني/15

لا تغيب عن عين أيّ مراقب حقيقة الصراع الواسع بين تيّارَيْن عملاقين في الشرق الأوسط، هما التطرّف والاعتدال، ولو اتّخذا غالباً شكل صراع ديني مذهبي أو سياسي. صحيح أنّ الصراع التاريخي العمودي بين السنّة والشيعة يعود إلى 1400 سنة، لكنّه لم يحسم الفرز نهائيّاً على الأساس المذهبي، فهناك عوامل أُخرى في تأجيج الصراع لا تقلّ تأثيراً، منها السياسي والقومي والاجتماعي والثقافي والاقتصادي. خروق مهمّة حصلت وتحصل وستقوى داخل الاصطفافَيْن المذهبيَّيْن، فلا كلّ الشيعة “حرس ثوري” و”فيلق القدس” وإفرازات “الدعوة” و”حزب الله”، ولا كلّ السنّة “قاعدة” و”داعش” و”النصرة” ومثيلاتها.

التطرّف يضرب المعسكرَيْن، وهو خاضع لقاعدة السبب والنتيجة. ولا يُمكن، عبر التاريخ إلى وقتنا الراهن، تحديد الفعل وردّ الفعل، مَن هو السبب، ومَن هو البادئ “الأظلم”. ولا يمكن التفضيل بين تطرّف وآخر، فليس هناك تطرّف “حضاري” مثلاً في وجه تطرّف “متوحّش”، واحد يقتل بالصاروخ وآخر بالسيف، واحد يذبح “حلال” وآخر “حرام”.

فهناك عمليّاً ما يمكن تسميتها ب”جبهة المتطرّفين”، تضمّ كلّ التنظيمات التي ذكرناها مع أشباهها الكثيرة. هي تعتاش على التغذية الذاتيّة، وتبادل تبريرات العنف والقتل والحرب. وفي هذه الحال، لا يمكن أن تنتهي الحروب، ولو بعد أجيال، لأنّ حجّة المتطرّف بالدفاع عن نفسه ضدّ متطرّف آخر ستبقى إلى الأبد، ويعلق الجميع في دائرة مقفلة ونفق لا خروج منه. هل هذا يعني أنّنا محكومون بالعنف الدائم والمفتوح في هذا الشرق الجحيمي؟

في الواقع، شرقنا الدامي ليس قدراً. والحلّ يكمن في تشكيل “جبهة المعتدلين”. ويجب ألاّ تقتصر على “التحالف الدولي العربي” الذي يحارب “داعش”، بل تضمّ كلّ دولة أو تنظيم أو جهة تقتنع بلاجدوى التطرّف، وتتخلّى عن مشاريعها وأحلامها في إلغاء الآخرين وإلحاقهم عنوةً بها. فمثلاً، لا يكفي أن تحاور إيران الغرب حول ملفّها النووي وتطلب مكاسب واسعة، وهي تسعى إلى مدّ مشروعها بقوة السلاح في أرجاء الشرق العربي، من اليمن إلى لبنان. تحاور كمعتدلة وتحارب كمتطرّفة. تتباهى بأنّها نظّمت ميليشيات في دول عربيّة عدّة أكبر بكثير من ميليشيا “حزب الله”. حيث دخلت إيران احترب المجتمع. فهل هذا سوى قمّة التطرّف؟

ولا يكفي أن يجلس “حزب الله” إلى طاولة الحوار في بيروت، كي يقدّم نفسه محاوراً معتدلاً، وهو يمارس أقصى التطرّف داخل سوريّا، ويستمر في تسليح “سراياه” الخاصّة، للأعمال الخاصّة، داخل لبنان. وكذلك، لا يستطيع نظام الأسد تقديم نفسه “بطلاً” في وجه التطرّف والإرهاب، وهو يمارس أبشع أنواع التنكيل ضدّ الشعب السوري. إن أخطر أنواع التطرّف هو ذاك الذي يختبئ تحت عباءة الاعتدال. إنّه أكثر قدرة على الاستمرار، وأشدّ أذى. ف”داعش” مثلاً، مقبلة، لا محال، على مرحلة هبوط فاندثار، لأنّها مكشوفة الأهداف والأساليب. في حين أنّ “حزب الله” في عقده الرابع، وكذلك “ولاية الفقيه”، ونظام الأسد في عقده الخامس، يستمرّون في إتقان تمويه التطرّف، وتزداد أعداد ضحاياهم بعشرات الآلاف. محاورون من فوق، مدمِّرون من تحت.

وليست هرولتهم الأخيرة إلى الحوار، في بيروت أو فيينا أو موسكو، سوى دليل على استشعارهم ضرورة ارتداء الزيّ المعتدل، كسباً للوقت، وعيونهم على تقدّم تيّار الاعتدال في العالم السنّي، خوفاً منه لا حرصاً عليه!في بيروت، فشلوا في تطويق اعتدال “تيّار المستقبل” و14 آذار عموماً برغم سعيهم المحموم على مدى 8 سنوات، ولم تنجح خطّتهم في تغليب التطرّف الذي زوّدوه بكلّ أسباب القوة مادّياً ومعنويّاً. وفي سوريّا، لم يستطيعوا خنق الحالة المدنيّة والوطنيّة والمعارضة المعتدلة تحت حرب جناحَي التطرّف والتكفير، ووجهَي العملة الواحدة: الأسد و”داعش”.

وفي العالم العربي، أخفقوا في وقف المدّ السلمي المعتدل من تونس إلى مصر إلى الخليج. مسيرة الاعتدال تقوى وتتقدّم، والخائفون منها يحاولون ركوب موجتها، لعلّهم ينجون من الغرق. مهمّ أن يُحسّ المتطرّفون بخطر الاعتدال، ولو بعد فشلهم في تغليب التطرّف. ولكنّ الأهمّ، أن يتوبوا عن نهج التطرّف والتكفير، فعلاً لا قولاً. ولو بعد عقود من الفتن والحروب.