بارعة الأحمر: أي أقنعة لوجه اليسار العالمي المتطرف؟

78

أي أقنعة لوجه اليسار العالمي المتطرف؟
بارعة الأحمر/النهار/14 شباط/2023

بعد الحرب الباردة ، ظن الغرب أن القرن القادم سيكون قرن العولمة “السعيدة”… لم يبقَ أي أثر لتلك المدينة الفاضلة، باستثناء ما يتفاعل في الخيال البالي لبعض النُخب. ما تبقى هو مجرد أطلال لإرادة الشعوب، وأطنان من الثروات المكدسة في أمكنة محصورة.

علمتنا الاحداث المتدحرجة منذ أكثر من ربع قرن، أن السمة الغالبة للقرن الحالي هي الإرهاب. كل أنواع الارهاب وأشكاله. وأن صراع الحضارات بات مفتوحا على مصراعيه. يتفجر في الـ”غرب” ويضفي وجهاً ملموسًا على نظرية، لطالما أرادت البشرية تسخيفها وإنكار احتمالاتها. الى أن وجدت نفسها تصطدم بتداعياتها وجها لوجه. هي مواجهة رفضت البشرية رؤيتها، إلا أمام باب الدار، تخلعه…

فإلى أزمات الاقتصاد العالمي، المفتوحة على بؤس الشعوب، المنزلقة وراء الإيديولوجيات،المسوقة الى الموت وإلى أوهام الحياة، وإلى الديموقراطية وشراء ما لا تحتاجه من هلوسات… تأتي واحدة من أهم سمات هذا الاصطدام، وهي موجات الهجرة الكثيفة وقوافل اللجوء الى الحرية المتخيلة ومراكب الموت. وذلك بسبب ارتباط كل ذلك بالحقوق الانسانية، التي وضعها الغرب بنفسه وتحول اليوم الى فريسة لها.

ابتكرت الثورة الفرنسية المقصلة، بهدف قتل الناس “بشكل صحيح” والاستغناء عن الجلاد الذي يضطر أحيانا إلى محاولة قطع الرأس مرتين . وكانت المقصلة هي الوعد بالموت “غير المؤلم”.

أما المؤلم فهو أن الملك لويس السادس عشر، الذي كان شغوفا بـ “الميكانيكية المثالية” ساهم في تطوير آلية عمل المقصلة، وهو الذي اقترح تحسين فاعلية الشفرة. وكان بذلك، غافلا، يهندس موته. لأن تلك الآلية هي نفسها التي قصت رقبته فيما بعد.

شفرة اليمين المتطرف
يقابل عودة اليمين المتطرف في أوروبا والعالم، استعادة قوية لليسار العالمي المتطرف. وهو يغلفها باتخاذ سمات مختلفة، يحرص على إبقائها عامة ومبهمة أحيانا، منها الـ”ووكي” (حركة اليقظة لدى الأميركيين من أصول إفريقية) والدفاع عن البيئة وعن المثلية الجنسية ومواجهة الظلم وكافة أنواع التمييز. إلا أنه يطلق في الوقت نفسه وبشكل غير معلن، تعصبًا عرقياً متجددًا ، يجمع بين كراهية الثقافة والدعوة إلى الرقابة على حرية التعبير-أمر عجيب أن يطالب اليسار بقمع الحرية- وذلك بأسلوب حاقد وإرهابي.

ويُعيد اليسار المتطرف إلى قلب المجتمعات الغربية، نوعا من الهوس العرقي الذي بدا كأن تلك المجتمعات توصلت إلى الشفاء منه. والخطير أن اليسار يقدم هذا الهوس على أنه طرح فكري يبحث عن التنوع وعن الإندماج الاجتماعي.

هذا الخبث الممنهج الساعي لمواجهة اليمين المتطرف يوقع الجيل الشاب ضحية انهيار نفسي عام وحقيقي. لأن هذا الجيل فَقَد معظم معالمه الأولية واتجاهاته الأساسية، وهو يتخبط يائسا وباحثا عن قضية نضالية، فيلجأ إلى ثقافة الضحية والى الثقافات الافتراضية.

الصدمة التي تسببت بها الحرب في أوكرانيا كانت عنيفة. لأنها جاءت تذكيرا بأن الحرب التقليدية يمكن أن تضرب أوروبا من جديد وأن الحرب النووية يمكن أن تصبح، مرة أخرى احتمالًا.

وجاءت أيضا تذكيرا بأن الصراع الآتي بين الصين والولايات المتحدة ، لا بد من أن يجعل من المحيط الهادئ ساحة للمواجهة بين إمبراطوريتين مهيمنتين.
وفي غضون ذلك، تنهار أسس النموذج الاجتماعي الغربي تحت ثقل التنازلات والبيروقراطية. فيتحول هذا النموذج الى أنظمة عاجزة عن الوفاء بوعودها، تضرب العدالة الاجتماعية من خلال خنق المواطنين بالضرائب. وتضرب أيضا الحقوق الإنسانية، التي قامت على أساسها، لأنها تعيش رعبا من الإرهاب ومن الـ”آخر” وترزح تحت سطوة رأس المال.

المجتمعات الغربية ليست مستعدة فكريًا لهذا العالم المتغير. لأسباب عديدة أهمها، سذاجة الانسان الغربي في فترة ما بعد الحداثة وترهله وفرديته ونومه على الحرير في حضن الحضارة المتهالكة. ومن دون أي بوادر لنهضة فكرية، هذه المجتمعات في عجز تام ومحكومة بالشعبوية والاعدام.