شارل الياس شرتوني: الفاشيات الشيعية، جمهورية الموز، ومبدأ تناسل الأزمات

74

الفاشيات الشيعية، جمهورية الموز، ومبدأ “تناسل الأزمات”
شارل الياس شرتوني/13 كانون الثاني/2023

علينا أن نلحظ، بادئ ذي بدء، أن واقع الأزمات المفتوحة ليس صدفة، ولا مفارقة عابرة في سياق مستقر، بل هو تعبير، غير موارب، عن سياسة إرادية تستهدف التوازنات الكلية في البلاد على تنوع مرتكزاتها، الكيانية والدستورية والمالية والاقتصادية-الاجتماعية والايكولوجية؛ إذن نحن أمام مسار سياسي انقلابي، يفسر سياسة المراوحة القاتلة، والاستنكاف عن معالجة الأزمات المحورية القابلة للعلاج، على الرغم من واقع التردي المتمادي ونتائجه المدمرة. لما لم تعالج الأزمات المالية منذ بداياتها، لما ترك ملف التهجير السوري ومفاعيله المدمرة مفتوحا، لما أقفل ملف تفجير المرفأ بكل تداعياته الأمنية والاستراتيجية، لما ترك ملف الاستباحات العقارية على طول البلاد وعرضها، لما همشت السياسات التربوية والاستشفائية والصحية والبيئية والاجتماعية والقضائية، لحساب سياسات القضم واستباحة الحقوق والحريات، وتنمية الريوع والحيازات والزبانيات، وأحيلت المؤسسات الدستورية الى دور تصريف أعمال الفاشيات الشيعية وحلفائها ومستخدميها، في الأوساط الاوليغارشية السياسية-المالية.

نحن لسنا في مجال الصدفة، نحن أمام نهج ثابت من سياسات السيطرة تركز منذ بدايات جمهورية الطائف، على خط تقاطع سياسات النفوذ الشيعية والسنية، ومفاعلاتها الاقليمية ومحاورها السورية والايرانية ومضاداتها السعودية والقطرية والتركية. لا إمكانية لفهم ديناميكية “الأزمات المتناسلة” انطلاقًا من مخارجات تقيم الفصل بين سياسات النفوذ، وتهافت السياسات المالية والعامة والفساد المعمم، واستراتيجيات القضم التي حولت روافع السياسات العامة الى أدوات لتفعيل سياسات السيطرة الشيعية، ووضع اليد على الثروات العامة والخاصة، كما بلورتها الأزمات المالية المتوالية، وظهرها تعمم منطق الاستباحات على كل مستويات التبادل الاقتصادي والاجتماعي والسياسي. إن انهيار أطر التواصل المدني الراقي بين الناس هو الصورة الابرز لسقوط المعايير السياسية والاخلاقية والدستورية والمهنية الناظمة للعلاقات بين البشر، لحساب العنف بكل أشكاله المعنوية والسلوكية، مدغما باسنادات فقهية، وعصبيات قبلية دمرت العقد الاجتماعي في أصوله الأولية وما تفترضه من توارد اخلاقي، وتحكيم قانوني، وأخلاقيات مدنية، تحمي العلاقات الاجتماعية والسياسية من ” التوحش” الذي يسود العلاقات الاجتماعية على تنوع مندرجاتها.

إن منطق الاستباحة والسيطرة الذي يوصف الاداء السياسي، والسلوك الاجتماعي في الوسط الشيعي، ومنطق انتهاك الحقوق والمصالح المالية من قبل ائتلاف الاوليغارشيات السياسية والمالية المتمثل بالمنظومة الحاكمة وجمعية المصارف، ومصادرة العمل الاقتصادي من قبل الجريمة المنظمة التي تحكم آليات العمل المالي والاقتصادي في البلاد (سياسات صرف الليرة، شبكات الصيرفة، التهريب بكل أشكاله، التجارة غير المشروعة، النهب المنهجي للموارد والاملاك العامة…)، وتوسيع رقعة الاستثناءات السيادية لحساب سياسات النفوذ المتنازعة، وتدمير مرتكزات دولة القانون. تظهر لنا المراجعة الاولية للجرائم المالية وامتداداتها المتشعبة التي طالت الحيثيات الدولتية والمجتمعية، أنه لا إمكانية لإجراء أي إصلاح في غياب عقود ميثاقية واجتماعية جديدة، تنهي واقع المخارجات القائمة، وتضع حدا لسياسة الانقلابات المستمرة، والحرب الأهلية الملازمة للحياة السياسية.

هذه الملاحظات تعني بالتالي انه لا إمكانية لحلول سياسية ومالية ناجزة مع إبقاء المتغير الدولتي أداة انقلابية، ومصدرا لتشريع النهب، وأسيرًا للاستثناءات السيادية التي تستخدمها الفاشيات الشيعية والاوليغارشيات المتحالفة على قاعدة مقايضات مصلحية ظرفية، تستهدف الكيان الوطني والدولتي والحقوق المواطنية على حد سواء .إن عقم وفساد الحياة السياسية اللبنانية وطابعها المضلل، هم الصورة الحقيقية لما يجري فعليا: التفكيك المنهجي للمبنى الوطني اللبناني، ونسف مرتكزات الاجتماع السياسي اللبناني ومتكآته القيمية والمجتمعية والاقتصادية، وحيثيات العمل الاصلاحي الواجب والملح. لقد وضع تصريح رالف نادر الاصبع على الجرح، عندما أشار الى ضرورة اللجوء الى مجلس الأمن من أجل إعلان لبنان دولة فاشلة، وإقامة حكم انتقالي يؤسس لخيارات وطنية وإصلاحية تضع حدا لواقع عدم الاستقرار المديد، والاقفالات الاوليغارشية والسياسات الانقلابية المتأهبة ونتائجها المدمرة.