الأب سيمون عساف: رجل دنيا و رجل دين … الكاهن كما المؤمن كأنسان له إلى جانب الوجه الروحي وجه بشري موصول بالحياة المعيوشة وليس نازل من كوكب الخرافة

34

رجل دنيا و رجل دين… ولله نقول: إغفر لنا كما نغفر لمن خطىء إلينا. وطوبى للغافرين والساترين.
الأب سيمون عساف/30 كانون الأول/2022

الكاهن كما المؤمن كأنسان له إلى جانب الوجه الروحي وجه بشري موصول بالحياة المعيوشة وليس نازل من كوكب الخرافة.

ناقص هو الإنسان خلقه الله الكامل، والغريب أنه صنع الجبلة ناقصة تصدر عن الكمال. كل جبلة وجب سعيها الى الاكتمال، ولم تزل موضوع تجاذب بين المادة والروح. في إنجيل متى 26/41 واضح هو الدليل “الروح مستعد أما الجسد فضعيف”. من هنا نتأكد أن يسوع وحده ظهر على الأرض بلا خطيئة. والخطيئة شملت جميع الناس رغم التراتب الاجتماعي. لا فرق بين كبير او صغير بين غني او فقير بين رجل دنيا او رجل دين.

كلنا نخضع لشريعة النقصان محاولين التغلَّب على الطبيعة البشرية بمقدار ما نتفاعل مع النعمة ونتصارع مع الشر وننتصر للخير. للأسف يحصل العراك بين الملائكة والأبالسة. كثيرا ما تتناول وسائل الإعلام احداثا مستهجنة بينما هي في الواقع لا تتعدَّى عن كونها حسب مأثور القول بشرية:”كل ما هو بشريّ ليس غريب عن البشر”. Tout ce qui est humain n’est pas etranger a l’homme

لا نعجب في حال السقوط لأن طبيعة المرء هزيلة ضعيفة واهية، ولو كانت تصرفاتها حسب الناموس توجب الحذر، يجزم الرسول بولس بأن الخطية هي مقاومة الله ورفض السلوك في النور (رو 1: 21، 28، 32)، حتى عندما يؤكد عجز الناموس كطريق للخلاص “لأنه بأعمال الناموس كل ذي جسد لا يتبرَّر أمامه” (رو 3: 20) وأنه مصدر للتعدي:” أما الناموس فدخل لكي تكثر الخطية” (رو 5: 20). ونجد أن الرب يسوع نفسه يؤكد أن الخطية هي اختيار حرٌّ واعٍ (لو 15: 13؛ يو15: 22؛ 9: 41؛ 8: 11)، كما يؤكد في نفس الوقت وجوب التغيير الشامل للعواطف والمراغب التي تتحكم في الإنسان الطبيعي وذلك بالتحديد (يو 3: 3، 6؛ مت 7: 18؛ 12: 33). وإلى جانب هذه الحقيقة عن النزعة الموروثة للشر في الإنسان، والخطية المحسوبة عليه، يجب إضافة الحقيقة التي ينبني عليها التعليم اللاهوتي عن النعمة الشاملة، وهي أن الله بروحه يكبح جماح الخطية المدمرة في الفرد وفي المجتمع، فلكل إنسان ضمير وإحساس بالناموس الإلهي، وبالله وبالفضائل الأخلاقية (تك 6: 3؛ يو 1: 9؛ أع 7: 51؛ 14: 17؛ رو 1: 14، 15). وتقدم هذه الحقائق مجتمعة تعليم الكتاب المقدس عن الإنسان الطبيعي كمولود بطبيعة فاسدة خاطئة بذاتها، وكمولود بالإثم مذنبًا، إلا أن الروح لم يتركه قط بدون نور، فكل شخص يبلغ سن التمييز يصبح حرًا، بمعنى أنه يملك قراره، فهو حر في أن يختار الشر أو الخير طريقًا له.

فالكل متفقون على طبيعة الشر الموروثة في الإنسان، والنزوع إلى الشر الكامن في الذات البشرية، وضرورة تهذيب النفس أخلاقيًا، وحتمية النضال لتحقيق المواقف الأدبية والتضامن الأخلاقي للمجتمع، وخطورة الانحراف الأخلاقي المطلق، والتحكم في مراغب ومشاعر الإنسان. ويتفق علماء التربية المسيحية على أن النزعات الشريرة الوراثية لا يمكن التحكم فيها بالتربية إلا عن طريق عمل النعمة الفائقة، وأن ما تصبو إليه التربية المسيحية هو أن تصبح أداة لحفظ الإنسان على صلة بالقوة الإلهية.

والكاهن كما المؤمن كأنسان له إلى جانب الوجه الروحي وجه بشري موصول بالحياة المعيوشة وليس نازل من كوكب الخرافة.

يتألم يميل يتجرّب وأحيانا ينجرُّ إلى ارتكاب المخازي. هذا صحيح، خطيئته عظيمة وليساه معصوما ولا هو ملاكا، وبقدر العطية يكون الحساب. إنما لا يجوز إصدار الحكم عليه بالإعدام، طالما هناك باب للتوبة عن الإثم والندم على ما اقترف. هذه وصية المسيح إذ غفر للزانية وللابن الشاطر وللخطـأة جميعا.

إضافة إلى رأفة الإنسان بالإنسان لا إلى التشهير والاقتصاص بروح انتقامية. إن ثقافة التجريح والتهشيم دارجة في مجتمعاتنا، وكأنها اكتشاف اخترعه نوابغ العصر. استحلفكم بالله إنه لَمعيب كشف المقابح ويا ليتهم يطمرونها فيكون الموقف أرحم وأشرف و مَن هو بلا خطيئة فليرجم بحجر….يقول العتاق: المستور تلتينو مغفور. لماذا ثقافة مجتمعنا تنشر على السطوح الأمور المخجلة أية إفادة تأتي بالنفع؟ ولو طالعنا بالمقابل الأشياء المقدسة أمّا كان أفضل وأصلح للتعليم والحفاظ على المستوى؟ كاهن يخطأ، فهو مثل جميع البشر والأسمى أن نغفر ونرحم وننظر بالعين اليُمنى لا باليُسرى كي تبقى حميمياتنا انظف. يقول المثل الفرنسي: يجب أن غسل الكفن ضمن الأسرة”Il faut laver le linceul en famille

أما أن ننفخ في ابواق الفضيحة ونصوِّت على الملأ بشنيعة او هتيكة فهذا ليس من مناقب المؤمنين الأحرار أهل المعرفة والرقي. طالما الإنسان خاضع للضعف طالما يستوجب السترة والرحمة وتغليف الجراح لا نكأها. ولله نقول: إغفر لنا كما نغفر لمن خطىء إلينا. وطوبى للغافرين والساترين.