الكولونيل شربل بركات: عيد الميلاد والانجازات الكبرى لحزب الله في لبنان

49

عيد الميلاد والانجازات الكبرى لحزب الله في لبنان
الكولونيل شربل بركات/19 كانون الأول/2022

يحل علينا اليوم عيد الميلاد المجيد، ليفتح أبواب الأمل النازل من عند الله. تعلنه أجواق الملائكة المسبحين بمجد “الساكن في الأعالي”. مبشرين بقدوم ملك السلام؛ طفلا مولودا في مذود، من عذراء أختارها لتكون أما للبشرية جمعا، فتحمل بشرى الخير والبركة، وتنشر المحبة القادرة على تجاوز كل المحن، والتي رافقت أبناء هذه الأرض، مركز شرق المتوسط القديم، مع وصية “ايل” للربة عناة أن “ازرعي الحب في الأرض”.

يحل على لبنان هذا العيد المجيد وسكانه يعانون من القلة بدل البركة، ومن الحقد بدل المحبة، ومن التنافر بدل التعاون. في ظل سيطرة من يدّعون حمل “اسمه” القدوس، ونشر التدين بين الناس؛ لباسا داكنا يلغي الألوان، وسلاحا حادا يرفع الجدران، تعزل بين الأخوة، وتميّز بين الجيران، وتعتدي على ما للغير، فتسمح بمد اليد والاستقواء إن في لاسا أو في رميش وغيرها من الأماكن. فاين هذه من تلك؟ وأين نحن من دولة لبنان الواسع، الحاضن لكل فئات شعبه محاولا تقريبها من بعض، معترفا لها بحقوقها، وتنوعها، وسيادة القانون العادل بينها، ذلك الذي يحافظ على المقتنى، ويدعو إلى تشابك الأيدي للبناء بدل الهدم، والتعاون على الخير العام.

يحل على لبنان عيد الميلاد المجيد والظلمة تغطي كل أرجائه، والقلة تقطن بيوتا كانت عامرة، ونفوسا كانت حرة منفتحة على العالم أجمع، لا تحد طموحاتها حدود، ولا تمنع انفتاحها قيود، وهي ترحب بكل زائر كريم، وتنطلق نحو العالم الواسع بدون عقد ومركبات نقص، فتسهم في تطوره، وتعود محملة بخيرات الشعوب التي استفادت من خبراتها فأكرمتها، وتعلمت منها الأخذ والعطاء، في دورة حياة طبيعية تربت عليها في هذه الأرض الطيبة، وتعلمت فيها تقبّل الغير والاعتراف له بحقه، والتعلم من نجاحاته وفشله، لتستزيد من مزاياه وتنمي حب المغامرة والاقدام عنده فلا تتطلع بحسد نحو الجار ونجاحه بل بحب كبير للمعرفة والتعلم والتجربة التي تبقي الصالح والمغني وتسقط ما لا يفيد.

لبنان اليوم يعيش لعنة الحقد بكل جوانبه، وإلا فكيف يصرف وزراء الطاقة كل تلك الملايين على الكهرباء لتزيد البلد ظلاما؟ والكهرباء أسهل منتج يمكن ضبطه، فلا يتم ربط خط بدون عداد في كل دول العالم، والعداد سيحسب المصروف فتقبض الشركة ما لها وتزيد لتدفع مصارفاتها ومعاشات موظفيها وصيانة خطوطها ومعدات الانتاج فيها، ويجب أن تربح وتعطي الدولة من ربحها لتسهم في مجالات أخرى. وهذا ما كانت عليه في لبنان الطبيعي، وقبل أن تتسلمه جماعات الفوضى وسهولة مد اليد والأخذ بدون العطاء. ولكن مع هؤلاء الذين تبنوا سياسة الأخذ بقوة السلاح، والتعالي على الكل بالمواجهة الدائمة، والاستعداد للقتل بدون رحمة، وسرقة كل ما تطاله أيديهم بدون وجع ضمير؛ فهناك دوما من يحلل لهم ذلك فيرتاحون لأعمالهم، وهم “يقاتلون في سبيل الله”، ولهم المغانم يفرضونها على الآخرين خوفا واستبدادا وتجني. فكيف لا يسرقون الكهرباء، ويتمنعون عن الدفع فيصبحون مثالا لكل من تسوله نفسه التشبه بهم.

قامت قيامة دولة لبنان على اسرائيل لأنها تمنع التعدي على شعبها عبر الحدود. فتدخل العالم وأرسل قواته لتمنع التعدي من الطرفين وتعيد الاستقرار والأمن للسكان على جانبي تلك الحدود. ومنذ أكثر من أربعين سنة يدفع العالم مصارفات قوات الطوارئ الدولية، التي تستخدم مواطنين “محليين”، وتدفع لهم أموالا باهظة بدل تلك الخدمات، وهي تتحرك لحمايتهم وضبط تصرفات “الأعداء”. فكيف يصبح وجودهم، بسياراتهم البيضاء وأعلامهم الزرقاء، التي يجب أن تشير إلى الخير والسلم والطمأنينة، عنصر تنافر وتهديد لما يسمونه “الأهالي”، في كل مرة يريد البعض ايصال رسالة للمجتمع الدولي بأن لبنان وكر للارهاب وساحة مفتوحة لكل التجارب؟

إن سياسة “قبضاي الحي” الذي يفرض “الخوات” على التجار والمواطنين لأنه يحميهم لن تستمر مع دول العالم إلى ما لا نهاية. وما تعوّد بعض الذين لطخوا سمعة لبنان عليه، من سياسيي “الأمر الواقع” منذ سنين طويلة، لن ينجح في استجرار الدعم. ولا يمكن أن يبقى هناك من يعيش عالة على المجتمع بدون عمل، فقد وصلنا إلى الافلاس ولم يعد لنا صديق نعتمد عليه، ولا دولة تسهم في خروجنا من المأزق. ولم نزل مستمرين بسياسة الشحادة علها تدرّ علينا، كما تعودنا، بما يسد حاجة ويشبع بعض الأفواه التي تفرض نفسها على الآخرين بالقوة.

إن انجازات حزب الله الكبرى هي في تفتيت دولة لبنان والغاء المؤسسات فيه، وتعليم شعبه عدم العمل والانتاج، ليصبح اما مقاتلين بالأجرة أو عالة على الآخرين يستجدي لقمة العيش، أو يعتمد على تجارة الممنوعات وتصريف البضاعة المسروقة حول العالم، وهو يحاول فرض نفسه كالعصابات بقوة سلاحه.

والأخطر أن يصبح البلد غابة يتقاتل فيها مجرمون على لقمة العيش، ويهجرها أبناؤها القادرون على العمل والانتاج. المشكل هنا بأن هذا الحزب وأمثاله يتغنى بأنه قادر على أخذ الدعم من إحدى دول المنطقة لينفّذ مشاريعها. وبكل وقاحة، يستعدي العالم من أجل حفة من الأموال يصرفها على بعض أتباعه ويحرم اللبنانيين، من وسائل الانتاج ومؤسسات الدولة والمشاريع القادرة على جعلهم من أكثر الدول رفاهية. فقد كانت بيروت عاصمة الشرق الأوسط الاقتصادية، ومركز الاشعاع الثقافي والعلمي، ومستشفى المنطقة، وأفضل مكان للسياحة والاستمتاع بجو الانفتاح ورغد العيش. وهي اليوم تستجدي شمعة تضيء ظلمتها، ولقمة تسد حاجتها. وها هي تصدّر ابناءها إلى بلدان الجوار للعمل، بدل أن تكون، كما عهدناها، مقصد مواطني دول كثيرة للعمل فيها.
يقول البعض بأن انجاز حزب الله الأساسي هو الاتفاق حول النفط والغاز مع اسرائيل، ونحن لسنا ضد الاتفاقات. ولكن اتفاق السابع عشر من ايار كان أعطى لبنان اعتراف اسرائيل بسيادته على كل أراضيه، برا وبحرا، بدون الحاجة لكل تلك المآسي التي مررنا بها منذ 1983 وحتى اليوم، مقابل العودة إلى الهدنة عبر الحدود، التي يدعي حزب الله حمايتها. وكان الدولار في تلك الدولة يساوي ثلاث ليرات لبنانية لا أربعين الف ليرة كما هو اليوم. ولا نريد أن نتكلم عن العراق الذي يعتبر من أغنى دول المنطقة بالثروات الطبيعية من البترول إلى السهول الصالحة للزراعة مع كل المياه التي ترويه، أو إيران ومخزونها من النفط والغاز، أو فنزويلا وثرواتها، وغيرها من الدول الغنية والتي لا يشعر شعبها اليوم بالرفاهية التي كان لبنان يعيشها بدون الحاجة للنفط والغاز. فقد كان شعب لبنان قادر على ممارسة الديمقراطية التي تحفظ تداول السلطة وتؤمن الاستمرارية والحرية المنضبطة، ويتمتع بسيادة القانون التي يتساوي معها الكل وتمنع التجاوزات وهذه أساسية لتطوير الابداع وتشجيع الخلق وتنوع الفرص.

إن العالم الحر ومنذ 2004 وضع اصبعه على الجرح الأساسي للبنان وأصدر مجلس الأمن الدولي القرار 1559 الذي ينهي وضع كل العصابات المسلحة التي تتخفى خلف شعارات الوطنية والدفاع عن المظلومين، وهي لا تعمل إلا لزيادة عدد المظلومين وتفاقم الظلم. ونحن اليوم، وبعد ترك هذا الحزب وغيره من البؤر المسلحة تفرض عدم سيادة القانون، قد خسرنا، ليس فقط الأمن، انما ايضا لقمة العيش بكرامة وجو الاستقرار الاقتصادي الذي يعتبر اساسا لهذا لعيش الكريم. فإذا كان التسليم بسيطرة حزب الله على لبنان قد اسهم في استقرار أمني كان يمنعه، فإنه أشاع جو الفساد ولغة الحقد وسياسة مد اليد على كل شيء وعدم القبول بحق الغير في الحياة الكريمة. ولذا فقد سقط لبنان وسقطت معه آمال كثيرة للعبور من أجواء الحقد إلى فرح العطاء والتعاون والسلام الذي بشر به الملائكة.

فكل ميلاد وأنتم بخير.. وصلاتنا إلى طفل المغارة، أن يمنح بعض الأمل إلى اللبنانيين، بأن أجواء الحقد والشر إلى زوال، وأن سلامه الآتي سوف يعيد زرع بذار المحبة والانفتاح والتعاون على الخير المنتج والتخلص من السلاح المقيت وشعاراته المضللة.
ميلاد مجيد…