أحمد عياش: متى يدرك الثنائي أنه زمن بكركي لا زمن “تفاهم” مار مخايل؟

111

متى يدرك الثنائي أنه زمن بكركي لا زمن “تفاهم” مار مخايل؟
أحمد عياش/هنا لبنان/05 كانون الأول/2022

بينما يدور النقاش كل يوم خميس من كل أسبوع، حول إمكان إنجاز الاستحقاق الرئاسي الذي دخل شهره الثالث من دون نتيجة، انتقل الاهتمام إلى موضوع انعقاد حكومة تصريف الأعمال، التي لا يجري النظر إليها من زاوية حاجات المواطنين الملحة فحسب، وإنما وبحسب المعلومات ينظر إليها في أوساط “حزب الله” و”حركة أمل” واللذين يحملان لقب “الثنائي الشيعي”، من زاوية ميزان القوى الذي سيأتي برئيس جديد للجمهورية يحظى بمواقفة الثنائي عموماً والحزب خصوصاً.

بحسب المعلومات أيضاً، إنّ زوار رئيس الحكومة نجيب ميقاتي نقلوا عنه ارتياحه، لما ورد في عظة الأحد التي ألقاها البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي في بكركي وفيها قال: “إن الإستخفاف في إنتخاب رئيس للدولة يضع الحكومة ورئيسها بين سندان حاجات المواطنين ومطرقة نواهي الدستور، متمنياً على رئيس الحكومة الرئيس نجيب ميقاتي، الذي طالما نأى بنفسه عن الانقسامات الحادة، أن يصوّب الأمور وهو يتحضر مبدئياً لعقد جلسة الحكومة اليوم. وبحسب هؤلاء الزوار، فإن موقف البطريرك لا يرتقي إلى موقف “التيار الوطني الحر” (الرئيس ميشال عون) الذي أصدر مؤسسه عشية جلسة الحكومة بياناً، وصف فيه إنعقاد حكومة تصريف الأعمال بأنه “انتهاك واضح للمبادىء الثوابت التي أرستها وثيقة الوفاق الوطني وكرستها مواد الدستور”.

إذاً ، تجتمع حكومة تصريف الأعمال وسط تأكيد الرئيس ميقاتي أنه “يأخذ في الاعتبار هواجس البطريرك وموقفه وسيسعى بالتأكيد إلى أن تبقى الحكومة بعيدة عن تأثيرات من هنا وهناك لتحافظ على استقلاليتها كسلطة تنفيذية، ولو لتصريف الأعمال”. فهل هذه نهاية المطاف في أزمة، هي فعلياً بدأت مع خلو سدة الرئاسة الأولى ولا تنتهي إلا بإنهاء الشغور على هذا المستوى؟

بالطبع، الجواب هو بالنفي، وربما ستتكرر جلسات حكومة تصريف الأعمال الطارئة، كما يحصل اليوم، طالما استمرت أزمة الانتخابات الرئاسية والتي تتوقع أوساط سياسية مواكبة أن يطول أمد هذه الأزمة ليس لأسابيع فحسب، وإنما لشهور في أقل تقدير. قبل الخوض في هذه الأزمة وأسبابها القريبة والبعيدة، تقول أوساط وزارية سابقة ان آخر من يجب أن يحاضر في هذه الأزمة هو “التيار الوطني” ومؤسسه الرئيس عون ورئيسه النائب جبران باسيل. فهذا “التيار بحسب هذه الأوساط، له سجل حافل في إنتهاك الدستور عندما كان عون رئيساً للجمهورية. ومن “مآثر” الأخير ومعه باسيل، سعيه إلى عقد جلسة للحكومة المستقيلة أيام الرئيس حسان دياب، لكن الأخير رفض ذلك لأسباب تتعلق بالدستور.

والان تطل مجدداً أزمة الانتخابات الرئاسية في الجلسة التالية للبرلمان الذي عقد حتى الآن ثماني جلسات بلا جدوى. وهنا تؤكد الأوساط نفسها أن البطريرك الراعي الذي واظب في ثلاث إطلالات بدأت في روما الشهر الماضي، وانتهت آخر الأسبوع الماضي، على توصيف الأزمة بشكل لم يسبق له مثيل إنطلاقا من دعوة رئيس مجلس النواب نبيه بري “المؤتمن على إدارة الجلسات وتأمين الظروف الدستورية والنصاب الطبيعي الذي أشارت إليه المادة 49 من الدستور للإسراع في إجراء الانتخابات الرئاسية، لكي لا يفقد المجلس النيابي مبرر وجوده كمركز لانبثاق السلطة”، كما قال البطريرك في عظته الأخيرة. فـ “الدستور (ينص) بمادته 49 عن انتخاب الرئيس بثلثي الأصوات في الدورة الأولى، وفي الدورة التالية وما يليها بالأغلبية المطلقة (نصف زائدا واحدا). فلماذا إقفال الدورة الأولى بعد كل اقتراع وتعطيل النصاب في الدورة التالية خلافاً للمادة 55 من النظام الداخلي للمجلس؟” بحسب البطريرك في عظته الأولى.

ما يشبه العودة إلى حقبة البطريرك الراحل مار نصرالله بطرس صفير الذي غادرنا في العام 2019 ، تعود بكركي في زمن البطريرك الراعي إلى موقعها دفاعاً عن الأسس التي قام عليها لبنان عام 1920، وهي أسس لا معنى لبقاء لبنان من دونها. ولا تزال مواقف البطريرك صفير حاضرة في الأذهان عندما قادت ثورة الاستقلال الثاني عام 2005 إنطلاقاً من بيان المطارنة الموارنة الشهير عام 2000 في مواجهة الوصاية السورية، كما قادت بكركي قوى 14 آذار إلى الفوز الباهر في الانتخابات النيابية عام 2008 بعد بيانه الشهير المحذر من خطر النفوذ الإيراني.

أما اليوم ، فقد بدأ البطريرك الراعي مرحلة مواجهة الوصاية الإيرانية تحت مسمى “محور الممانعة” عندما قال في عظته الأخيرة قبل أن يغادر لبنان إلى الأردن: “القوى المستقوية عندنا، حوّلت الرئاسة جبهة سياسية في محاور المنطقة وقررت، رغم معارضة الرأي العام، الاستئثار بها لتبقى دولة لبنان جزءاً لا يتجزأ من محور الممانعة وحروبها واضطراباتها المستجدة، وتضع لبنان في صفوف الدول المعادية للأسرتين العربية والدولية وجزءاً من العالم المتخلف حضارياً واقتصادياً ومالياً على غرار وضع سائر دول الممانعة وقد كانت في ما مضى دولاً موحدة ومستقرة وعلى طريق النمو.”

هل هناك كلام أوضح من كلام البطريرك في توصيفه أزمة الانتخابات الرئاسية؟
لا يخفى على المراقبين، أن ذريعة نصاب الثلثين ما كانت موجودة منذ 30 عاماً عندما كان الرئيس نبيه بري ينتخب المرة تلو المرة منذ العام 1992 رئيساً للبرلمان. على إمتداد كل هذه الأعوام. وكان مجلس النواب يجتمع مرة واحدة بنصاب الثلثين لينتهي بإنتخاب بري والذي فاز في المرة الأخيرة بأكثرية النصف زائد واحد (65 صوتاً). كل هذا الذي عاشه لبنان منذ العام 2005 وتكرس في “تفاهم مار مخايل” عندما وفّر الجنرال ميشال عون غطاءً مسيحياً لا سابق له لكي يصبح الثنائي الشيعي عموماً و”حزب الله” خصوصاً هو النافذ الفعلي في لبنان. هذا كان زمن “التفاهم” فهل بدأ العد في زمن بكركي لإنهاء هذا الوضع الأكثر شذوذاً في تاريخ لبنان؟