الكولونيل شربل بركات: المردة والموارنة

131

المردة والموارنة
الكولونيل شربل بركات/20 تشرين الثاني/2022

في خطط الرومان الدفاعية عن المدن الساحلية في لبنان أعتمد على قوة الفرسان المحليين الذين يسكنون الجبال اللبنانية من الشمال إلى الجنوب وهذه الفرق كانت تؤلف من مجموعات مدربة من الفرسان المحليين الذين يقومون بالاضافة إلى حياتهم اليومية بالتدرب على الفروسية والجهوزية للدفاع عن البلاد ضد المجموعات الغازية الصغيرة والمؤلفة عادة من البدو الذين يعيشون على أطراف الصحراء ويقومون موسميا بغزوات على مراكز الاستقرار ولا سيما المدن الساحلية الغنية. من هنا كان تنظيم الدفاع الروماني يعتمد على هؤلاء الذين يسمون في خطط الدفاع الرومانية “الجندية اللبنانية”. وهم يعرفون الأرض جيدا ويعرفون نوعية القتال ضد المجموعات الصغيرة الغازية هذه ولكن عند حصول هجوم كبير يفوق طاقتهم يطلبون المساندة من الحامية الرومانية في المنطقة. وعندما يكون هناك هجوما كبيرا لجيوش غازية كانت هذه المجموعات من الفرسان المحليين، والذين يقومون عادة بالدوريات الاستطلاعية في المنطقة وخاصة مشارف البلاد، تشكل مقدمة الجيش الذي يناوش العدو حتى تستعد القوات الكبرى للمواجهة الحاسمة والمعركة الرئيسية التي تختار القيادة مكانها وزمانها. ومن هذه القوى المحلية قوات “الغساسنة” الذين أعتبروا قوات مساندة للرومان على أطراف الصحراء الجنوبية كما اعتمد الفرس “المناذرة” كقوات مساندة لهم في العراق اليوم. وأكثر مثال واضح على دور هذه القوى وعلاقتها بالقوات الرومانية الرسمية المعتمدة للدفاع عن سوريا ما جرى أثناء هجوم ماوية (ماء السماء) زوجة أمرؤ القيس على سوريا وفلسطين (زمن الامبراطور فالنس 364 – 379) والتي اعتبرت في البدء غزوة صغيرة عادية يردها الفرسان المحليون. ولما طلب هؤلاء مساندة الحامية الرومانية ضحك القائد الروماني معتقدا بأنها غزوة صغيرة لا تحتاج لتدخل القوات الرومانية خاصة وأن قائد هذه القوة امراة وحذّر حتى على قائد القوى المحلية محاربتها. ولكنه لما اصطدم بقوات ماوية سُحقت قواته المدربة ما جعله ينسحب تكتيكيا إلى الجبال بتغطية من هؤلاء الفرسان المحليين ويترك جيش المناذرة يحتل دمشق وكل المدن من حولها وما جاوزها من المدن الفلسطينية حتى تخوم مصر، حيث اضطر الرومان بعدها لمفاوضة ماوية على شروط الانسحاب.

نعرف من السجلات الرومانية بأن عين إبل مثلا كانت مقرا لكتيبة من هؤلاء الفرسان المحليين تعد 600 عنصر ما يدل على هذا التنظيم المعتمد. من هنا وعندما قام كسرى الأول بغزوته على انطاكية (لم تعتبر احتلال لأنه لم يستمر في السيطرة على البلاد) حيث كانت المدينة تعرضت قبل مدة لزلزال هدم جزءً من أسوارها ولم يكن قد أعيد بناءه بعد ما سمح لقوات الفرس يومها من دخول المدينة ونهبها قبل أن تصلها قوات الحماية من الجندية اللبنانية (01). ولم يحتلها كسرى ولا سيطر عليها أو غيرها من المدن السورية في هذه الغزوة. إنما وبعد مرور سنوات كانت فيها علاقة الفرس والرومان منتظمة بالمعاهدات وعلى زمن كسرى الثاني حفيد كسرى الأول، وردا على خلع وقتل صديقه الامبراطور البيزنطي “موريس” الذي كان ساعده لتسلم الحكم في المدائن، قام هذا الملك بهجوم واسع وصل به حتى أسوار القسطنطينية واحتل انطاكية ودمشق ومن ثم فلسطين حيث دخل القدس وأخذ خشبة الصليب. ولكنه كان توقف ثلاث سنوات في دمشق قبل أن يدخل لبنان. ويقول المؤرخون بأنه في هذه الأثناء أسكن قبائل جبيلية على الممرات المؤدية إلى الساحل لحماية جيشه. وهنا يتساءل البعض لماذا لم يدخل كسرى لبنان إلا بعد أن أمن الممرات الجبيلية وهل كان يخاف حامية لبنان؟ وهل كانت هذه قادرة على الدفاع لدرجة أن لا يجرؤ على دخوله وهو الذي احتل انطاكية المحصنة ودمشق وغيرها؟

إن دراسة جغرافية لبنان وخاصة وجود سلسلتين من الجبال تؤمنان حماية مدنه الساحلية بالاضافة إلى صعوبة الأراضي التي تجتازها القوى المعادية للوصول إلى المدن الساحلية، هي بحد ذاتها تحدي لأي فاتح،  فكيف إذا ما قدر لها أن يحميها قوة من الفرسان، سكان الجبال، الذين يعرفون المسالك جيدا، والقادرين على نصب الكمائن والحاق الخسائر بأي قوة تحاول اجتياز المعابر التي يعرفها جيدا هؤلاء. وقد كانت الخطة الدفاعية الرومانية لحظت هذا التفصيل المهم. ومن هنا، ولمن يعرف بالتكتيك العسكري وأهمية المعنويات لدى القوى المهاجمة، فإن تكبّد جيش كسرى الكثير من الخسائر، مقابل الوصول إلى الساحل، كان يأخذ بالحسبان. لأنه بخسائر أقل كان يمكنه احتلال مدن كبيرة وغنية وبسط نفوذه على أراض شاسعة وهو قادر على الانتظار فلماذا المخاطرة؟ وهنا أيضا لنا من حملة قلاوون التي جرت بعد ذلك بقرون سنة 1282والتي جهز لها مئة ألف جندي لاحتلال طرابلس وكيف أنه اضطر بعد استطلاعه الأرض إلى التفاهم مع المقدم سالم ومن ثم عند وقوف البطريرك دانيال بالمواجهة كيف أنه اضطر إلى الخديعة لقتل البطريرك لكي يستطيع اجتياز هذه المنطقة والوصول إلى طرابلس. وقول البعض بأن كسرى لم يكن يهاب الجندية اللبنانية يومها ولم يأخذها بالحسبان هو الأمر غير الواقعي.

وقد أستقدم كسرى، كما يقول التاريخ، قبائل من سكان الجبال في مناطق كردستان الحالية أو أرمينيا الجنوبية (يقول البعض انهم من قبائل المرديت) والذين لهم خبرة في قتال الجبال، فأسكنهم قرب الممرات الجبلية التي سيجتازها عظيم جيشه للوصول إلى الساحل. وهو ولو كان دخوله إلى البقاع من جهة القاع سهلا أو من جهة ما نسميه “المصنع” اليوم، وهو ممر بين جبال السلسلة الشرقية، إلا أنه، ولكي يصل إلى الساحل، عليه اجتياز السلسلة الغربية أيضا والتي لا ممرات سهلة فيها حتى ايامنا هذه. فقد اعتبر الرومان سهل البقاع سوريا المجوّفة لأن له مدخل من شماله وتحيطه الجبال من بقية جوانبه ولكن لبنان بسلسلة جباله الغربية وسواحله، وكان يسمى فينيقيا الساحلية وفينيقيا اللبنانية، ولم يكن من السهل عبوره من قبل الجيوش الكبيرة.

ولما أكمل هرقل تدريب جيشه ترك كسرى على أسوار القسطنطسنية وقام بالانتقال في البحر الأسود إلى أرمينيا ومنها دخل إلى بلاد فارس، وكما فعل كسرى بدخوله القدس، أهم مركز ديني للأمبراطورية البيزنطية، قام هرقل بدخول مسقط رأس زردشت وهدم هيكل النار الأبدية فيها والتي يعبدها المجوس. ومن ثم هاجم قوات الفرس في معركة فاصلة بالقرب من نينوى في العراق وانتصر عليها. واتفق مع ابن كسرى الثاني على تسلم بلاد الفرس. فقام هذا الأخير بقتل والده وحكم البلاد. وقد شمل اتفاق هرقل والملك الجديد على سلم بين الدولتين على أن يسحب الفرس كل القبائل التي اسكنوها في جبال لبنان ويعيدوها إلى مواطنها. ومن ثم أعاد هرقل خشبة الصليب إلى بيت المقدس.

وبعد سنوات قامت في بلاد العرب دعوة دينية ألبت القبائل العربية وجمعتها تحت قيادة واحدة. ومن ثم خرج هؤلاء وانتشروا في بلاد الشام واحتلوا دمشق والقدس وبعلبك وانطاكية. وفي الشرق دخلوا المدائن عاصمة الفرس وفرضوا على هؤلاء اعتناق نظريتهم الدينية المبسطة والتي لا تفلسف الأمور لتفتح مجالا للتفسيرات والانشقاقات. ولكنهم لم يدخلوا إلى المدن الساحلية في لبنان إلا بعد أن تفاقمت المشاكل وضعفت مقاومة جيوش المبراطورية. فقد كان هرقل بجولته وحروبه في الشرق تأثر بنظريات دينية اختلفت مع الارثوذكسية السائدة في العاصمة وحاول اطلاق نظرية جديدة تشمل الجميع ما خلخل ولاء المقربين منه وأضعف القرار السياسي وبالطبع الحسم العسكري مع هذه القوى الجديدة التي لم تكن أخذت بعين الاعتبار في البدء لا بل كان الأهالي في دمشق والمدن حولها والذين عانوا من النهب الذي جرى من قبل الفرس ومن ثم وبعد تحرير بلدهم عاد جباة الضرائب ليطالبوا بضرائب السنوات التي احتل فيها الفرس المنطقة ما اثار ردة فعل عند السكان وجعلهم يستقبلون القبائل العربية الغازية والتي لا مطالب كبيرة لها. حتى أن ابناء دمشق قاموا هم بتنظيم الدولة الجديدة خاصة من الناحية المالية والضرائب.

وعلى صعيد لبنان وبعد الهجمة الآولى واحتلال المدن الداخلية الكبرى كانت الجندية اللبنانية قد حلت كجزء اساسي من الخطة الدفاعية البيزنطية فلم تتعرض هذه القوى لمن دخل إلى المدن الساحلية من جنوب البلاد. ولكن بعد أن استوعب من في مراكز القرار في القسطنطينية الأمر وضعوا خطة لهجوم معاكس لجيش الامبراطورية اعتمد على استغلال ما تبقى من القوات اللبنانية ودعمهم بقوى جديدة لكي تقطع الطرق على الخليفة الذي سكن دمشق كي يسحب جيوشه من على أبواب القسطنطينية. من هنا كان قرار الامبراطور قسطنطين اللحياني اعادة استقدام بعض المقاتلين من قبائل “المردايت” الذين كانوا سحبوا من لبنان في الاتفاق مع الفرس والذين يسكنون جنوب ارمينيا وهم يعرفون البلاد والحرب فيها (02) ، وكان اصبح لهم علاقات مع السكان المحليين، مع اعادة تفعيل الجندية اللبنانية واشغال العرب من الخلف ما يضطرهم إلى توقيع معاهدة يحتاجها الامبراطور لاعادة التنظيم.

في هذه الأثناء كان كرسي بطرس الانطاكي قد فرغ ولم يستطع المؤمنون أن ينتخبوا بطريركا عليه بسبب وجود قوة جديدة تختلف عنهم بالايمان. وهكذا يوم دخل “المردايت” مجددا إلى لبنان واندمجوا مع شعبه وقاموا بهجمات كثيرة على أطراف دمشق قطعت الطرق وهددت استقرار الخلافة ما اضطر معاوية إلى توقيع معاهدة مع الامبراطور لوقف هجمات هؤلاء ومنع ضررهم على عاصمته وكان من ضمن الشروط انسحاب القوى من المناطق التي تهدد القسطنطينية. من هنا تسمية المؤرخين العرب لهذه القوى “المردة” وأحيانا “خيل الروم” فكلمة مردة من مردايت وخيل الروم لأن هذه القوى مع الجندية اللبنانية قوامها من الفرسان أي الخيالة الذين يغيرون بسرعة وينسحبون إلى الجبال بعد انتهاء مهمتهم وهذا ما أربك السلطة الجديدة في دمشق.

كانت الأموال التي نصت عليها المعاهدة يدفعها معاوية وخلفائه لهم وهي كانت بدل مصاريف هذه القوى فلا يضطر الامبراطور لدفع أية مبالغ من مالية الدولة. من هنا وعندما تسلم يوستينيانس الأخرم الحكم وقام بتبني نظرية دينية تخالف الارثوذوكسية والكاثوليكية حاول أن يتدبر بعض أموره المالية وكان الخليفة يومها عبد الملك بن مروان وقد أقنع بدهائه الامبراطور بكف تهديد هؤلاء اللبنانيين والمردة عنه مقابل أن يدفع له مباشرة وليس لهم أكثر مما كان معاوية اتفق أن يدفع لهؤلاء. وقد سمح لجيش الامبراطور بالوصول إلى لبنان لتنفيذ هذا الأمر بأن سحب قواته وفتح ممر لعبور هذا الجيش ليقوم بسحب جزء من هذه القوات والسيطرة على ما تبقى من “الجندية اللبنانية” الذين كانوا اعتادوا على تهديد دمشق كلما سنحت لهم الفرصة. وكان معاوية قد أستقدم بعض القبائل من العراق اليوم ومنهم التنوخيين وأسكنهم بالقرب من بيروت ليحموا الثغور البحرية ولكنهم لم يجرؤوا على مهاجمة القوات المتمركزة في الجبال.

قام يوستينيانوس بسحب 12 الف جندي كما يقول المؤرخون وهم قوات المردايت وأعادهم إلى بلادهم وهنا يقول بعض المؤرخين بأنه “هدم بيده السد النحاسي” الذي كان يحمي اراضي الأمبراطورية. ولم يكتفِ بذلك بل خدع قائد جيشه الأمير قائد الفرسان اللبنانيين وقتله بقصد تشتيت قواته وهاجم هؤلاء الفرسان ما اضطرهم إلى الهرب صوب الجبال وترك سهل البقاع بدون حماية. وهذه العملية كانت شديدة التأثير على ما تبقى من الجندية اللبنانية وقد جعلت هؤلاء يضمرون السؤ للامبراطور ولم يكتفِ يوستينيانوس بهذا القدر ولكنه، وقد كان الخلاف العقائدي على أشده بين أتباع مارون واليعاقبة، هاجم جيش الأمبراطور دير مارون على العاصي وهدمه وقتل رهبانه وما كان من من تبقى إلا الهرب باتجاه لبنان حيث احتموا بالقوى التي أصبحت متمردة على الملك. وهنا قام الشعب بانتخاب بطريرك عليهم هو يوحنا مارون وأطلقوا عليه لقب بطريرك انطاكية ما أعطى المقاتلين والشعب الذي يتحدرون منه تماسكا أكثر إذا أصبح له قيادة روحية اضافة إلى القيادة الدنيوية (03).

وهكذا لما وصل جيش الأمبراطور إلى منطقة طرابلس ليكمل مهمته بالقضاء على هذه المقاومة وقد خيم في منطقة الكورة تصدى له هؤلاء الفرسان وهاجموا الجيش وكسروه فقتل في المعركة مرقيان أحد قائدي الجيش ودفن في مكان لا يزال معروفا ومن ثم وصلت الأخبار من القسطنطينية بأن نوعا من الانقلاب حصل في القصر والقي القبض على يوستسنيانوس الملك من قبل ليونيتس وقطع انفه ونفي إلى شبه جزيرة القرم. ولو أن ليونيتس كان متسامحا لا بل أقرب إلى الخلقيدونيين من الناحية العقائدية ولكن تتبايع الأحداث وتطورها الذي أدى فيما بعد إلى اسقاطه من قبل طيباريوس ومن ثم عودة يوستينيانوس من منفاه وسيطرته على الحكم مجددا واعدام ليونيتس وطيباريوس ومن جهة العرب سيطرة عبد الملك بن مروان على الأحداث في العراق والحجاز باخماده ثورة ابن الزبير وما تبقى من ثورة شيعة الحسين ما جعل اللبنانيين يبعدون أكثر فأكثر لا بل ينعزلون في جبالهم ويحجمون عن التدخل بالأحداث الخارجية مكتفين بحماية معتقداتهم وبلادهم ما استوعبه الخليفة واكتفى بعدم التحرش بهم.

هوامش
(1) يقول بروكوب في تاريخه عن حروب كسرى الكبير على عهد يوستينيانس الأول أي بين 537 و546 :”إن يوستينيانوس في سنة 527 أخرج باليزاريوس على الفرس وأضاف اليه كوزاس وبوزاس قائدي “جندية لبنان” فكوزاس وقع اسيرا أما بوزاس فأستبسل ورقي إلى رتبة أركان حرب. وبعد مدة أي سنة 541 حاصر كسرى انطاكية وهرع “اللبنانيون” إلى الدفاع عنها. وإن تيوتيست ومولاز قائدي الجنود اللبنانية وصلا بستة آلاف فارس ولما رأوا المدينة قد أخذت اركنوا إلى النجاة من العدو ورجعوا إلى جبالهم. وفي سنة 543 عندما استؤنفت الحرب بين الروم والفرس أضاف باليزاريوس إلى جيشه راسيتانيوس ونيوتيست قائدي الجندية اللبنانية وهؤلاء لما رأوا أنه لا بد لهم من أن يبعدوا عن سوريا رفضوا ذلك وصرحوا بأنهم يخشون أن يداهم العرب سورية وفينيقية وينهبوهما ببعادهم وحراستهما موكلة اليهم من الملك. ولكن باليزاريوس أخذ ذلك على ضمانته فتبعوه مدة شهرين ورجعوا عنه فاضطر القائد الأكبر أن يرجع أيضا على أعقابه”.

(2) يقول المؤرخ المعروف ثاوفان:”أنه في سنة 699م دخل المردايت إلى لبنان واستولوا على كل ما هو من جبل اللكام حتى المدينة المقدسة واحتلوا بعض مشارف لبنان وضوى اليهم جماعة كثيرة من العبيد ةالأسرى ومن الوطنيين حتى أنهم في مدى زمن قصير بلغوا الوفا كثيرة. ولما سمع معاوية ومستشاروه بذلك خافوا حوفا شديدا حتى انهم لموضع اعتقادهم بأن مملكة الروم محمية بعناية الله أرسلوا رسلا إلى قسطنطين الملك في طلب الصلح وفوضوا اليهم أن يعرضوا أيضا الجزية السنوية. فقبل الملك هؤلاء بالحلم واستجاب طلبهم وانفذ معهم إلى سورية البطريق يوحنا الملقب بالبنزيوكودي وهو شيخ حنكه الدهر واشتهر بالفطنة في أمر المصالح العمومية بحيث يمكنه أن يداول العرب فيما يوافق المصلحة على ما يرام وأن يقرر شروط الصلح. فلما بلغ سورية جمع معاوية خواصه من بني أمية وقريش واستقبله بحفاوة ومن بعد الأخذ والرد في أمر الصلح تم الاتفاق بين الفريقين على تحرير شروط الصلح كتابة وكانت كما يلي: أن يدفع العرب لخزينة الروم كل سنة ثلاثة آلاف وزنة من الذهب وثمانية آلاف مملوك وخمسين فرسا كريما. ومن بعد أن تقرر ذلك بين الفريقين وتم عهد الصلح بين الروم والعرب إلى ثلاثين سنة واستلم كل فريق صكا شرعيا بها عاد ذاك الرجل الشريف المشار إليه بهدايا نفيسة إلى الملك. وما كاد يبلغ خبر الصلح إلى سكان الغرب حتى أرسل خاغان أمير الأيبريين وسائر ملوك تلك المقاطعات وحكامها واكابر رجال الطوائف الغربية رسلا يحملون الهدايا إلى الملك لأجل عقد صلح بينهم وبينه. فأجاب الملك سؤلهم وأقر عهد الصلح معهم على ما يوافقه وهكذا ساد الأمان والسلام في الشرق والغرب معا.”

(3)  يقول البعض بأن يوحنا مارون كان انتخب بطريركا قبل تنصيب يوستسنيانوس بسنة أي قبل تلك الأحداث لخلو كرسي بطريركية انطاكية وعدم انتخاب بطريرك عليها.