الكاتب والمخرج يوسف ي. الخوري/أن تخيّرونا بين اتّفاق الطائف والفوضى، لكأنّكم تخيّروننا بين الفوضى والفوضى

195

أن تخيّرونا بين اتّفاق الطائف والفوضى، لكأنّكم تخيّروننا بين الفوضى والفوضى
الكاتب والمخرج يوسف ي. الخوري/09 تشرين الثاني/2022

أتردّد دائمًا في مقاربة الدستور الناجم عن اتّفاق الطائف لسببين:

أوّلًا، لأنّي أخشى أن اُتّهم بأنّي “عونيّ”، كَوْني أرى في هذا الدستور بليّة البلايا.

وثانيًا، لأنّ لي صديق، قاضٍ متقاعد، وخبير دستوري بكلّ ما للكلمة من معنى، لا اُحبّ أن اُزعِلَه، إذ يمتعض بشدّة ممّن يتطفّلون على القانون والدستور وهم ليسوا من ذوي الاختصاص، حتّى أنّه ينزعج منّي حين أتناول في كتاباتي أمورًا دستورية، مع أنّي أُدقّق في معلوماتي معه قبل نشرها.

أمّا وأنّ الرئيس السابق ميشال عون، وصهره المشرقي جبران باسيل، أضحيا من أشدّ الملتزمين باتّفاق الطائف بحسب تصاريحهما الأخيرة، فلم يعد بوسع أحد نعتي بالـ “عونيّ” لأنّي ضد دستور “الطائف”. وبالنسبة لصديقي القاضي أقول: “عذرًا منك، ما كنتُ لأقاربَ مضمون الدستور لَو أنّ بين الدستوريين فقهاء”.

يضجّون جميعًا، يُصمّون آذاننا حتّى زَهَق الروح، من كثرة كلامهم عن دستور “الطائف” ودفاعهم عنه وعن “ميّزاته” في الآونة الأخيرة. سفارات، أحزاب، سياسيون، اعلاميون، أكاديميون، قانونيون، دستوريون، رجال دين، كلّهم يزعمون أنّ “الطائف” لَو طُبّق لَعمِلَ “العمايل”، وأنّ مثله لن يأتينا بعده، ومن دونه لا بقاء للمسيحيين، وأيّ بديل له سيأخذنا إلى “المثالثة” المزعومة، وإلى نهاية العيش المشترك ولبنان الرسالة، فالطوفان!

عَجِبتُ من هؤلاء يخافون على دستور لم يُحقّق الانتظام في دولتنا. لم يحفظ سيادتنا واستقلالنا، ولم يَصُنْ حقّنا في التعبير. لم يُعِد اللحمة بيننا كلبنانيين، بل عزّز غربتنا عن بعضنا البعض. لم يحمِ ملكياتنا الخاصة بما فيها ودائعنا في البنوك. لم يُساوِ بيننا تحت القانون. لم ينمِّ اقتصادنا الحرّ ولم يحرّر قرارنا من التحزّبات والتبعيّة.

ليست العلّة في “الطائف” أنّه (لم) يُطبّق، بل في أنّه (لا) يُطبّق. وإن كانَ يُطبّق كما يتوهّمون، فمَن سيُطبّقه؟ أهؤلاء الذين شاركوا بالأمس في “منتدى الطائف 33″، وانتصبوا لالتقاط photo أمام الشاشات ووسائل التواصل الاجتماعي؟ بالطبع لا، وإلّا لماذا لم يطبّقوه طيلة ثلاثٍ وثلاثين سنة احتلوا خلالها الدولة، وتحكّموا بمؤسّساتها وقضائها، وتآمروا مع محتلّيها ضد شعبهم!؟

يعزو البعض عدم تطبيق اتّفاق الطائف إلى انّ البلد لا يزال واقعًا تحت الاحتلالات. وهل اُبرِم هذا “الطائف” الهجين لو لَم يتمّ الاعتراف بالاحتلال السوري “شقيقًا غيورًا”، ووصيًّا على الحكّام اللبنانيين القُصّر؟ وهل كان بالإمكان تطبيق ما طُبّق مِنه إلّا بأمرٍ من المُحتلّ وإذعانًا لمشيئته؟ فلنسترجع معًا كيف تحكّم الاحتلال بجلسات انتخاب رؤساء الجمهوريّة منذ نشوء “الطائف”:

– الأوّل، رينيه معوّض، أراد تخطّي الاحتلال في تطبيق “الطائف”، فَقُتل.

– الثاني، الياس الهراوي، انتخبه الاحتلال ولَم يكن سلفه قد دُفِن بعد. ثمّ أمر (الاحتلال) بالتجديد له ثلاث سنوات خلافًا لأحكام الدستور، فنُفّذ الأمر من دون نقاش.

– الثالث، إميل لحّود، انتخبه الاحتلال وجدّد له خلافًا لأحكام المادة 49 من الدستور.

– زال الاحتلال السوري خلال ولاية لحّود الثانيّة، فعمّت الفوضى بين المسؤولين اللبنانيين القصّر، وفشلوا في انتخاب رئيس للجمهورية، فكانت حركة 7 أيّار التي أنتجت اتّفاق الدوحة 2008، الذي بدوره أنتج احتلالًا جديدًا، ما هو إلّا “ابن البلد”، حزب الله، الذي نام عليه الاحتلال السوري كاحتياطي مسلّح، spare، متجاوزًا ما نصّ عليه اتّفاق الطائف بخصوص حلّ الميليشيات كافة. هكذا أٌدخل إلى بعبدا الرئيسُ الثالث، ميشال سليمان، محكومًا باحتلال جديد.

– الرابع، ميشال عون، كان مرفوضًا من جميع الأطراف إلّا من حزب الله، المحتلّ الجديد، الذي وقف عند كلمته حتّى كسر إرادة الرافضين، وأتى بعون رئيسًا.

والحال على ما عرضنا أعلاه، أَتَكون المشكلة في تطبيق “الطائف” أم في أنّه لا يُطبّق مِن دون مَن يأمُر ويحسُم؟

كيف يمكن مثلًا تطبيق الفقرة هـ. من مقدمة الدستور التي فيها الشيء ونقيضه، من دون عصا غليظة؟

الفقرة هـ.: “النظام قائم على مبدأ الفصل بين السلطات وتوازنها وتعاونها”.

كيف يتمّ “الفصل” و “التعاون” في الوقت نفسه!!؟ كيف يتحقّق الفصل بين السلطات، والنوّاب يحقّ لهم أن يكونوا وزراء خلال نيابتهم (المادة 28)، والمجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء يضمّ بين أعضائه سبعة نوّاب (المادة 80)!!؟

عندما تتعاون السلطات وتتوازن؛ تضعف الرقابة، تتعزّز المحاصصة والتحزّبات، يستشري الفساد، تستحيل المحاسبة، وتتحوّل السلطة إلى منظومة “كليبتوقراطية”. بتعاون السلطات بعد “الطائف”، اُحكِم الخناق على الشعب اللبناني، سُرقت أمواله، تلاشى اقتصاده، انهارت عملته، تدمّرت مؤسساته العامة…الخ… في حين كان بالإمكان تدارك كلّ ذلك ببساطة لَو كانت النوايا صادقة وأُقرَّ “الفصل التام بين السلطات” عوضًا عن “الفصل والتوازن والتعاون” بين السلطات.

بكلمات قليلة ذات مضمون نافع، كان بإمكان هذا الدستور، “المؤلَّه” لدى بعضهم، أن يجنّبنا الشواغر والفراغات التي تسبّبت بتعطيل عمل المؤسسات، وبشلّ تقدّم الدولة وتراجع خدماتها، لأكثر من ربع زمن “الطائف”.

أما كان في مستطاع المشرّع أن يُلزم رئيس الحكومة المُكلّف بمهلة واضحة لتشكيل حكومته، فيُضمّن المادة 64 – (2) عبارةً مقتضبة تُفيد بأنّه “… وفي حال امتنع الرئيس المكلّف عن تقديم تشكيلته في خلال شهر مِن تكليفه، يُعتبر ذلك بمثابة اعتذار عن التشكيل…”؟  كم فراغ حكومي كنّا تجنّبناهم لو استخدم المشرّع جملة واضحة ومُفيدة على هذا النحو؟

المادة 49 من الدستور فيها الكثير من الإبهام، لذلك كلٌّ يفسّرها بحسب مبتغاه، ممّا أدخلنا لغاية اليوم بحوالي أربعة أعوام من الفراغ الرئاسي. تقول المادة:

“يُنتخب الرئيس بغالبيّة الثلثين في الدورة الأولى، ويكتفي بالغالبيّة المطلقة في الدورات التي تلي”.

النص بصيغته الحاليّة ترك مجالًا للبعض أن يفسّروا هذه المادة على أنّها تستدعي نصابًا قوامه ثلثي أعضاء المجلس لانتخاب الرئيس، وهذا برأينا خطأ، لكنّ لا احد يُريد الاعتراض عليه لاستغلاله كورقة لتطيير الجلسات. المشرّع لم يقل بنصاب للجلسة، بل قال “بثلثي الأصوات للدورة الأولى”، ما يعني فتح الدورة الأولى، وفي حال ثلثا الأصوات غير مؤمّنة لأيّ سبب، ننتقل إلى دورات جديدة بالغالبيّة المطلقة. ولَو كان المشرّع يُريد نصابًا للجلسة، لكان ذكره على غرار ما حصل في الاتّفاق الثلاثي، حين تحدّد نصاب جلسة انتخاب الرئيس بسبعة أعشار عدد أعضاء مجلس النواب.

أوَلَم يكن بمقدرة المشرّع أن يصيغ نصّه من دون أن يحمل التباس؟ كالتوضيح مثلًا بأنّ الجلسة لا تتطلّب نصابًا، وبأنّ الرئيس يُنتخب بأكثريّة الثلثين في الدورة الأولى، وبالأغلبيّة المطلقة في الدورات التالية.

لو أنا كنتُ مكان هذا المشرع لَقلت: “بالأغلبيّة المطلقة في الدورة الثانيّة، وبأكثريّة النوّاب الحاضرين في الثالثة”. فكيف عندها سيتهرّب النوّاب من انتخاب رأس البلاد في جلسة واحدة؟

هذّه عيّنة بسيطة من المأساة التي يعيشها لبنان بسبب اتّفاق الطائف، وهي كافية لنفهم أنّ هذا الاتّفاق لا يصلح إلّا لقبعه من جذوره، لأنّه ليس فقط لا يُطبّق، بل حرام تضييع الوقت في إصلاحه. مع ذلك، سمعنا بالأمس القريب سفير المملكة الراعية لاتّفاق الطائف وهو يحذّرنا من المجهول في حال لم نطبّقه، وعلى مَن يتّكل سعادته للتطبيق بعد ثلاثٍ وثلاثين سنة!!! على المنظومة الكليبتوقراطية نفسها وهي التي لم يتكلّف لصوصها عناء تقديم مشروع قانون واحد لتعديل نصّ مادة واحدة في الدستور، بهدف إزالة التأويل والالتباس حولها.

بالله عليكم، قولوا لسعادة السفير أنّ مَن يُريدهم أن يُنقذونا من المجهول، هُم أنفسهم زرّبهم شعب 17 تشرين في بيوتهم لأنّهم نهبوا لبنان ووضعونا في المجهول. هؤلاء نعلّقهم على حبال المشانق ولا نعلّق عليهم الآمال لنشل البلاد من جهنّم.

للحديث صلة غدًا أو بعده، وهذه المرّة تحت عنوان: “ما كان “اتّفاق الطائف” إلّا لكسر المسيحيين”.

#Systema_delendum_est