شارل الياس شرتوني/٢٧ شهرا على جريمة المرفأ الارهابية … سبل التسوية وحدودها في ظل دولة الجريمة المنظمة

30

٢٧ شهرا على جريمة المرفأ الارهابية … سبل التسوية وحدودها في ظل دولة الجريمة المنظمة
شارل الياس شرتوني/04 تشرين الثاني/2022

انقضى عهد ميشال عون وبقت المسائل المحورية هي هي، ولا امكانية لاجراء أي تغيير في ظل الاقفالات المتداخلة منذ ثلاث سنوات، والتي يبدو أنها مستمرة ما دامت أطراف الائتلاف الاوليغارشي مصرة على تجاهل المعارضات السياسية والمدنية، وتطويع المؤسسات لمصالحها السياسية والمالية ومشاريعها الانقلابية. لا سبيل للتسوية في ظل برلمان صوري تستعمله الفاشيات الشيعية صندوق إيقاع لتوجهاتها، في ظل تبدد التماسك السياسي بحدوده الدنيا، داخل المؤسسات وخارجها. لا إمكانية لأية تسوية سياسية في ظل مناخ سياسي يتحرك في فضاء فراغات قيمية متنامية تستدعي التساؤل حول ما يجمع اللبنانيين مع هذه الاوليغارشيات التي تحتجزهم من خلال لعبة الأموال المنهوبة، والسياسات الانقلابية الشيعية ببعديها الداخلي والخارجي. إن الجدال حول الفراغ الرئاسي والتباسات الوضع الحكومي بين التصريف وإعادة التكليف، هو جدال عقيم ومضلل لأنه يعني، أولا وأخرا، اطراف المعادلة الاوليغارشية، ولا علاقة له بالمسائل الحياتية المحورية، وضرورة تطبيع الحياة السياسية، كشرط أساسي من أجل الخوض في العمليات الاصلاحية، ودخول لبنان في الدائرة الفاضلة التي تقوم على التداخل بين الاستقرار السياسي والعمل الاصلاحي الجذري الذي تستدعيه الانهيارات البنيوية التي نعيش في خضمها. إن سياسات الفاشيات الشيعية ومرادفاتها في الأوساط الاوليغارشية ليست بوارد التطبيع، بل على العكس، تسعى الى إبقاء البلاد في دائرة الالتباسات المدمرة وتثبيت أحوال الفراغ كأفضل سبيل من أجل متابعة سياساتها الانقلابية، وتعميق واقع الاستلاب، والمضي قدما في نهج الاستباحات الذاهبة في كل إتجاه.تقودنا هذه الملاحظات الى الاسئلة التالية:

– هل من سبيل لاعادة بناء حوكمة فعلية في بلد يعاني من تداخل بين وقائع السيادة المعطلة والاستنسابية والمحدودة، والحكم الپوليارشي القائم على تثبيت المقاطعات السلطوية بين بارونات النهب، واستعمال روافع الدولة الصورية منطلقات لسياسات انقلابية تقيم على تخوم دوائر نزاعية متفجرة، وسياسات النهب المترنحة بين تقاسم المسالب والريوع والزبانيات، ونسبتها الى مفهوم الدولة. ما هي فائدة إجراء انتخابات رئاسية صورية تعيد ترسيم خطوط سياسات القضم المتبادل بين قوارض لا تعرف معنى دولة القانون، والحكم الدستوري، والسلم الأهلي، والمفاهيم المؤسسة لها. نحن في ظل حروب أهلية مفتوحة، وهمجيات مستنفرة لا حدود لها. إن الخطاب السياسي السائد في الوسط الشيعي بجلافته الاخلاقية، وتشريعاته الفقهية الظلامية، ومناخات الاستباحة التي يحفزها، مدغمًا بسياسات النهب التي يتشارك فيها مع الاوليغارشيات السياسية-المالية، لن يسمح بأية نقلة نوعية باتجاه الاصلاح الديموقراطي والسلم الأهلي. إن المواجهة السياسية الفعلية لن تنعقد إلا عندما تحسم الخيارات بين الدولة الصورية والدولة الفعلية المتمثلة بدولة القانون، الأمر الذي يطرح راهنية ما عبر عنه جورج نقاش بمقولته “نفيان لا يصنعان أمة”، فكيف بالحري إن كان هذا النفي باسم سياسة تمييز دينية المصدر. إن اعادة التفكير بحيثيات السلم الأهلي والهندسة الدستورية، لم تعد استطرادا فكريًا، في زمن التعطيل البنيوي المديد الذي تعيشه البلاد.

– إن سياسة التعطيل الإرادي للاصلاحات المالية منذ ثلاث سنوات، والانكفاء المنهجي عن أية مبادرة باتجاه أي من ملفاتها، ليسا من باب الصدفة، بل نتيجة لخيارات غير ملتبسة تندرج ضمن نهج التفكيك التدرجي للدولة اللبنانية، والتمهيد لخيارات سياسية إنقلابية تستهدف قواعد الاجتماع السياسي اللبناني الميثاقية والديموقراطية والليبرالية. إن سياسة الانهيارات المالية والاقتصادية والاجتماعية هي جزء أساسي في إستراتيجية حزب الله وادائه لجهة تفعيل اقتصاد الجريمة المنظمة على تنوع نطاقاته، وتحويل لبنان الى ملاذ لتبييض أموال الارهاب، والتهريب على أنواعه، والعمل الاقتصادي غير المشروع، ودفع مجموعة دينية بأكملها باتجاهه مدغما بفقه الجريمة المنظمة وترسانتها الشرعية. تضاف الى ذلك سياسة الاوليغارشية السياسية-المالية التي تسيطر على ٩٥/١٠٠ من القطاع المصرفي والتي تستنكف إراديا عن الخوض في الإصلاحات المالية الهيكلية حماية لسياسة النهب المنهجية للأموال العامة والخاصة على مدى ٣٠ عامًا، بناء على مقاصد واعية تمت بالتشارك مع المصرف المركزي والحكومات والمجالس النيابية المتوالية منذ بدايات جمهورية الطائف، باشراف وتحكيم سياسات النفوذ السورية والايرانية، ومشاركة الصناديق الانتهازية الخليجية والايرانية والاوليغارشية المحلية التي هندست سياسة الديون العامة على قاعدة الاكتتابات بسندات الخزينة المبنية على فوائد ربوية متحركة، ومخالفات قانونية ودستورية صريحة. لقد عمدت الائتلافات الاوليغارشية الى إقصاء السياسات البديلة والرديفة لجهة القروض الدولية الميسرة، وإصلاحات الحوكمة لجهة تعزيز الاستقرار السياسي، والإصلاحات القضائية والإدارية،كمدخل أساس من أجل تحفيز الديناميكيات الاستثمارية، وتنويع مرتكزات الاقتصاد وتقسيم العمل وتوسيع مروحة فرص العمل، وتركيز استراتيجيات إعادة الاعمار على قاعدة التواصل بين القطاعات التربوية والبحثية والنشاطات الاقتصادية.

إن سياسة الديون العامة التي اعتمدت كانت بأساس اختلالات بنيوية دمرت فرصة إعادة الإعمار على قواعد تداخلية من أجل رأب الاختلالات الاجتماعية والمناطقية والقطاعية وتصفية تركة النزاعات المديدة، وإعادة بناء البنيات التحتية والتجهيزية على أسس إقتصادية وايكولوجية مستدامة، وهذا ما لم نجد له أثرًا لا في السياسات العامة ولا المصرفية المسيطر عليها من قبل الاوليغارشيات السياسية-المالية. لقد أعيد الخطأ السياسي والمنهجي ذاته مع مقاربة مسألة الطاقة لجهة ربطها بالحيازات والريوع الاوليغارشية، وسياسات السيطرة الشيعية، وبمنأى عن أية رؤية انمائية تداخلية وديموقراطية، لجهة إيجاد الصندوق السيادي والهيئة الناظمة، على خط التقاطع بين المرجعيات الحكومية والمهنية والمدنية. لا بد من صياغة خطة إنقاذ تعاقدية تضع حدا لوضع اليد الاوليغارشية من أجل المباشرة بالاصلاحات المالية الهيكلية، لناحية التجاوب مع السياسات الشرطية لصندوق النقد الدولي والدول المانحة، وإعادة تنظيم القطاع المصرفي على أسس مقررات بازل الثلاث وتشذيبه، وتصفية دوره الريعي لحساب دوره الانمائي المرتكز على الترابط البنيوي بين الاقتصاد المالي والاقتصاد الفعلي المعاصر، ومتغيراته المعرفية والمعلوماتية العابرة للقطاعات. يضاف الى ذلك أولوية إعادة تعريف دور البنك المركزي في إدارة السياسات المالية، وإجراء تحقيق مالي جنائي، من أجل تحديد قطاعات النهب، وهوية المرتكبين على تدرج مسؤولياتهم السياسية والإدارية، وتنسيب المسؤوليات الجنائية، ووضع آليات المقاضاة الدولية والمحلية، والتخمين الموضوعي للخسائر وقواعد توزيعها، وتحديد سبل وآماد إعادة الاموال المسروقة، بعيدا عن نهج المماطلة والتضليل وإزاحة الشبهات الذي تعتمده الاوليغارشيات السياسية-المالية.

نحن في مرحلة لم تعد تحتمل الالتباسات السياسية المدمرة والمماطلة في إيجاد حلول وتسويات لمسائل بنيوية وأزمات حياتية قاتلة. نحن أمام سياسات إرادية تستهدف الكيان الوطني والدولتي اللبناني، كما تبلورها الأزمات المفتوحة على مدى الثلات سنوات الماضية، وما تسعى اليه من تبدلات تطال الارث السياسي التاريخي والمتكآت الانتروپولوجية والنسيج السكاني والمدني، وتطبيع التبدل الديموغرافي كما تظهره أزمة التهجير السوري واستخدامها من قبل سياسات النفوذ المتعارضة، والذخر الاجتماعي الذي بني على مدى أربعة قرون. لا بد من تسوية تاريخية تنهي واقع الالتباسات المدمرة والأزمات المفتوحة، وتضع حدا لسياسة السيطرة الشيعية وما تستحثه من صراعات نهيلية، وتحفزه من استباحات اخلاقية تظهرها أزمة نهب الاموال العامة والخاصة، والسعي الحثيث لاطفاء جريمة المرفأ الارهابية، وإسقاط مفهوم الخير العام ودولة القانون التي تجعله ممكنا وتضمنه. الانتخابات الرئاسية الراهنة لا تعدو كونها صورة عن واقع التداعي الديموقراطي، والنزاعات الهمجية المشرعة، والتسيب الاخلاقي الذي يوصف أداء الاوليغارشيات، ونسخة عن رؤية ونهج الفاشيات الشيعية، وما يلازمها من عنف معنوي وتزوير للعقد الاجتماعي في الديموقراطية.