د. نبيل خليفه: حول الرئيس الجديد للجمهوريّة اللبنانيّة… من ينتخب من؟

32

حول الرئيس الجديد للجمهوريّة اللبنانيّة… من ينتخب من؟
د. نبيل خليفه/نداء الوطن/27 تشرين الأول/2022

في نهاية شهر تشرين الأول الجاري 2022 تنتهي رئاسة العماد ميشال عون وتبدأ فرصة انتخاب رئيس جديد للجمهوريّة. هناك العديد من الاجراءات القانونيّة الدستوريّة التي ترسم ملامح هذه المرحلة من تاريخ الجمهوريّة. ولقد شرع المسؤلوون الرّسميّون وفي مقدّمهم رئيس المجلس النيابي، الرئيس نبيه بري في اتخاذ القرارات المتعلقة بموضوع انتقال السلطة بالدعوة الى اجراء انتخابات رئاسية. على أن انعقاد هذه الجلسات لم يؤدِ حتى الآن الى انتخاب رئيس جديد بسبب المواقف المتصلبة لأفرقاء النزاع والصراع داخل التركيبة اللبنانيّة. ومع احترامنا، التام لكل ما يوصف ويقال حول هذا الموضوع، وحول افرقاء النزاع فيه، فإنّنا نجد من الواجب العلمي والوطني والاخلاقي إلقاء بعض الأضواء على هذا الموضوع من منظور علمي صرف، بعيداً عن العواطف الخادعة، ولعلّ السؤال الذي يختصر معظم الأسئلة التي تطرح حول موضوع الرئاسة هو: من ينتخب من؟… ولماذا؟

القوى الأساسية الستّ
1 – تتألّف التركيبة الجيو- سياسية للبنان حالياً من ست قوى:
أ‌) القوى السيادية وفيها حركة 14 آذار وهي تشدّد على استقلال لبنان وسيادته وفيها «القوات اللبنانيّة»، حزب «الكتائب» وحزب «الوطنيين الأحرار» وكافة القوى والحركات السيادية وفي مقدمها «الحزب التقدمي الاشتراكي».

ب‌) القوى الممانعة وفيها حركة 8 آذار وهي تشدّد على دور المقاومة في المعادلة اللبنانية وفيها «حزب الله» وحركة «أمل» ومن يتحالف معهما مثل «التيار الوطني الحر». وهذه القوى تدين بالولاء لنظام ولاية الفقيه في ايران وللنظام القائم في سوريا.

ج‌) القوى الملتزمة بدورها الوطني والأمني في الدفاع عن سيادة لبنان واستقلاله وتمثلها قيادة الجيش وقدرته الموضوعة في خدمة الأمن الوطني.

د‌) القوى الرافضة التي تمثلها «حركة 17 تشرين» في رفضها للأمر الواقع ودعوتها الى قيام لبنان جديد، واسقاط كافة القوى التي شكّلت دعامة وأسس لبنان القديم ومن هنا شعارها «كلن يعني كلّن»، بمعنى أنهم كلّهم فاسدون وينبغي اسقاطهم جميعاً.

ه‌) قوى الانتشار اللبناني في مختلف أصقاع العالم وهي قوى لها دورها وتأثيرها في مصير لبنان: دولةً وشعباً.

و‌) القوى المستقلة التي تمثل فكراً لبنانياً مستقلاً من دون أن تكون ملحقة أو تابعة لأيّ جهة سياسية معيّنة.

2 – إنّ الصراع على رئاسة الجمهورية مطروح بين هذه القوى الست من دون إهمال عامل سابع هو التدخّل الأجنبي في هذا الاستحقاق. ذلك ان لبنان بلد ذو دور وأهميّة استراتيجيّة، الأمر الذي دفع رئيس حكومة ايطاليا الى القول: «إنّ لبنان هو مستجمع استراتيجيّات العالم».

3 – إنّه لأمر طبيعي أن يكون الصراع الأكبر في اختيار رئيس الجمهورية واقعاً بين السياديين من جانب، وجماعة «حزب الله» وأنصاره من جانب آخر. وهو ما يحصل الآن بحيث اختار السياديون النائب ميشال معوض مرشحاً للرئاسة، في حين يصوّت الآخرون بأوراق بيضاء إذ لم يتفقوا على مرشح لهم للرئاسة، فيما تتوزّع أوراق التغييريين وبعض جماعة أهل السنّة على شعارات وأشخاص تختلف اسماؤهم بين جلسة وأخرى ومن سليم إدّه الى عصام خليفه.

4 – بالعودة الى نتائج الانتخابات النيابية الأخيرة في لبنان، يمكن القول إنّ قوى التغيير تشكّل بيضة القبّان بين السياديين والآخرين. ولكنها حتى الآن لم تستخدم قدرتها تلك، بل هي تأمل في أن تتجاوز الاثنين معاً وهو هدف مستحيل وانتحاري! إنّ منطق العمل السياسي يقضي بالوقوف إلى جانب جهة لإزاحة الجهة المقابلة الأكثر ضرراً وفساداً في حياة الوطن، ومن ثم السعي للحصول على كل شيء إذا أمكن! ولكن يبدو أنّ «جماعة تشرين» يتعاطون بالسياسة وكأنّها مجرّد ممارسة خياليّة لا علاقة لها بالواقع. من هنا تردّدهم وتفرّدهم وانقسامهم الى مجموعات أو حتى إلى أفراد، بحيث يضعف تأثيرهم بل يتلاشى في صياغة المصير الوطني اللبناني في هذه المرحلة من التاريخ، وذلك بفعل التردد والتنوع في الخيارات السياسية وتحديداً في اختيار الاسم المناسب لرئاسة جمهورية لبنان.

التصويت لعصام خليفة
5 – ماذا يعني لنا اختيار اسم أخي دكتور عصام خليفه من قبل مجموعة «العشرة» من «تغييريين» والسيد أسامة سعد، مرشحاً لرئاسة الجمهورية في الدورة الرابعة لانعقاد مجلس النواب وحصوله على عشرة أصوات؟

إنّ هذا التصويت، بمعناه الحقيقي والرمزي هو فخر ومسؤولية لأخي عصام وللعائلة وللعلم والوطنيّة والجرأة في آن. باختيارهم عصام خليفه مرشحاً لرئاسة الجمهوريّة تكون كتلة «العشرة» قد خرجت من اطار العائلات السياسية، أبناءً أحفاداً، مع كل التقدير والاحترام لهم جميعاً، خرجت الى إطار آخر هو إطار الشخصيات الأكاديميّة البارزة وخاصة تلك الملتزمة بمصير الوطن كياناً وسيادة والعاملة لأجله بصبر وجرأة واستمراريّة! فعصام خليفه يمثّل تاريخاً نضالياً حافلاً بالعمل النقابي والوطني من «حركة الوعي» الى «الحركة الثقافية» في انطلياس الى الجامعة اللبنانية، الى موضوع الحدود البحرية في شرحها العلمي بجرأة بلغت حدود التحدّي للخائنين والمتراجعين بين أهل السلطة!

6 – لكن، في مثل هذا الوضع البائس الذي نعيش فيه يجدر بكل منا، أفراداً وجماعات، أن نعمل لاحداث تغيير جذري في التركيبة السياسية اللبنانية فلا نبقى أسرى منظمومتي السلاح والفساد. هذا يفرض التخلي عن المصالح الفئوية ومعانقة المصلحة العامة، بالاجتماع حول شخصيّة واحدة معروفة ومشهورة بلبنانيّتها وأصالتها والتزامها التام بالقانون والدستور ووثيقة الوفاق الوطني، ودفاعها عن صيغة الحياة المشتركة المسيحية – الاسلامية ليس كمثل هذه المرحلة التي نمرّ بها ما يكشف حقيقة النوايا والنفسيات والقيّم لدى كافة المتواجدين على الأرض اللبنانية من قوى عادية وتغييرية على حدّ سواء!
… نحن أمام واحد من أصعب وأقسى الامتحانات التي يتعرّض لها الشعب اللبناني بأن يتخلى عن المصالح الضيّقة ليحصل على المصالح الكبرى فينقذ بلده وشعبه! ليكن لدينا الوعي الكافي لاتخاذ خياراتنا التاريخيّة فنقفل طريق جهنَّم… ونفتح كوّة باتجاه السماء!

(*) باحث في الفكر الجيوسياسي