الكاتب والمخرج يوسف ي. الخوري: مارونيّات… فعلًا الموارنة لا ينتظمون، لكنّهم أيضًا لا ينكسرون، فراجعوا تاريخهم

224

مارونيّات… فعلًا الموارنة لا ينتظمون، لكنّهم أيضًا لا ينكسرون، فراجعوا تاريخهم.

الكاتب والمخرج يوسف ي. الخوري/نقلاً عن موقع الكلمة اونلاين/26 تشرين الأول/2022

تكثر أخيرًا ظواهر الانحطاط داخل المجتمع اللبناني، أمّا أكثرها تعبيرًا، فهو توصيف المشاكل والأزمات في غير مكانها، كحين يتلهّى المعنيون، وغير المعنيين، بما إذا كان يحقّ لحكومة مستقيلة أنّ تتسلّم مهام رئيس الجمهورية المنتهية ولايته، ويغيب عنهم أنّ الدستور لا يلحظ إطلاقًا إمكانية عدم انتخاب رئيس جديد! أو كحين تتفاقم النقاشات عبر وسائل التواصل والميديا بين قائل “إنّ العهد فَشِلَ”، وآخر يدّعي “فَشَّلوه”!!! بالله عليكم ما الفرق بين النظريتين!؟ أَوَليسَ ادّعاء التفشيل إقرارًا بالفشل؟ أَم يُصبح العهد ناجحًا لأنّ آخرين هم الذين فَشَّلوه؟ في كلتَي الحالتين فَشِل العهد، فلا داعي ” لِلـشريعَه اللي بْلا طعمي”.
إحداهُن، من بين المصنّفات مذيعات برامج، استشاطت بالأمس، ولساعة تلفزيونيّة كاملة، في تعداد وعود العهد التي لم تُطبّق، من دون أن تقدّم لنا معلومة واحدة لا نعرفها، فما الداعي إذًا لإطلاق النار على حصان ميّت!؟ لقد فاتَ السيّدة المذيعة، أنّ ما تتّهم به الرئيس عون مِن تقاعس في إنجاز وعوده، ينطبق على كلّ سياسيي وأحزاب المنظومة “الكليبتوقراطيّة”، كما أنّه فاتها أنّ لبنان ممسوك من سلطة عميقة قوامها تحالف حزب الله محتلّ آليّة صنع القرار، ورياض سلامة مهندس السرقات بالتكافل والتضامن مع عصابة البنوك، والتجّار الجشعين.

وفي زمن الانحطاط والاحتلال تُفتَقَد السيادة وتُهان كرامة الأوطان. ففي آخر محاولة لانتخاب رئيس للجمهورية أوّل من أمس، وبعد أن حدّد رئيس المجلس النيابي نبيه برّي موعد الجلسة الجديدة لانتخاب رئيس للجمهوريّة يوم الخميس 27 تشرين الأوّل الحالي، همس في أذنه نائبه الياس بو صعب “ما فيك تعيّن جلسِه يوم الخميس لأن جايي عاموس هوكستين وعندك موعد معُه”، فما لبث دولته أن أجّل جلسة انتخاب الرئيس!

يا للعار وللسلوك المشين!!!
114 (مائة وأربعة عشر) نائبًا كانوا حاضرين في الجلسة ولم يعترض واحد من بينهم على هذه الإهانة بحقّ لبنان واللبنانيين! لَعَمري، البورونديون والجيبوتيون، على ضعفهم وعَوَزهم، لا يقبلون على أنفسهم هكذا تصرّف. حتّى سوريا، “شقيقتنا”، لم تستقبل وفدًا رسميًّا لبنانيًّا نظرًا لانشغالها بارتباطات سابقة، فكيف لو كانت مرتبطة بجلسة لتجديد البيعة للرئيس بشّار؟

12 (اثنا عشر) نائبًا، غير ماروني، ومِمّن لفظتهم ثورة 17 تشرين الأوّل، يعتقدون أنّ ساحة النجمة هي “جنينة الصنايع”، يلعبون في أروقة برلمانها في استحقاق المركز المسيحي الأوّل في الدولة، يتخاصمون، يمرحون، ثمّ ينتشون وإلى بيوتهم يعودون. أطلّ علينا أحدهم في آخر جلسة انتخاب ليُبشّرنا بأنّهم سيعملون “بَئوسي” للشعب بتصويتهم لِـماروني في جيبتهم، فاختاروا للتسلية الدكتور عصام خليفة الذي كنّا قد سمعناه أكثر من مرّة مصرّحًا بأنّ رئاسة الجمهوريّة لا تهمّه، ليعود ويترشّح إلى الرئاسة عبر وسائل التواصل، بعدما حاز على أصوات عشرة نوّاب من هؤلاء المعتقدين أنّ ساحة النجمة هي “جنينة الصنايع”، وأن شفّة قهوة مع “شويّة” هرولة وهزّ بـِ “الاسبادريّ” الأبيض على كورنيش المنارة، تصنعان الرئيس الماروني.

“روحوا لعبوا قدّام بيوتكن” أيّها الخاسئون من فلول اليسار، المركز الماروني الأوّل ليس للتسلية، فلو كنتم جديين لَما أهنتم الدكتور عصام خليفة بمهزلاتكم، كما أهنتم قبله الأستاذ سليم إدّه، ولا عملتم لنا “بَئوسي”، بل كنتم حملتم اسم مرشّحكم وجهدتم لجمع الأصوات له من خارج حديقتكم. بكلّ الأحوال، انتحال صفة نائب لا تخوّل أمثالكم التقرير في الشأن الماروني والمسيحي، خصوصًا أنّكم لم تتحرّروا بعد من لَوثَة “القضيّة الفلسطينيّة” ومن تعريب الرئيس الماروني.

وكما أنّ هناك أحلامًا “يوتوبيّة” داخل “جنينة الصنايع”، هناك أيضًا مَن يحلم خارجها بإعادة تجربتي “قرنة شهوان” و”14 آذار” اللتين بنتيجة اخفاقاتهما تمكّن حزب الله من السيطرة على القرار اللبناني. تحت عنوان “العبور إلى الجمهوريّة الثالثة” عقد أمس الحالمون بإعادة الزمن إلى الوراء، مؤتمرًا خلصوا خلاله إلى 11 (إحدى عشرة) نقطة لا نُنكر أنّ 9 (تسعًا) منها هي سياديّة بامتياز وتُشير بوضوح إلى الاحتلال الإيراني بواسطة حزب الله، وإلى آليات التخلّص منه، لكن في الخلاصة أطاحت النقطتان الأولى والأخيرة بكلّ سطل الحليب:
الأولى؛ تمسّكت بقوّة بالدستور واتّفاق الطائف اللذين هما الأساس في وقوع لبنان تحت الاحتلالات المتتالية منذ العام 1990!
والثانية؛ حدّدت المؤسّسات الدستورية منطلقًا للعبور إلى الجمهوريّة الثالثة المرجوّة!
كيف نعبر إلى جمهوريّة جديدة من دون تغيير الدستور!؟ وكأنّ هذا الدستور ضَمَن استتباب الأمن للبلاد، ولبِسنا في ظلّه أبهى حلَل السيادة والازدهار والنموّ في الثلاثين سنة المنصرمة!

وكيف نواجه احتلالًا عسكريًّا، مُرضى عنه من أمريكا وسوريا وأوروبا وحتّى إسرائيل، من خلال المؤسّسات الدستورية التي تقع تحت سيطرته!؟
الشباب وطنيّون، ونواياهم صادقة، لكنّ الطروحات “اليوتوبيّة” في زمن الانحطاط والاحتلال تتحوّل إلى طروحات ديماغوجيّة فاشلة.

وهناك أيضًا مَن يتسلّى بالإصرار على أنّ عدد النواب “السياديين”، والنوّاب المستقلّين “المحرَّرين من سطوة حزب الله”، هو 67 (سبعة وستّون)، وإذا توحّدوا يستطيعون أن يصلوا إلى سدّة الرئاسة بماروني “سيادي”. يا شباب، ويا أستاذ ميشال معوّض يالأخصّ، دعوكم من الأحلام “اليوتوبيّة”، فمَن لم يتّفقوا قبل الانتخابات النيابيّة لن يتّفقوا بعدها. ويا سيّد ميشال، أُخرُج من لعبة الاستهزاء بالموارنة، وأنا وغيري كُثُر نثمّن ترشّحك العلني على عكس الذين ينتظرون ويتوسّلون مِمَن “بدّهن منُّو وِتفُو عليه”، لكن لا يكفي للرئاسة أن تكون ابن الشهيد رينيه معوّض، وسليل الحركة الشهابيّة التي عليها أكثر من علامة استفهام. اليوم، في زمن الانحطاط، لم يحن وقتك على ما يبدو، فاحفظ مقامك وابتعد عن الإهانة.

الموارنة ليسوا جنسًا عاطلًا، لا بل، وهذا أصوب، هم أسوأ الأجناس العاطلة، ومع ذلك فلّا يُراهنَّ أحد على الشروخ والانقسامات في صفوفهم، كما راهن وئام وهّاب في إثر لقائه الأخير مع غبطة البطريرك الراعي، فهم فعلًا لا ينتظمون، لكنّهم أيضًا لا ينكسرون، فراجعوا تاريخهم.

وليست اتّفاقيّة الطائف والمؤسّسات الدستوريّة المهترئة هي المدخل إلى إنقاذ لبنان، بل إعادة إحياء نهج وفكر وروحيّة الجبهة اللبنانيّة، وتدمير المنظومة “الكليبتوقراطية” القائمة، ومحاربة حزب الله بسلاحه، ومحاسبته.

غير ذلك سنبقى سلعة للمتاجرة بها على مائدة الصفقات الدوليّة والإقليمية. ونستوحي في الختام من عبارة كاتو الكبير “يجب تدمير قرطاجة”، لنقول باللاتيني:Systema Kleptocraticum delendum est
أي ما معناه: يجب تدمير منظومة الكليبتوقراطيين.