نديم قطيش/اتّفاق الترسيم: الجنازة حامية…هو اتفاق وسيمضي، وسيكون طيّ النسيان ما لم يكن قد صار كذلك، قبل أن تكتمل التواقيع على أوراقه

53

اتّفاق الترسيم: الجنازة حامية …. هو اتفاق وسيمضي، وسيكون طيّ النسيان ما لم يكن قد صار كذلك، قبل أن تكتمل التواقيع على أوراقه.

نديم قطيش/أساس ميديا/الإثنين 24 تشرين الأول 2022

حسناً فعل آموس هوكستين، عرّاب التفاوض على ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل، حين قلّص عائدات حقل قانا اللبناني، إلى حدود المساهمة في تأمين الكهرباء.. شتّان بين هذه الحدود وتلك التي روّج لها زعيم ميليشيا حزب الله حسن نصرالله واصفاً الثروة الغازيّة المتوقّعة “بكنز تفوق قيمته الـ 500 مليار دولار”.. لقد انقسم الموقف اللبناني والأميركي حول قراءة معاني الترسيم بين قطبين متباعدين يرى الأوّل، وهو أميركي إسرائيلي بشكل رئيسي، أنّ الترسيم اتفاق تاريخي مؤذٍ لإيران ولحزب الله، ويقفل الجبهة مع إسرائيل، المقفلة أصلاً منذ نحو ربع قرن، فيما عدا الخطأ الإستراتيجي الذي ارتكبه نصرالله وأدّى إلى حرب تموز 2006. ويضيف اللبنانيون إلى هذا الرأي الأوّل، من باب النكايات السياسية، أنّه قرار ينطوي على اعتراف من حزب الله بإسرائيل، مع ما يعنيه ذلك، افتراضاً، من استنزافٍ للسردية العقائدية لحزب الله، وقدرته على المزايدة على بقيّة اللبنانيين.

أمّا الرأي الثاني، فهو رأي سوداويّ، يغلب عموماً على المجموعة السياسية المخاصمة لحزب الله، ويرى أنّ قرار الترسيم هو حصيلة صفقة إيرانية أميركية متوهّمة، جرى بموجبها تسليم لبنان لإيران وحزب الله بمثل ما سلّمت واشنطن أفغانستان لحركة طالبان. ساهم في تعزيز هذه القراءة الكابوسيّة أنّ تطورات الواقع السياسي في العراق، وما أفضت إليه من صفقة سياسية بين تحالف “دولة القانون” برئاسة رجل إيران في العراق نوري المالكي، وبين مسعود البارزاني، زعيم الحزب الديموقراطي الكردستاني، والحليف السابق لمقتدى الصدر قبل استقالة الأخير من البرلمان وإعلانه الخروج من الحياة السياسية. وليس بعيداً عن هذه الصفقة رئيس تحالف “السيادة السنّيّة”، بزعامة خميس الخنجر المتوقّع تولّيه نيابة رئاسة الجمهورية إلى جانب نوري المالكي (للرئيس العراقي نائبين).

إسرائيل رابح عمليّ كبير. وحزب الله رابح معنوي مؤقّت. وواشنطن لا يُشبع الاتفاق نهمها لإنجاز خارجي، توظّفه في الداخل

بيد أنّ الربط العراقي اللبناني، للاستنتاج أنّ صفقة أميركية إيرانية قد حصلت، ينقصه الكثير من الوقائع، التي أبرزها أنّ تطوّرات العراق حصلت في ضوء عاملين كبيرين، أوّلهما اعتزال الصدر، بعد ضغوطات إيرانية ضخمة، من بينها إنفضاض آيه الله الحائري عن الصدر ودعوته مقلّديه إلى اتباع المرشد علي خامنئي، وثانيهما، القصف الايراني المهول لكردستان وبدايات التحشيد الميداني لقوات الحرس الثوري على الحدود الايرانية الكردية. أي أنّ التحوّلات العراقية هي حصيلة شبه انقلاب عسكري وفقهي وسياسي، قادته إيران، وتموضع بإزاء نتائجه الجميع، بمن فيهم البارزاني والقوى السنّيّة التي كانت ضمن التحالف مع الصدر! حقيقة الأمر أن لا اتفاق الترسيم يشكّل نقطة تحوّل في فهم وتصوّر حزب الله لطبيعة الصراع الذي يتبنّاه مع إسرائيل وأميركا، ولا هو هزيمة نكراء للوطنيّين اللبنانيين أو تسليم للبلاد إلى إيران بتوقيع أميركي.

ولعلها من المفارقات أن تتزامن “همروجة” الحديث عن صفقات أميركية إيرانية مع الذكرى الـ 39 لتفجير مقرّ القوات متعددة الجنسيات في لبنان في 23 تشرين الأول 1983، والذي ذهب ضحيته 241 أمريكيّاً من قوات المارينز و 58 عسكرياً فرنسياً وستة مدنيين. فحتى لو توفّر في إيران عقلاء يريدون فتح صفحة جديدة مع أميركا، فهم في الصفوف الخلفية للمشهد السياسي الايراني الذي يتقدّمه رعاة تفجير المارينز وعرابو المشروع الذي يرى في الصراع مع أميركا سبباً للوجود السياسي والعقائدي ولشرعية النظام ومؤسساته، فعن أي صفقات يتحدث من يتحدث!

إذا صحّت التقديرات الإسرائيلية لحجم حقل قانا، بأنّه لا يتجاوز 3 مليارات دولار، منها 17% لإسرائيل، وهي صحيحة على الأرجح، تكون إسرائيل هي الرابح الأكبر من الصفقة، حيث إنّها دفعت من حساب اتفاق الترسيم، “ديّة” التنقيب والاستخراج من حقل كاريش، وفتحت أمام نفسها فرصة تكبير العائدات نتيجة ازدهار سوق الغاز في العالم اليوم.

أمّا حزب الله، والذي يبالغ اللبنانيون كثيراً في تقدير معارفه وعلومه، وينسبون إليه باستسهال مخيف، عبقريّة استراتيجية تطال كلّ الملفّات، فلن يناله من هذا الاتفاق إلا بعض المكتسبات المعنوية التي لن تعمّر طويلاً. فأوّلاً من الواضح أنّ حزب الله بنى خياراته على أساس وجود ثروة خرافية من الغاز، قبالة السواحل الجنوبية للبنان، وهو ما لا دليل عليه حتى الآن. ولنا في ما حصل في الحقل رقم 4 أسوة، بعد أن فشل تحالف “توتال” الفرنسية و”إيني” الإيطالية، و”نوفاتيك” الروسية في العثور على كميّات تجارية تتناسب مع حجم الاستثمارات الضخمة التي تطلبها جهود التنقيب والاستخراج وبناء شبكة النقل والتوريد.

سينجح حزب الله مرحليّاً، ولوقت لن يطول، في خلق سردية تفيد بأنّ سلاحه، الذي اتُّهم بأنّه المسؤول عن خراب الاقتصاد اللبناني، هو في الواقع سند الاقتصاد ورافعته، من باب تحصيل وتحصين الحقوق اللبنانية. وسيعيد الحزب تأسيس خطاب مقاوماتي يعطي مبرّراً للسلاح، في الوقت الذي سيتّهم فيه “الدولة الضعيفة والمهترئة والمُدارة بمنطق الفساد والمحاصصة” بأنّها هي المسؤولة عن تضييع “النصر الذي حقّقه عبر الترسيم، حين يتبيّن أنّ عائدات هذا “النصر” لا تتناسب مع حجم الدعاية السياسية التي رافقته.

أمّا الذين يراهنون على إحراج حزب الله بأنّ رعايته وموافقته على قرار الترسيم، تنطوي على اعتراف محرج من قبله بدولة إسرائيل، فسيخيب ظنّهم، لأنّهم لا يعرفون كيف يفكّر حزب الله ولا يقدرون حجم المرونة التي يتمتّع بها “لتركيب أذن الجرّة” حيث تناسبه.

ولعلّ مثال “حماس” يفيد في تقريب الفهم أكثر. فحماس تترأس حكومة فلسطينية، هي من ثمار اتفاق أوسلو، الذي يعلن جهاراً نهاراً الاعتراف بإسرائيل وبحدودها وبحقّها في الوجود في مقابل دولة فلسطينية لا تزال قيد الولادة من الخاصرة!!

“حماس” الدولتيّة إذن، هي منتج موضوعي من منتجات الاعتراف بإسرائيل، ومع ذلك فالحركة لا تعترف بإسرائيل إلا مواربة ومن باب قبولها الغائم والملغوم بحدود العام 1967، مع احتفاظها بكامل ترسانة الخطاب العقائدي المنادي بالسيادة على كامل التراب الفلسطيني. ولئن كان اتفاق الترسيم أدنى بكثير من إنبثاق حكومة “حماس” عن مسار أوسلو، سيسهل على حزب الله إدارة ما بعد الترسيم بمثل ما سهُل على حماس الرقص بين أوسلو وتحرير فلسطين من النهر إلى البحر.

أمّا المبالغات الاميركية واستسهال إطلاق صفة التاريخي على اتفاق حدودي بين لبنان وإسرائيل، فتستدرج السؤال عمّا سنصف به اتفاق السلام بين البلدين حين يحين موعد السلام بينهما، إن حان!

بطبيعة الحال حصدت واشنطن نجاحاً ديبلوماسياً خارجياً، يمكنها من خلاله الادّعاء أنّها وخلافاً للرئيس السابق دونالد ترامب الذي وصل إلى تطبيع العلاقات بين غير المتحاربين، عبر الاتفاق الإبراهيمي، فهي تزرع بذور التطبيع بين متحاربين، وتضمن أمن إسرائيل من ألدّ خصومها. ولعلّها أيضاً، عبر اتفاق الترسيم، تفيد في تغليب تحالف لابيد-بينيت على عودة بنيامين نتانياهو أو نجاح اليمين المتطرف، وما قد يعنيه ذلك من مزيد من التعقيد والتوتر في الشرق الأوسط يضاف إلى التوتّر الحاصل في العالم!

إسرائيل رابح عمليّ كبير. وحزب الله رابح معنوي مؤقّت. وواشنطن لا يُشبع الاتفاق نهمها لإنجاز خارجي، توظّفه في الداخل بعد ان اصبحت السياسة الخارجية الأميركية جزءاً من عدّة شغل الصراعات الداخلية.. أمّا إيران، فهمها في شعر بناتها ونسائها اللواتي بتنا أخطر ما يهدد سلامة ومستقبل نظام ولاية الفقيه.

هو اتفاق وسيمضي، وسيكون طيّ النسيان ما لم يكن قد صار كذلك، قبل أن تكتمل التواقيع على أوراقه.