توفيق شومان: لو يقرأ السياسيون الفاشلون كيف كان لبنان

42

لو يقرأ السياسيون الفاشلون كيف كان لبنان
توفيق شومان/فايسبوك/24 تشرين الأول/2022

أغلب السياسيين اللبنانيين الحاليين ، يريدون أن يقنعوا الأجيال الجديدة ، بأن لبنان لم يكن دولة ولذلك انهار. أولئك السياسيون يبررون حالة الإنهيار العام التي يعيشها اللبنانيون بالقول: إن لبنان يدفع الآن ثمن مئة سنة من العطل والفشل .

أولئك السياسيون يبررون فشلهم برمي الفشل على الماضي ، وعلى من سبقهم ، وفي الوقت نفسه لا يقدمون رؤية الحد الأدنى لبناء الدولة ولا تصور الحد الأدنى لإنقاذ الناس من مجاعة تطرق الأبواب والأمعاء .

يبررون فشلهم بلعن الماضي إما يجهلون ماضي لبنان وإما يتجاهلونه
ما أسهل تبرير الفشل بلعن الماضي، لكن هل كان الماضي لعينا؟

ماعدا قلة قليلة من السياسيين اللبنانيين الحاليين، يمكن الذهاب مع أكثرهم إلى تحدي شخصي ومساءلتهم: ماذا يعرفون عن لبنان ما قبل 1975؟ ماذا قرأوا عنه؟ عن اقتصاده؟ عن موقعه العلمي ـ الأدبي ـ الإعلامي ـ الثقافي ـ الفني ـ الرياضي؟.

البداية من الرياضة:
حتى يأتي اسطورة كرة القدم العالمية، البرازيلي بيليه، إلى بيروت في عام 1975، ويرتدي قميص نادي “النجمة” الرياضي ويؤدي مع لاعبي النادي مباراة استعراضية، فلكم أيها السياسيون الفاشلون أن تتخيلوا موقع لبنان آنذاك في العالم شرقا وغربا.

وحين ينتصر نادي “النجمة “على نادي “آرارات” بطل الإتحاد السوفياتي (واحد مقابل لا شيء) في عام 1974 ، فللسياسيين الفاشلين، أن يتصوروا أي شوط قطعته الرياضة اللبنانية حينذاك، وإلى أي نقطة كان يمكن أن تصل، ولأن يكسر العداء قاسم حمزة رقما قياسيا في أولمبياد ميونيخ عام 1972 ويحصل محمد خير الطرابلسي على ميدالية فضية برفع الأثقال في الأولمبياد نفسه، فللسياسيين الجاهلين او المتجاهلين ان يفتحوا خيالهم الواسع ويتخيلوا أين كان لبنان رياضيا وأين أصبح في زمانهم.

إلى هوليود وبوليود:
حتى العام 1975، شكلت بيروت مع أربع مدن عالمية كبرى هي نيويورك وباريس ولندن وبون، صالة اختبار لنجاح أي فيلم تنتجه هوليود عاصمة السينما العالمية. ومن هوليود في الغرب، إلى بوليود في الشرق، لا شك، أن أكثر سياسيي هذا الزمان، لا يعرفون أن بيروت شكلت في آوائل السبعينيات من القرن الماضي مركز اختبار وانطلاق موجة الأفلام الشرقية، فمن بيروت ومن سينما “ريفولي” بالذات عرف العالم أفلام ألعاب “الكاراتيه” وتعرف من خلالها على أبطال هذه الأفلام، وانغ يو ـ و ـ بروس لي، ومن صالتي “ريفولي” و”بيغال” انطلقت الأفلام الهندية نحو جهات العالم قاطبة، وعلى الأرجح يتساءل أغلب سياسيي هذه الأيام: هل بالفعل كانت بيروت على هذه الصورة ؟.
هم لا يقرأون ولا يريدون القراءة، هم لا يعرفون ولا يريدون المعرفة.

من الصورة إلى الكلمة: يقول الكاتب الصحافي الأكثر شهرة في العالم العربي محمد حسنين هيكل في كتب عدة له، من بينها “عبد الناصر والعالم” و”بين الصحافة والسياسة” : إن الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر، كان ينتظر كل يوم في العاشرة والنصف صباحا، صحف بيروت، وكان يحفظ أسماء الصحافيين والمعلقين، حتى إذا التقى واحدا منهم، كان يناقشه في مقال أو تعليق كتبه قبل أسابيع وأشهر وربما أكثر. وفي كتابه “حوارات مع السادات” يقول الكاتب الصحفي المصري أحمد بهاء الدين، نظير هيكل في الأهمية وأحد خلفائه في رئاسة تحرير صحيفة “الأهرام” ورئيس التحرير الأسبق لمجلة “العربي” الكويتية الرائدة: “بدت الدهشة على وجهي حين قال لي الرئيس أنور السادات إنه لم يقرأ صحيفة لبنانية واحدة منذ ستة أشهر، فالصحافة اللبنانية كانت أحرزت لنفسها مكانا مرموقا ومؤثرا في العالم العربي” . ومع ذلك يقول أحمد بهاء الدين إن الرئيس السادات طلب منه إصدار مجلة مصرية أسبوعية شبيهة بمجلة “الحوادث” اللبنانية التي كانت تشد العيون والعقول إلى قراءتها في مجمل الأقطار العربية. ماذا يعرف أغلب السياسيين الحاليين عن ذاك الوجه المضيء للصحافة اللبنانية؟ عن تاريخها؟ عن دورها ؟ عن تأثيرها في تشكيل الوعي العربي العام، ثقافة وسياسة من أعلى رأس الهرم قادة وصناع قرار إلى قاعدة الهرم شعوبا وجمهورا وقراء؟.

ماذا عن الإقتصاد المنكوب؟
ماذا عن نكبة الليرة؟
بين الأعوام 1961 و1974 تراوح سعر الدولار الأميركي الواحد بين ثلاث ليرات لبنانية و22 قرشا وبين ثلاث ليرات و92 قرشا، فيما تجاوز سعر صرف الدولار عام 2022 أربعين ألف ليرة (دعك من الهبوط الوهمي لسعر الدولار قبل مغادرة العماد ميشال عون القصر الجمهوري بأسبوع )، وتنبىء المؤشرات إلى أن الآتي أعظم، حيث لا سقف لإرتفاع الدولار ولا قاع لهبوط الليرة. هل أجرى السياسيون الحاليون مقارنة بين ما كانت عليه الليرة اللبنانية وما صارت عليه؟ طبعا، سيقول بعضهم وفقا للمنطق الممجوج إن لبنان اعتاش على أزمات المنطقة، وهذا المنطق العاري، لا يعرف أن الإقتصاد اللبناني راح يتمأسس منذ ثلاثينيات القرن التاسع عشر، وطنيا وذاتيا، وليس امتدادا خدماتيا لإقتصادات الدول الكبرى كما جرت الحال مع أصول الرساميل والإقتصادات العربية الأخرى، مثلما يقول فيليب مانسيل في كتابه ” ثلاث مدن مشرقية” الصادر عن سلسلة “عالم المعرفة” في الكويت، ولذلك حين هاجرت أجزاء من الأموال العربية إلى لبنان بعد حقبة التأميم الإشتراكية الخاطئة في بعض الأقطار العربية، وجدت بيئة مؤاتية في لبنان على الشكل الآتي: رأسمال مكتمل وإقتصاد متحفز واستثمار منتج.

وفي ظل هذه البيئة الجاذبة والجذابة، تحول لبنان إلى أكثر دول المنطقة تصنيعا مثلما أوردت مجلة “الرائد العربي” في عددها الصادر في شباط/فبراير 1961، وإلى حدود راح معها الخبراء يبحثون في إمكانية أن تتحول الليرة اللبنانية إلى عملة إقليمية، يتم تداولها في دول المشرق العربي كافة.
وعلى ذلك ، شهد لبنان في مرحلة الستينيات نموا كان يتجاوز الستة في المائة أحيانا، ولم يتعد مؤشر التضخم واحدا ونصف في المائة، وبقي العجز في الموازنة مقبولا بصورة عامة، حيث لم يتجاوز2،3 ، بينما اقترب فائض الخزينة من 14 مليار ليرة لبنانية إلا قليلا.

في دراسة بعنوان “تشجيع إنهاء الفقر وتعزيز الرخاء المشترك” صادرة عن البنك الدولي عام 2015 ، جاء: ” بين الأعوام 1961 و1974 ، أي إلى ما قبل الحرب المشؤومة بسنة واحدة، انخفضت نسبة الفقر في لبنان من 50 في المائة إلى 22 في المائة”.

يا للعجب: في عام 1974 نجح السياسيون اللبنانيون الراحلون في خفض نسبة الفقر بنسبة قياسية، ومنذ عام 2019 “أفلح” السياسيون اللبنانيون الحاليون في رفع نسبة الفقر وبزمن قياسي لتشمل أكثر من 55 في المائة من اللبنانيين.

يا للعجب مرة ثانية:
في عام 1974 كانت الخزينة اللبنانية فائضة، ومنذ عام 2019 أصبحت الخزينة اللبنانية خاوية.

يا للعجب مرة ثالثة:
في الستينيات والسبعينيات، كان يجري النقاش حول احتمال تحويل الليرة اللبنانية إلى عملة إقليمية وفوق وطنية، كانت الليرة فخرا، ومنذ عام 2019 صارت الليرة قهرا.

يا للعجب مرة رابعة:
لماذا يقال: إن السياسيين الراحلين فاشلون؟!
وماذا يقال عن غالبية أهل السياسة الحاليين؟!
هل من عجب ومن علامات تعجب بعد ؟.
دعاء: اللهم … اجعل أهل السياسة يقرأون.