أكاديمية بشير بشير الجميل/فيديو وتقرير عن مجزرة بلدة العيشية/هجروا العيشية وقتلوا أبناءها فتحررت فلسطين؟؟؟ إنها قصة أصحاب أرض قرروا الموت على الاستسلام …وبطولات حفنة من الشباب لا تنسى مهما مرت الأيام

103

هجروا العيشية وقتلوا أبناءها فتحررت فلسطين؟؟؟
أكاديمية بشير بشير الجميل/23 تشرين الأول/2022

اضغط هنا لمشاهدة فيديو تقرير عن مجزرة بلدة العيشية

إنها قصة أصحاب أرض قرروا الموت على الاستسلام …وبطولات حفنة من الشباب لا تنسى مهما مرت الأيام …
“العيشية” همزة الوصل بين شلالات جزين وقضاءي مرجعيون والنبطية، ولكن المعزولة جغرافيًا، كانت أول من استهدف عندما وقفت سدًا منيعًا بوجه الفلسطيني لمنعه من اتخاذها مركزًا للمراقبة وللعمليات. وكانت أول من خرج بتظاهرات داعمة للجيش بعد تعرضه لاعتداء في صيدا، هي التي لم تدخلها الشرعية يومًا وتحميها. العيشية التي صنف أهلها من قبل الحركة الوطنية والفلسطينيين بالعملاء، وحلل دمهم، فقدمت 54 شهيدًا دفعوا ثمن رفض تسليم بلدتهم للغرباء والمتواطئين.
بعد عدة أحداث متفرقة وقتل لأبناء البلدة، وفجر يوم 19 تشرين الأول 1976، عند الساعة الثانية والنصف، ذعر الأهالي من أصوات المجنزرات والآليات وصراخ المعتدين فتوجهوا نحو المتاريس. هوجمت العيشية بحجة أن أهاليها عملاء لإسرائيل وببيان كاذب صادر عن الفلسطينيين يبرر المجزرة أنها ما كانت لتقع لولا “اعتداء من أهالي العيشية والقوات الانعزالية فيها على سيارة صحية تابعة للهلال الأحمر الفلسطيني تنقل الجرحى، أطلقوا النار عليها من مختلف الأسلحة واستشهد كافة أفرادها، كما قامت القوى الانعزالية بقصف القرى الوطنية”. قاوم الأهالي بالسلاح المتوافر معهم، حصارًا من 3000 عنصر ينتمون إلى منظمة التحرير و مرتزقة من صوماليين وليبيين وباكستانيين بالإضافة لأفراد من الأحزاب وأكثر من 30 دبابة أم أكس أميريكية وشربوتير ألمانية وشرمل إنكليزية وبانهارد فرنسية، ومدفعية ركزت في قلعة أرنون وجّهت نيرانها إلى بلدة آمنة بدل العدو بقصف متواصل على 24 ساعة. استبسل الأهالي بالمقاومة وصد الهجوم، دارت معارك عنيفة على كل الجبهات، وبعددهم القليل تابعوا مقاومتهم بين الصنوبر وعلى جميع مداخل البلدة.
من قصص البطولات المروية كيف تمكنت مجموعة من الشباب مطاردة مهاجمين حاولوا اختراق الجبهة فأحكموا الطوق عليهم، قتلوا أربعة وجرحوا وأسروا ثلاثة. وقصة أخرى عن الشاب الذي واجه منفردًا هجومًا من أحد المداخل لبلدته، مطلقًا الرصاص على دواليب السيارة التي تقل المعتدين وأسلحتهم فهوت في ساقية الري.
قطعوا المياه والكهرباء، سبوا النساء، قتلوا الأطفال والعجز، لم يبالوا لأحد، قرروا إبادة جماعية دون استثناء، جمعوا كل من صادفوا على الطرقات في منزل مهجور في البلدة استعدادًا للمذبحة، بينهم كاهن القرية الذي طلب من الأهالي تلاوة الصلوات لملاقاة الموت الحتمي…
وبعد نقلهم إلى الكنيسة لنحرهم، اختار كل معتدي من يريد تصفيته من الشباب فبدؤوا بسحبهم واحد تلو الاخر، وأجروا محاكمات ميدانية بحقهم متهمينهم بالعمالة والخيانة وبمساندتهم للجيش والشرعية.
توقفت المجزرة بوصول الإعلام والمطران يوسف الخوري ومعه العميد ريمون اّده الذين أخرجوا من تبقى على قيد الحياة من الأبناء.
إنها قصة البلدة التي أمتزج دماء شبابها بتراب أرضها للحفاظ على لبنان مساحة حرية …
الفيديو ادناه هو عمل: اذاعة “جزين تحكي” – 2017
اعداد وتقديم: شيرين حنّا
تصوير واخراج: جوزيف جبّور
#العيشية
#مجزرة_العيشية
#الحرب_اللبنانية
#اكاديمية_بشير_الجميل

 

العيشية يا ضيعة الحب في الوطن منسية…
فيرا بو منصف/المسيرة – العدد 1530/الاثنين 19 تشرين أول 2015
جلس ابن الخمسين يستذكر، هو ابن العيشية، في ذاك الجنوب البعيد القريب. كان يجب أن يكون شهيدا من بين شهدائها الذين قاربوا السبعين في تلك المجزرة، لكنه عاش، ليس من كرم أخلاق المهاجمين البرابرة، انما بالصدفة وبحماية تلك الكنيسة التي كان من المفروض أن تكون مقبرتهم فإذا به مع العشرات من أبناء القرية يعيشون في الكنيسة إياها قيامة جديدة… مجزرة العيشية أتذكرون؟!
ثمة كثر يريدون أن ينسوا ومن مصلحتهم أن يفعلوا، خصوصا أن الايام طوت الأيام وأن الجرائم في لبنان سجل مقفل، والمجرمون مشمولون دائما بقانون النسيان. 21 تشرين الاول 1976، خريف وطن بكامله، لم يكن آنذاك وطنا بل أوطان “ومواطنون” غرباء أكثر من أبناء البلد، كانت العيشية خاصرة مزعجة للمسلحين الفلسطينيين وأعوانهم من اللبنانيين، كانت القرية المسيحية الوحيدة في المكان وكان يجب أن يعبرها المسلحون يومذاك ليصلوا بسهولة الى قرى الجنوب كافة، لكن العيشية وقفت كقشة وسط العين، تحرقها كالمخرز، كانت أخبار الحرب تنهال من هناك وهنالك، وأخبار المسيحيين الذين يتولون أمنهم الذاتي في كل مكان، ومسيحيون يتوزعون على المتاريس في بيروت والجبل دفاعا عن وجودهم الحر وعن وطنهم، أو قل ما تبقّى من وطنهم. وقعت أخبار سقوط مخيم تل الزعتر في أيدي المقاومة اللبنانية كصاعقة على رؤوس المسلحين، وكان شباب البلدة بدأوا تنظيم دوريات حماية ليلية خصوصا عند مداخل العيشية وعلى سطوحها، بعدما كانوا يتسللون ليلا الى قرى مجاورة لشراء الاسلحة الرشاشة، عندما شعروا أن خطرا كبيرا محدقاً بهم يتهددهم في كل لحظة.
كان ثمة شعور أن انفجارا كبيرا ما سيحصل، ولكن لم يعرف أحد ترجمة هذا الاحساس الغريب الذي اجتاح أهل البلدة جميعا، الخوف من ذاك المجهول المعلوم دفع الشباب لتكثيف الدوريات، لم يبق شاب أو رجل في منزله، كلهم كانوا يتوزعون في الطرقات وبين الزواريب وعلى السطوح في انتظار الاشارة، علامة على ما سيكون، على رغم أن فاعليات الضيعة كانوا أجروا اتصالات بعدد من السياسيين والامنيين علّهم يجّنبون العيشية كأسا كان واضحا أن لا مفر منها لأن الخطة قضت بذلك، ولان المخطط الكبير كان تهجير العيشية لـ”تحريرها” من المقاومين ومن الكرامة.
كانت الرابعة فجرا، وكان الاثنين من 18 تشرين الاول، نعقت بوم في الساحة، كان تشرين والريح صفراء، فجأة سُمع طلق ناري “ضهرنا تـ نشوف شو صاير ولقينا سيارة اسعاف للهلال الاحمر الفلسطيني واقفة ع أول الضيعة ومنها عم ينزل مسلحين وبلّشوا رش بالعالم بكل الاتجاهات وعلى البيوت، هربنا تخبّينا، كنا زغار ولاد عشر سنين ورحنا مرعوبين نخبّر الأهالي شو شفنا” يقول شاهد من الضيعة.
لم ينسَ أطفال العيشية تلك اللحظات الرهيبة، لم ينسوا كيف زرع المسلحون الرعب في أوصال النساء والاطفال، لكن لن ينسوا أيضا كيف تصدى لهم الشباب والرجال، وكيف أسر الشباب الكثير من المهاجمين وبدأ القصف العنيف بالمدفعية والهواوين يغرق العيشية من كل الاتجاهات، حاصروها، دكّوها بالنار والحديد والشباب يقاومون بالأسلحة الرشاشة، ويطاردون المهاجمين في الأزقة التي لا يعرفون، الى أن تحولت الاسلحة الرشاشة لاحقا الى سلاح أبيض بعدما نفذت لديهم الذخيرة.
خاض أهل العيشية أعنف معركة وأكثرها استبسالا وشجاعة دفاعا عن الضيعة والناس وكرامتهم، وكانت النتيجة مقتل عدد كبير من المسلحين وأسر آخرين منهم، وسقط للعيشية الكثير من الجرحى فالزم طبيب أسير من بين المهاجمين بمداواتهم وبطرق جد بدائية بعدما نفذت الاسعافات الضرورية.
عبر اليوم الـول. الشباب يحرسون على جثث المهاجمين، السطوح تنعق بشر مستطير يتربّص باللحظات. حاول الشباب الاتصال بالبلدات المجاورة لتأمين الاسلحة والذخائر، لم يتمكنوا، أحكم المسلحون الحصار حول العيشية، بدا وكأن حانت اللحظة، حتى الهواء كان يبحث عن منفذ يتسلل منه الى العيشية فلم يجد.
كانت آليات المهاجمين تغزو المكان من الاتجاهات كافة، حاصروا الضيعة، صارت الساحات والبيوت في الفخ الكبير، حان وقت الانتقام المروّع ليشرب المهاجمون كأس الدماء فوق جثث الاطفال والنساء والرجال، وبدأوا دخول المنازل بيتا بيتا، شارعا شارعا، حديقة حديقة، بستانا تلو الاخر، اجتاحوا التراب والهواء والماء، أحرقوا المنازل كلها، دمروا الممتلكات ولعبت أسلحتهم في أجسادنا لعبة موت منقطعة النظير، وكلما أزهقوا روحا شربوا كأس الانتصار، الانتقام لتل الزعتر، الانتقام من شباب دافعوا عن أرضهم، لم يكتفوا، اكتشفوا أن ثمة أحياء بعد في البلدة بعدما تمكن البعض من التسلل والهرب خارجها، فجرجروهم الى كنيسة الضيعة، حوصروا في الداخل وكان عددهم يتجاوز المئتين بقليل، زنّروا الكنيسة بالبراميل المتفجرة وكانت وصلت الأوامر بالتفجير والإعدام الجماعي من دون رحمة.
“بقينا جوا محاصرين 3 أيام ناطرين لحظة التفجير، الكل عم يصلي، والكل يواسي الكل ويحاول إنو يعطي القوة للتاني” وانتظر هؤلاء نعيق بومهم، كانوا يعرفون انها مسألة ساعات ليس أكثر، وكلما سمعوا دعسات عند الباب يصلّبون على وجوهم ويبدأون بتلاوة مسبحة العذراء مريم، والعذراء مريم رفضت أن يموت أبناؤها في بيت ابنها، فقررت أن يتمثلوا بقيامته، واذ وفي اليوم الثالث يُفتح باب الكنيسة لتدخل الشمس وليخرج الجميع أحياء من موت محتم، وليعرف أهل العيشية لاحقا ان اتصالات على أعلى المستويات حصلت لتجنب البلدة مجزرة ثانية ولما خرجوا رأوا الهول، عشرات الجثث المتآكلة متناثرة في الشوارع تحوم من فوقها الحشرات والكواسر، ورائحة الموت تنعق في المكان كلّه، وامعانا في الاذلال استعان المسلحون بتراكتور زراعي وبدأوا بحمل الجثث كمن يحمل اكياس نفايات وداروا بها بشوارع العيشية على مرأى من عيون الاهالي ثم رموها باستهزاء أمام أبواب المدافن حيث دفنت بشكل جماعي وسمحوا لكاهن البلدة بالصلاة عليها.
نعق بوم العيشية، نحو سبعين شهيدا، وصارت قرية مهجورة مهجّرة، تركها ابناؤها لينعق بها الغرباء وتحولت تباعا الى مركز عسكري للمسلحين، ومن تبقى من عجائز سمح لهم بالبقاء لانهم عاجزين عن المقاومة وليس أكثر “وبعدنا ما رجعنا لان ضيعتنا بعد ما رجعتلنا متل ما لازم ويللي بيطلعوا لفوق أوقات بيروحوا يتفقدوا أرزاقهم او ما تبقى من بيوتهم، كانت العيشية أحلى ضيعة بس لا بد ما ترجع” يقول الشاهد ابن الخمسين بمرارة العالم كله، لكن الشاهد كما غالبية أهل العيشية الذين سطّروا حكاية الشرف تلك وبللوها بدمائهم كمن يغمس رغيف الخبز في خمر يسوع، صار مقاوما كالمقاومين الذين سبقوه، ومذذاك التاريخ وهو يحمل في قلبه ليس بارودة الانتقام، انما غصن الارز انتقاما من الموت بأخضر الحياة، هذه رسالة المقاومين في لبنان، هكذا صار أهل العيشية ضيعة الشهداء ساحة الكرامة بلدة النضال، يا ضيعة الحب في الوطن منسية.
*لأن الوفاء أقل ما يمكن أن نقدمه لشهدائنا، ولأن كل واحد منهم قصة بطولة وملحمة عنفوان، ينشر موقع “القوات اللبنانية” الالكتروني بالتعاون مع مجلة “المسيرة” ما عرضته في خانة “إن ننسَ فلن ننسى” من حكايات رفاق توجوا نضالهم بالاستشهاد لنبقى ويبقى الوطن.