الكولونيل شربل بركات: ترسيم الحدود البحرية والنتائج المنتظرة…نتائج الترسيم كلها مساوئ لأنها تجري بين دولة إسرائيل والجهة التي تحتل لبنان وتفرض عليه دوام الاستتباع واستمرار الحروب

358

ترسيم الحدود البحرية والنتائج المنتظرة
نتائج الترسيم كلها مساوئ لأنها تجري بين دولة إسرائيل والجهة التي تحتل لبنان وتفرض عليه دوام الاستتباع واستمرار الحروب

الكولونيل شربل بركات/19 تشرين الأول/2022

منذ اتفاقه المعلن مع اسرائيل حول حماية الحدود البرية سنة 2000 ما سمح لها بتفكيك جيش لبنان الجنوبي والانسحاب بدون عوائق تذكر، التزم حزب الله “التقية السياسية” بشكلها الفاضح؛ فهو يمنع اي اعتداء عبر الحدود الجنوبية على دولة اسرائيل، وبنفس الوقت ينادي بعدم انسحابها من اراض لبنانية (في مزارع شبعا) كذريعة لمتابعة تمسّكه بسلاحه وفرض سلطته وسياسته على الآخرين.

وقد ادعى حزب الله هذا بأنه أخرج اسرائيل بالقوة، وبأنه دفع ثمن “تحرير” الأرض من دماء الشيعة الموالين له وتحت راية الولي الفقيه، ما سمح له بالقبض على الطائفة الشيعية بكاملها ومنع الفكر النقدي فيها، وهذا يتنافى مع حرية الراي التي يكفلها الدستور اللبناني ويتميز بها اللبنانيون جميعا عن سائر مواطني دول المنطقة.

وحزب الله أمّن تمويله من خارج الدولة، والتزم بالتالي بالأوامر التي يفرضها هذا التمويل، وأهمها؛ ولاءه المطلق للولي الفقيه واعتباره جزءً اساسيا من الحرس الثوري. هذا الارتباط جعل منه وسيلة مثلى لدولة الفرس تستعملها للدخول إلى المجتمعات العربية وزرع القلاقل فيها كمقدمة لتوسعها باتجاه السيطرة على جيرانها من دول المنطقة. ولذا فقد رايناه يتدخل تباعا في أحداث البحرين، وبعدها منطقة القطيف في المملكة السعودية، ثم في العراق وسوريا وحتى في مصر والسودان وانتهاء باليمن. فهل إن هذا الدور هو ايضا جزء من الاتفاق الذي سمح له بالانفلاش؟ أم نتيجة له؟..

وحزب الله، الذي طلب المجتمع الدولي حلّه وتسليم سلاحه بناء على اتفاقية الطائف وتبعا للقرار الدولي 1559، لم يلتزم في أي من هذه البنود وقام بعملية التخلص من كل معارضيه البارزين بالاغتيال العلني المفضوح، لا بل يوم قرر اللبنانيون مطالبته الالتزام بالتساوي معهم ودخوله اللعبة السياسية بدل استقوائه بالسلاح، قام بشن حرب على اللبنانيين صيف 2006 استعمل فيها استفذاذ الاسرائيليين باختراقه الحدود الدولية وأسر جنود من داخل اسرائيل لكي ترد هذه على التعدي بالشكل العنيف الذي ساعده للتمسك بسلاحه والسيطرة تدريجيا على الحكم، وذلك بعد عملية “القمصان السود” في ذلك اليوم “المجيد” السابع من ايار 2008، وما تلاها من اتفاق الدوحة الذي فرض سقوط الديمقراطية بتسليمه بما سمي “الثلث المعطل” وشل الحركة السياسية بشكل كامل ألغى مفاعيل الديمقراطية وأعطاه القدرة على السيطرة في كافة القطاعات، فهو يملك الورقة السياسية في التعطيل ويملك ورقة التهديد بالعنف لاستفراده بامتلاك السلاح والاستقواء به على الآخرين.

وحزب الله هو من جرّ على البلاد اللعنة والفقر لأنه وجد اللبنانيين قادرين على العيش بسلام بالرغم من تحدياته، وبوجود المؤسسات القادرة على الامساك بمفاصل الدولة بشكل طبيعي وحماية المواطنين من شروره. ولذا قرر هدم المؤسسات بدءً بالاقتصاد، فضرب قطاع المصارف الذي كان مصدر ثقة لكل المستثمرين ووسيلة أمان للتعامل بين القطاعات الصناعية والتجارية وبقية موارد البلد، ما أخاف المواطنين على مصالحهم فحرّك الشارع ليتمكن من السيطرة عليه، ولكن الشارع انتفض بوجهه، فقام بافتعال تفجير المرفاء للتغطية على مشاريعه، واخافة اللبنانيين من الأعظم وشرزمة الحركة الاعتراضية التي تطاله وكافة الفاسدين المتعاونين معه.

ولما انفضح أمره وكثر المنادون برفع سيطرته على البلد وتسليمه هدية لدولة الملالي، قام بالمناورة الأخيرة حيث اتفق مجددا مع “الشيطان الأصغر” برعاية “الشيطان الأكبر” لتقاسم ثروة لبنان البحرية واطلاق يده في التحكم بالسيطرة على البلاد وتعيين المسؤولين فيها.

حزب الله هذا، الذي يشبه كل شيء إلا ما نعرفه من مشيئة الله في كل التعاليم الدينية مهما اختلفت المصادر، يحاول أن يلعب على اللبنانيين والأوروبيين والاسرائيليين بنفس الوقت، فهو يوهم اللبنانيين بأنه يحمي مصالحهم في البحر من شراهة الاسرائيليين، ويقدّم نفسه كشريك محتمل للأوروبيين في موضوع الطاقة البديلة عن المصادر الروسية، وبأن سادته الفرس الذين يرسلون الطائرات المسيرة لدعم حرب ال رئيس الروسي في اوكرانية لن يمانعوا بفتح باب جديد للتعاون معهم إذا ما تأمّن التساهل بالموضوع النووي. ويوهم الاسرائيليين بأن إيران سمحت له أعطاءهم جزءً من ثروة لبنان مقابل تخفيفهم لشروط الاتفاق النووي المزمع تمريره قبل انتهاء الانتخابات الأميركية التي يحتاج لها جماعة الرئيس بايدن. فهل هو قادر أن يلعب على المستوى الدولي لهذه الدرجة؟ أم أنه لا يعمل سوى تنفيذ التخطيط الإيراني، الذي ينتج عن فكر رجل البازار المعروف بنفسه الطويل ودقته في حياكة المؤامرات وحرية حركته، طالما هو يلعب بثروة الغير وبأرواح الشعوب التي لا يهمه أمرها كثيرا؟..

حزب الله بعملية الترسيم البحري ومنذ ابتدائها دخل في لعبة كبيرة ليست بالطبع لصالح لبنان وشعبه، فالاتفاق بين لبنان واسرائيل يجب أن يكون على أساس وقف الاعتداءات كليا والعودة أقله إلى مفاعيل الهدنة الموقعة سنة 1949 وبالتالي نزع الاسلحة ومنع التهويل بها، لا اعطاء الحزب الايراني ذريعة جديدة لاستعمالها بارهاب اللبنانيين، وهو إن كسب اي شيء من هذا الاتفاق فإنه سوف يجيّره لأسياده، كما فعل بافلاس الخزينة اللبنانية التي مونت جزءً من الوجود الميليشياوي الايراني في سوريا بواسطة التهريب، وشوهت صورة المهاجر اللبناني في بلاد العالم لتجعله مرادفا للعمالة والممنوعات، وهي قطعت كل أوصال التعاون التجاري مع المحيط ارضاء لتطلعات طهران، وقد زينتها بالكابتغون واجهة لتمنع الاقتراب من لبنان وأبنائه. فهل سيطول تواجده وسيطرته على البلد؟ أم أن اللبنانيين سئموا من لعب دور الجارية التي يتمتع بها الأسياد وتفتحت عيونهم ليرون بوضوح ما أدى بهم إلى هذا الدرك، وقد ساهموا بهدم بلدهم وافلاسه لارضاء أجير الفرس الذي لا يعرف الشبع؟ فمهما يكن لبنان قادرا ومزدهرا فهو لن يستطيع إشباع دولة الفرس ومطامعها. وهل إن وقوف أبناء صيدا بوجه ارتحشستا الثالث وحرقهم مدينتهم لمنعه من التلذذ باحتلالها سيكون مثالا يحتذى مهما كانت المساوئ؟ أم أن انتظار اسكندر جديد ينهي دولة داريوس الكبرى أو هرقل آخر يقضي على كسرى ويذله، سيكون أفضل من عملية التضحية تلك؟..

نتائج الترسيم إذا كلها مساوئ لأنها تجري مع الجهة التي تحتل لبنان وتفرض عليه دوام الاستتباع واستمرار الحروب، لا بين اللبنانيين والاسرائيليين كجيران يحاولون التخلص من أعباء الماضي ومشاكله والنظر إلى مستقبل أفضل. فلو عملت الولايات المتحدة والأتحاد الأوروبي واللبنانيين الأحرار على التخلص من رواسب الاحتلال الايراني قبل اي تفاهم مع الغير كان هناك امكانية لمستقبل مستقر في المنطقة، أما اللعب بالنار فلن يؤدي إلى أكثر من زيادتها اشتعالا مهما كانت حاجة بعض الأفرقاء ملحة أو نواياهم سليمة…