العميد الركن خالد حماده/الترسيم ومحاذير الغرق في اللعبة الإقليمية … حزب الله أضاف الى مقوّمات وجوده ودعائم استمراره إنه الضامن للستاتيكو الجديد الذي أحدثه الراعي الأميركي بين لبنان وإسرائيل

41

الترسيم ومحاذير الغرق في اللعبة الإقليمية … حزب الله أضاف الى مقوّمات وجوده ودعائم استمراره إنه الضامن للستاتيكو الجديد الذي أحدثه الراعي الأميركي بين لبنان وإسرائيل.
العميد الركن خالد حماده/اللواء/18 تشرين الأول/2022

من حق اللبنانيين جميعهم أن يُمعنوا التدقيق في تفاصيل إتّفاق ترسيم الحدود البحرية مع إسرائيل وأن يتساءلوا عن التنازلات والإلتباسات العديدة التي تشوبه والتي لم تعدْ خافية على أحد. ومن حقهم أيضاً على المسؤولين الذين تولوا التفاوض ومعهم حزب الله التوقف عن الإشادة بالإنتصارات والإقلاع عن التنافس على تراتبية الأدوار والمساهمات في تحقيقها، ومصارحة اللبنانيين بأن ما حصل هو أفضل الممكن، وأنّ رغبة الشعوب وطموحاتها ليست العامل الحاسم في دفع أي تفاوض نحو الغاية المرجوة، لا سيما في منطقة مشحونة بالصراعات والتدخلات الدولية وفي ظلّ الإنهيار الإقتصادي للدولة المفاوضة وارتهانها للمحاور الإقليمية وعجزها عن إنتاج قرارها السياسي المستقل.

إذاً الشجاعة في مخاطبة اللبنانيين ومصارحتهم بحقيقة الإتّفاق والظروف التي أملته هي السبيل الوحيد لوقف هذا السيْل من التخاطب المستحيل وادّعاء القوة التي لا تقهر والتي صنعت المعجزات، وآخر نُسخها ما جاء في كلمة نائب الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم نهاية الأسبوع المنصرم في لقاء حواري في مدينة صور. الإنجاز التاريخي عزاه قاسم الى ثنائية جديدة عنوانها «التكاتف بين الدولة والمقاومة بقوة حراك الدولة وقوة تهديد المقاومة»، وهذا يعني أنّ حزب الله الذي اعتبر قبل الإتّفاق أنّ سلاحه ضروروة لحماية لبنان من الإعتداءات الإسرائيلية قد ألقى على نفسه مهمة جديدة هي حماية الإتّفاق، بصفته أحد إنجازات المقاومة، حتى بوجه من يريد تحصين وضع لبنان في الإتفاق. وبهذا لم يعد قرار الحرب وحده وقفاً على حزب الله بل انضم قرار السلم الى توصيفات الحزب الوظيفية ومهامه. ناهيك بأنّ الحزب أضاف الى مقوّمات وجوده ودعائم استمراره إنه الضامن للستاتيكو الجديد الذي أحدثه الراعي الأميركي بين لبنان وإسرائيل.

إنّ الإمعان في تأكيد التماهي مع رئيس الجمهورية وعدم مبالاة حزب الله «بما يُطرح حول حدود الترسيم أو مساحته بل الإكتفاء بإعلان الرئيس ميشال عون أنّ لبنان قد استعاد حقوقه النفطية والمائية» فيه الكثير من التقية التي يخشاها اللبنانيون ولا توحي لهم بالإطمئنان. هذه التقية التي ما لبث قاسم أن أكّدها بإعلان «السعي الحثيث للحزب لإقرار القوانين والمراسيم والخطوات اللازمة لإنشاء الصندوق السيادي، وتعديل الهيكليات المطلوبة للتنقيب، لضمان نتائج استخراج النفط والغاز بعيداً عن النهب والسرقة والأخطاء والحاجة الى خطة إنقاذ تبدأ بانتخاب رئيس للجمهورية وتشكيل حكومة جديدة».

يحاول حزب الله الإيحاء أنه فوق الشبهات، وأنه لا يتحمّل الجزء الأكبر من المسؤولية عما آل إليه لبنان من فقر وانهيار، وأنّ موافقته على الإتّفاق هي بمثابة ضوء أخضر أميركي للسلطة القائمة التي يقودها جملة وتفصيلاً لإعادة تجديد ذاتها وفرض مواصفات الرئيس الجديد والحكومة المقبلة، أو إدارة الفراغ الرئاسي بشروطه ريثما يتم إخضاع الفريق الآخر. إنّ توقف الإندفاعة الأميركية بعد التوقيع، في حال حدوثه، يعني في أفضل الأحوال إفساح المجال أمام مزيد من الإنهيار وتعميق الإنقسام وإعاقة قيام الدولة وتكريس إلحاق لبنان باللعبة الإقليميّة ــ الدوليّة. وقد يبدو للإدارة الأميركية أنّ إطلاق العنان لحزب الله وحلفائه في الداخل اللبناني بعد الإنضباط الذي أبدته طهران ومعها حزب الله في موضوع الترسيم، يشكّل إحدى أوراق الضغط التي يمكن استثمارها في خضم الإختلال الكبير في العلاقات بين الولايات المتّحدة وحلفائها التقليديين ولا سيما المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتّحدة.

لا يزال الوقت مبكراً لاستبانة المشهد الإقليمي والدولي القادم الذي تتوزع أدواره في لبنان كلّ من فرنسا والولايات المتّحدة وفقاً للنموذج المعتمد في حقل قانا، بحيث تتولى فرنسا الجزء القذر من الدور الأميركي. المنازلة الإقليمية التي تستعرّ يوماً بعد يوم والرسائل المتبادلة التي بدأت بوادرها في العراق، بانتخاب رئيس للجمهورية واختيار رئيس للوزراء دون الأخذ بعين الإعتبار بالإحتجاجات الشعبية العارمة للعراقيين ضدّ من استنفدوا مواردهم، مرشحة للإستنساخ في لبنان وإن بأشكال مختلفة.

لقد شكّلت نهايات العهود الرئاسية في لبنان فرصاً سانحة لمزيد من الغرق في الوحول الدولية، وقد يتيح اتّفاق الترسيم البحري هامشاً مثالياً للاعبين المحليين لتهيئة المناخات المناسبة لذلك. إنّ الغرب المسكون بهاجس الهيْمنة على المشرق العربي لا زال يراهن حتى الآن على ترسيخ نفوذ أمراء الحرب ولا يبدو معجباً بالأفكار السيادية وأصحابها، فهل تقوى القوى السيادية هذه المرة على تغيير قواعد اللعبة؟