د. وفيق هندي/الغاز اللبناني مقابل الإسرائيلي..ماذا بعد الترسيم؟

19

الغاز اللبناني مقابل الإسرائيلي..ماذا بعد الترسيم؟!
د. وفيق هندي/جنوبية/13 تشرين الأول/2022

الترسيم هو الشكل. أما المضمون هو تمكّن حزب الله من تحقيق معادلته: الغاز اللبناني مقابل الغاز الإسرائيلي. والأهم من كل ذلك، هو دخول لبنان “رسمياً” تحت الإحتلال الإيراني وبغطاء دوليّ أمنته للحزب الإلهي إدارة جو بايدن. فالإتفاق هو شكلاً بين الدولة اللبنانية والدولة الإسرائيلية، إنما هو فعلاً بين الحزب وإسرائيل في ظل الصفقة الأميركية معه. فالمفاوض اللبناني هو تابع أو حليف له أو تحت سطوته.

لذا، يمكن القول أن الوضع اليوم يشبه الوضع في بداية التسعينات من القرن الماضي حينما أُهدي لبنان لسوريا-الأسد، بالرغم من نفي الإدارة الأميركية لذلك. ما حدث هو في غاية الخطورة ويتطلب أولاً من القوى “السيادية- التغييرية” الصادقة إيقاف التوهّم من أن مساعيها لتغيير المعادلات من خلال المسارات الدستورية (إنتخابات نيابية ورئاسية وتشكيل حكومات) تجدي نفعاً. فلبنان واقع تحت الإحتلال الإيراني والدولة بقبضته، بمشاركة دونية لطبقة سياسية مارقة قاتلة وفاسدة.

الإتفاق هو شكلاً بين الدولة اللبنانية والدولة الإسرائيلية إنما هو فعلاً بين الحزب وإسرائيل في ظل الصفقة الأميركية معه فالمفاوض اللبناني هو تابع أو حليف له أو تحت سطوته

يبدو أن إجراءات الإتفاق رسميا” سوف تتم بتاريخ 27 تشرين الأول أو بُعيّد هذا التاريخ، لأن مدة إطلاع الكنيست عليه (أسبوعين) تكون قد إنتهت. عندها سوف يعلن السيد حسن نصر الله “الإنتصار الإلهي” الذي حققته “الثلاثية الذهبية” (جيش، شعب ومقاومة)، كما سوف يعلن أنه حقّق الخلاص الإقتصادي-الإجتماعي للشعب اللبناني المعذب. وقد صبّت تصريحات بايدن ووزير خارجيته وسفيرته في لبنان في هذا الإتجاه. لكن هل الكلام عن الخلاص الإقتصادي-الإجتماعي صحيحاً؟ كلا، ولكن! كلا، لأن الخلاص الإقتصادي-الإجتماعي لا يمكن أن يكون حقيقياً ومستداماً تحت سيطرة الإحتلال الإيراني ونهب الطبقة السياسية المارقة.

الخلاص الإقتصادي-الإجتماعي لا يمكن أن يكون حقيقياً ومستداماً تحت سيطرة الإحتلال الإيراني ونهب الطبقة السياسية المارقة

ولكن، على المدى القريب، وعند إقرار الإتفاق رسمياً، قد نشهد تحسناً نسبياً للليرة اللبنانية مقابل الدولار ولفترة من الزمن. أمّا، على المدى المتوسط، فإنّ التنقيب سوف يحرك عجلة الإقتصاد نسبياً، كما أنّ بإمكان “الدولة” اللبنانية إقتراض المليارات من المؤسسات المالية العالمية، بوضع مخزون بلوك معين كتأمين (collateral)، عندما يكتشف غازاّ فيه، مما يعطي دفعة أوكسيجين للإقتصاد اللبناني المترهل، علماّ أن قسماّ من هذه الأموال سوف تُنهب “على الطريق”. وبالتالي، القول أنّ إستفادة لبنان من غازه يتطلب أكثر من خمس سنوات لكي يتحقق، غير صحيح وهو كلام سياسي ليس إلاّ.

كما أن القول أن الإستفادة من الغاز اللبناني مشكّك بها، إذ أن مصادر الطاقة البديلة تكون قد أبطلت الحاجة إليه، غير صحيح أيضاً: فمجموع الطاقة البديلة لن تشكل في أحسن الأحوال إلاّ نسبة 40% من مجمل الطاقة المتوفرة عالميا” في عام 2050. وإلى أن يتمّم الإتفاق رسمياً، كيف سيتصرف حزب الله؟ من الواضح، أنه سوف ينتظر نتائج الإنتخابات الإسرائيلية بتاريخ 1 تشرين الأول، والإنتخابات النصفية الأميركية بتاريخ 6 تشرين الأول، لكي يقرر كيفية التعاطي مع الإنتخابات الرئاسية. لذا، أصبح مؤكداً أنه لن يتم إنتخاب الرئيس قبل 31 تشرين الأول. وبالتالي، أصبح تشكيل الحكومة قبل هذا التاريخ هدفاً لا بدّ منه بالنسبة لحزب الله لسببين: أولاً، لكي لا يكون أي تشكيك بقدرة الحكومة بممارسة صلاحيات الرئيس وكالةً وثانيا”، لكي لا يُسمح لإسرائيل التهرب من الإتفاق، من خلال التذرع بعدم وجود طرف لبناني يتمتع بكامل الشرعية إذا ما تأخر التوقيع الرسمي عليه. وفي هذا المضمار، عرقلات جبران باسيل لتشكيل الحكومة، لا يمكنها أن توقف قرار حزب الله، وقد تكون منسقة معه لتشكيلها في اللحظات الأخيرة قبيل إنتهاء ولاية عون، بهدف الضغط على إسرائيل لإستعجال إتمام الإتفاق رسمياً قبل هذا التاريخ. فإذا فاز بنيامين نتانياهو بالإنتخابات الإسرائيلية والحزب الجمهوري في الإنتخابات النصفية، يصبح مرجحاً أن يفوز دونالد ترامب في الإنتخابات الرئاسية بعد سنتين، ويصبح حينها الوضع خطراً بالنسبة له في ظل مثلث ترامب-نتانياهو-بن سلمان، مما يستوجب التحصّن بإنتخاب مرشح “قوي” راديكالي وصدامي وطّيع (أي جبران باسيل). وهذا المرجح. كما أن بعد التوقيع، سوف يلبس حزب الله ثوب “المخلص” ويتبجح ب”إنتصاره الإلهي”. فيقوى على أخصامه مظلّلاً بالصفقة الأميركية المستترة معه. ولكن، هل سمح حزب الله بتطبيع علاقة لبنان بإسرائيل؟ كلا، فبمنظوره، هذا الإتفاق ليس إلا هدنة بحرية مع إسرائيل تسمح للبنان من الإستفادة من ثروته الغازية، ولا تتناقض مع عقد النزاع معها برّياً. قد نشهد في مرحلة أولى إسترخاءً نسبياً على طول الحدود البرية، ولكن مع تفعيل لدور الحزب بصفته المكوّن الرئيسي لفيلق القدس ومحور “المقاومة”، وبصفة أمينه العام كالقائد الفعلي للفيلق والمحور. فتصدير الثورة الإسلامية هو علة وجود الجمهورية الإسلامية في إيران، كما علة وجود حزب الله. لذا، لا يمكنهما التخلي عنها في أي ظرف من الظروف. ولذا، يمكننا التأكيد أن الإحتلال الإيراني للبنان يضعه في مهب الريح، مهما شهدت الساحة اللبنانية من تعافٍ نسبي في مرحلة قد لا تطول.

على المعارضة أن تشكل مع القوى والشخصيات السيادية-التغييرية تجمعاً واسعاُ يسعى إلى تحرير لبنان من الإحتلال الإيراني والطبقة السياسية المارقة القاتلة الفاسدة

دخل لبنان مرحلة جديدة تتطلب من أطراف “المعارضة” السيادية والتغييرية الصادقة، أن تقلع عن التوهم، بأن المسالك الدستورية يمكنها أن تؤدي إلى تغيير الأوضاع والموازين، على أن تشكل مع القوى والشخصيات السيادية-التغييرية تجمعاً واسعاُ، يسعى إلى تحرير لبنان من الإحتلال الإيراني والطبقة السياسية المارقة القاتلة الفاسدة، وفق خريطة طريق إستراتيجية واضحة داخلياً وخارجياً، مما يسمح بالخروج من سياسات ردات الفعل الحدثية وتناولها في سياق خدمة خريطة الطريق المتفق عليها. يبقى أن نقول أن أولويات القوى الغربية، لا يمكنها أن تتأبد بمحاربة روسيا وتحدّي الصين، إذ أن التطورات الدراماتيكية في الشرق الأوسط، سوف تصيب بالصميم مصالحها الأساسية وتضطرها إلى إعطاء أولوية لهذه المنطقة. وحينها، لكل حادث حديث…