توم حرب/ما وراء هجوم الحزب على د. وليد فارس

38

ما وراء هجوم الحزب على د. وليد فارس
توم حرب/الكلمة أولاين/05 تشرين الأول/2022

وأخيرا بّق حزب الله البحصة، وهاجم الدكتور وليد فارس عبر صحيفته “الاخبار” لانه “يقف وراء مشروع المنطقة الحرة” تحت مظلة “تنفيذ مرحلي للقرار الدولي ١٥٥٩. وعنوَن هجومه الغير منتظر بشعار “حربجي” من خطاب الحرب الاهلية “مشروع أميركي: لبنان جديد بلا الشيعة!” وهو بالطبع يهدف الى اتهام اميركا بانها تريد “فصل الطائفة الشيعية عن سائر لبنان”، و اتهام الدكتور فارس بانه منظر المشروع و مهندس الدفع باتجاه تنفيذه في العاصمة الاميركية، وعواصم عربية و اوروبية. وبعد قرائة متأنية للمقال الذي وقعه “غسان سعود”، تبينت وقائع هامة وضّحت “ورطة” حزب الله الحالية، واسباب فبركة هكذا مقال، ومحتوياته المتناقضة، و بعض مصادره.
اولا في التوقيت: “مشروع المنطقة الحرة” طرح في الكونغرس في نهاية ربيع ٢٠٢١، عبر بعض اعضاء مجلس النواب، وقد تقدم به وفد من التحالف الاميركي الشرق اوسطي للديموقراطية والمجلس العالمي لثورة الارز، وكان مستشارهم الخبير الدكتور وليد فارس قد وضع مسودة المشروع هذا وتكلم عنه في الاعلام. ماذا دفع “باخبار الحزب” لكي تصحى من النوم بعد سنة واربعة اشهر، وتبدأ بهجومها عل الولايات المتحدة ومواطنها الدكتور فارس؟ يعتقد المحللون في واشنطن ان الهجوم هذا مرتبط مباشرة بالانتفاضة الشعبية على النظام في ايران، التي تفجرت منذ اسابيع على اثر مقتل الشابة الكردية الايرانية مهسى الاميني، والتي تحولت الى موجة جارفة في كل انحاء ايران. والنظام خائف من خسارة مداخيل الاتفاق اذا تفجرت ثورة شاملة، لذا فان الحرس الثوري بدأ في التصعيد في كل الدول التي تسيطر عليها ايران من قصف كردستان العراق، الى نشر الصواريخ الى سوريا، الى التصعيد في اليمن، الى تهديد السياديين في لبنان لردعهم عن تحرير لبنان.
وواضح ان المشروع الاساسي الوحيد في لبنان هو تحرير اجزاء منه اولا، وهو المشروع الذي تقدمنا به الى الكونغرس في ٢٠٢١، والذي انتجه الدكتورفارس. فقامت قيامة حزب الله بعد سنة و نصف، بطلب ايراني، وركزت على “مشروع اميركي” وعلى مهندسه الدكتور فارس. الا ان “مقال الاخبار”، وهو من انتاج “الشعبة الاعلامية” يبدو متخبطا، غير جدي، ويذكرنا “بالصحف الصفراء” خلال الحرب، و بامكان المحللين ان يروا اكثر من “مُخبر” قد تم الاستعانة بهم لفبركة الFake News، وهو من الوزن الخفيف و الفكاهي ربما ان الافضل نشره في مجلة “الدبور” القديمة.
تبدأ بقرائة المقدمة فترى جهل الكاتب والمفبركين، في كل ما يتعلق باميركا والعمل السياسي فيها. “فيؤكد” سعود، على طريقة مطبل الحزب في سان فرانسيسكو، و الكاتب الشبح لجزء من هذه المقالة الشبه مضحكة، اسعد ابو خليل، ان “ملايين السواح يزورون مكتبة الكونغرس وبامكان اي شخص ان يستأجرها ليعقد اجتماع لمجموعة من الناس ويقول ما يشاء”. وبذلك تحاول “اخبار الحزب” ان تنزع جدية المؤتمر من اجل المنطقة الحرة الذي عقد في نيسان الماضي في ذلك المبنى، بدعوة من اعضاء في مجلس النواب. سعود، الذي يبدو انه استنجد بامثال ابو خليل، مقتنع انه يمكن “استئجار” مكتبة الكونغرس ولم يفهم ان اية جمعية عليها ان تحصل على دعوة من اعضاء الكونغرس ولجانه، رغم انه ينبغي عليها ان تدفع ثمن الغذاء او العشاء او القهوة. فاي اجتماع في الLibrary او في اية صالة يكون باشراف او دعوة اعضاء. هذا اقل المعرفة في الولايات المتحدة. و لكن اعلاميو الحزب يخترعون القوانين الاميركية على “ذوقهم”. ولكن “الاخبار” اضافت “خبرية” اخرى يهزأ منها حتى المراهقون في اميركا، فكتب سعود ان مكتبة الكونغرس “ليس تابعة للكونغرس” وكأن الناس جاهلة وكأن هكذا معلومات التي تُدرس في الصفوف الابتدائية في اميركا وفي الصفوف التكميلية في سائر مدارس العالم، ليست موجودة على الانترنت. تصوروا لو كتبت “الاخبار” ان البيت الابيض لا علاقة له بالادارة! ربما يظن فريق التحريرفيها ان اللبنانيون لا يقرأون ولا يطْلعون، وهنالك مليون ونصف مليون لبناني اميركي تخرج معظمهم من الثانويات، وربما عمل المئات منهم في الكونغرس نفسه. لمعلومات “الاخبار” فمكتبة الكونغرس هي جزء من حرم المؤسسة التشريعية وتعقد فيها الخلوات و المؤتمرات بدعوة من المشرعين، ولا سيما الغرفة الخاصة التي حجزتها المجموعة النيابية للبنان Lebanon Caucus، والتي يرأسها عضوي الكونغرس دارن لحود وداريل عيسى، والتي وضعوها بتصرف المؤتمر اللبناني الاميركي في نيسان الماضي، و شارك فيه اعضاء كونغرس، ومسؤولون من الادارة، ومراكز ابحاث، و شخصيات عامة واعضاء في الجالية. اما حزب الله، فهو على لائحة الارهاب في اميركا ولن يدعى الى الكونغرس تحت اي عنوان، وهذا ما يغضب اعلامه و ابواقه. هذا لتصحيح “الروايات المركبة” التي تلفقها “الاخبار”.
اما بالنسبة للمحتوى، فيبدأ سعود بتضييع حبره ايضا ودائما على توصيف للدكتور وليد فارس الذي بات الحزب وايران “مهودسين” به على صعيد المنطقة. ويكتب سعود: “وبمعزل عما يصف وليد فارس (بترونيّ هاجر إلى الولايات المتحدة عام 1990 وعمل لمصلحة الاستخبارات الأميركية)”.
فارس من عائلة تعود جذورها الى البترون و لكنه نشأ وترعرع في الاشرفية في بيروت. وهو ليس عميلا للاستخبارات الاميركية، بل استاذ محاضر في كليات الاستخبارات وفي جامعة الدفاع الوطني التي يشرف عليها البنتاغون. وبعد ان تلى سيرته بتهكم- “(من «أمين عام» لمنظمة و«مستشار» للجنة و«خبير» ومحاضر جامعي وكاتب وصاحب إطلالات تلفزيونية شبه يومية و«ناصح» للرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب)،” اضاف: “فهو لا يمل من تقديم مشاريع ومحاولة تسويقها في أروقة الكونغرس، وآخرها «المنطقة الحرة”.
ويبدو سعود و من ورائه في الحزب غير مرتاحين لانجازات فارس في واشنطن، وغير مسرورين لان الاكاديمي من اصل لبناني له تأثير كبير في الولايات المتحدة. هذا ليس جديدا، فالحزب ومحوره يهاجمون فارس منذ عشرين عاما دون هوادة، بدأً بامين عامهم السيد حسن نصر الله، في٢٠٠٥ الذي اخترع قصصا وروايات، مرورا باعلامييهم، وصولا الى اللوبي الايراني في الولايات المتحدة. منذ هندسة فارس للقرار ١٥٥٩ استراتيجيا حتى دفعه بمشروع المنطقة الحرة في ٢٠٢١، صحيح ان الدكتور فارس لم يهدأ من خطوة الى اخرى بهدف تحرير لبنان كمواطن اميركي من اصل لبناني، ولم يهدأ المحور الايراني من شن الحملات عليه دون هوادة. وطلع علينا “السعود” بورقة صفراء منشورة “بالاخبار” الخمينية يفسر مشروع “المنطقة الحرة ” على ذوقه فيكتب: “القضاء على حزب الله، من دون جدوى، تتفتق «عبقرية» لبنانيين من عملاء المخابرات الأميركية في واشنطن عن «معادلة» جديدة يجري التسويق لها: لبنان جديد تعبّر عنه المعادلة الرياضية التالية: لبنان = مسيحيون + سنة + دروز – شيعة! بدل رمي الشيعة في البحر، يمكن إقامة جدار عازل يفصل «لبنانهم» عن «لبناننا»!”
هكذا تفتح “الاخبار” هلوساتها بان المشروع هو اقامة لبنانين: واحد للشيعة، وآخر للباقي. بينما المشروع كما هو مسجل في الكونغرس هوخطة امنية لسحب ميليشيا حزب الله من مناطق لا تريدها، بل تريد الجيش فقط، تحت القرار ١٥٥٩. فارق كبير بين مشروع فارس والكذبة الخمينية الطائفية، التي تسعى الى تخويف الشيعة. تكتب الاخبار: “وتدخّل (اميركي غربي)لأ يشمل جغرافياً المساحة التي كانت تشغلها متصرفية جبل لبنان، مع إضافة عكار شمالاً، واستثناء «الشاطئ الماروني» بين صيدا وبيروت. وفي المرحلة الثانية، يمكن ضم صيدا والدامور وعنجر وأجزاء من مرجعيون إلى هذه «المنطقة الحرة»”
ايضا يفشل اعلام الحزب بنقل الوقائع فيخلق Fake News. المشروع لا ينطلق من خارطة المتصرفية، فهو يضم بيروت (بلا قواعد الميليشيا في الضاحية)، وطرابلس و الضنية، وعكار، بالاضافة لجبل لبنان، لعدم وجود حواضن للحزب فيها. و قد فاجئ المشروع اعضاء الكونغرس نفسهم بدقته و بحرصه على فض اي اشتباك على الارض، وكنت حاضرا للاجتماعات في نيسان الماضي.
كتبت الاخبار عن “استحداث مطارين أحدهما في القبيات المارونية (وليس القليعات حيث مطار رينيه معوض)” بينما المشروع الذي قُدم يتكلم عن مطار “القليعات”، الموجود اصلا. “التطييف” في كل نقطع من المقال.
ويستمر الكاتب باختراع الاخبار فيكتب ان فارس قصد “حاصبيا” عندما تكلم عن مقاومة اللبنانيين للحزب «كما حصل في عين الرمانة وخلدة والشوف (المقصود حاصبيا، لكنه خلط بين المنطقتين طالما أن من يقطنهما هم أبناء الطائفة الدرزية!).”
كلا استاذ سعود، الدكتور فارس دقيق جدا، و لا يحلل طائفيا. عندما ذكر الشوف، هو قصد الشوف في ايار ٢٠٠٨،حيث خاض الاهالي، وبمعظمهم دروز، اهم معركة مقاومة ضد الاجتياح الميليشياوي منذ مقاومة الجيش للاحتلال السوري في معركة سوق الغرب في ١٩٨٩. وما يعنيه ان المواطنين اللبنانيين كما برهنوا في الشوف، و خلدة، و عين الرمانة، قادرون على التصدي للحزب على الرغم من سلاحه وصواريخه. وهذا واقع بات يعرفه حزب الله ولكنه ينزعج عندما يشير اليه خبير كالدكتور فارس، ولا سيما في واشنطن.
ويخترع سعود كلاما و يكتب: “إنهاء أي دور للحكومة اللبنانية في ما يخص أمن الحدود مع إسرائيل.”
بينما لم يذكر فارس اسرائيل في اي مكان في المذكرة. ويستمر بالاختراع: ” فإن خطورة الطرح تكمن في وجود أفرقاء لبنانيين يشاركون وليد فارس أوهامه، ولا يقتصر الأمر على رئيس حزب القوات سمير جعجع، بل يشمل مرجعيات دينية وأمنية أيضاً، في ظل إدارات أميركية لا تمانع «تجربة أي شيء» طالما أن ليس لديها ما تخسره في البلد.” الاخبار تخلط شعبان برمضان من جديد. اولا فارس ليس رجل سياسي في لبنان، ولو مارس العمل السياسي فيه منذ ٣٥ سنة قبل هجرته. ثانيا الدكتور جعجع لم يدعم مشروع المنطقة الحرة، بل هو يعتبر ان الاولوية هي لانتخاب رئيس جديد للبنان. اما الادارات الاميركية فهي تستمع لاجهتها وللخبراء، و احدهم الدكتورفارس. و لتوضيح الامر للبنانيين، و الشيعة منهم خاصة، مشروع المنطقة الحرة، عمل عليه الدكتور فارس، و لكنه بات مشروعا داخل الكونغرس راجعه الاعضاء، و الخبراء، والاجهزة الاستخباراتية و العسكرية. وكما كانت الحال بالنسبة للقرار ١٥٥٩ في ٢٠٠٤، حتى و لو كان الدكتور فارس هو من هندس القرار في مضمونه و وضع استراتيجية ادخاله الى مجلس الامن، بات القرار ملكا للمنظمة الدولية و ليس ملكا لكاتبه. لذا فشروع المنطقة الحرة داخل الكونغرس بات مشروعا اشتراعيا اميركيا الآن. و لكن الاهم يبقى قبول الشعب اللبناني او اكثريته به. وهذا بتقديرنا ما يزعج حزب الله و ايران.
فالمسألة لم تعد وليد فارس ام لا. فهو قام “بشغله” في واشنطن و نيويورك في الماضي و اليوم. و لكن مبادراته دخلت مراكز القرار عبر دراساته، واجتماعاته، وطلاته الاعلامية. اما الآن فالمبادرة هي بين يدي القادة السياديين في لبنان، والمسؤولين في اميركا و الغرب. والحزب يخشى ذلك لانه يعرف تماما بان الشعب في لبنان يريد التحرر و يريد المشروع. من هنا يجهد الحزب لازدراء المشروع، و ربطه بشخص، وتغيير ملامحه، واعتبارة “شغل استخبارات”، ومحاولة تخويف الشيعة منه، واتهام الخليج و”الصهيونية” به، الى ما هنالك من تهبيط حيطان، لاخافة اللبنانيين.
لماذا؟ لان الشعب الايراني انتفض على نظامه، ويخشى حزب الله ان يننتفض الشعب اللبناني عليه ايضا.
توم حرب هو مدير تنفيذي للتحالف الشرق اوسطي للديموقراطية في وشنطن AMCD
للاطلاع على المقال اضغط على الرابط التالي:
https://al-akhbar.com/Politics/346301