الكاتب والمخرج يوسف ي. الخوري/إليزابيت الثانية: اسم عابر للأزمنة

206

إليزابيت الثانية: اسم عابر للأزمنة
الكاتب والمخرج يوسف ي. الخوري/13 أيلول/2022

حين تمدح، أو تسخر، أو تنكّت، أو تذمّ الملكة إليزابيت الثانية، عليك أن تكون ملمًّا بالقدر اللازم من المعرفة بتاريخ البيوتات الملكيّة البريطانية، وبِسيَر وانجازات ملكاتها وملوكها العِظام؛ ألفرِد المنعوت بالعظيم ومطوّر النظام القضائي. هنري الثامن وانفصاله عن الكنيسة الكاثوليكيّة. إليزابيت الأولى والعصر الذهبي ومسرح شيكسبير ونحو امبراطوريّة لن تغيب عنها الشمس. فيكتوريا والثورة الصناعيّة والثقافة والفنون والامبراطوريّة في أوج اتّساعها. إدوار الثامن وتخلّيه عن التاج لأجل حبيبته “والِّس”…
غداة إعلان إليزابيت الثانية (26 سنة) ملكةً على بريطانيا، زارها رئيس وزرائها “ونستون تشرشل” (78 سنة)، وبعد انحنائه أمامها وتقبيله يدها، طلبت منه أن يتفضّل بالجلوس وسألته ماذا يُريد أن يشرب، فتفاجأ بالسؤال وردّ متعجّبًا، بسؤال:
– ألم يُخبركِ أحد؟
– يُخبرني بماذا؟
– بأنّ رئيس الوزراء يحضر امامَكِ مرّة في الأسبوع، لا يُقدّم له أي مشروب، ولا يُعرض عليه كرسي للجلوس، لأنّ في ذلك مضيعة للوقت، وإلهاء جلالتك خطيئة كبرى.
ليس أبلغ من هذا الحوار المقتضب، بين الملكة الشابة اليافعة وسير “ونستون” المخضرم الكهل، لكي يُدرك المرء عظمة وقدسيّة مَن يتربّع على عرش المملكة المتّحدة لبريطانيا العظمى وايرلندا الشماليّة.
الملكيّة في تراث الأنجلوسكسونية هي هبة مقدّسة من الله عزّ وجلّ، وهذا لا يعني على الاطلاق أنّ المتربع على عرشها هو على اتصال مباشر مع الله، أو هو يحكم باسمه وبالنيابة عنه كما يروق للبعض أن يصوّر نفسه، بل عليه أن يكون مثالًا في النبل والشهامة يتشبّه به الناس ليرتقوا في مستوياتهم، فيشرّفون المجتمع ويبجّلون الحياة. ولأنّ الملكيّة هي رسالة الله المقدّسة على الأرض، يُتوّج المالك الجديد عليها في كاتدرائيّة وليس في مبنى حكومي، ويُلبسه التاج مطران وليس وزيرًا أو موظّف دولة، ما يعني بالتالي أنّ الملكة أو الملك يؤدّي واجباته أمام الله وليس إرضاءً للناس. أمّا ولسان الحال ما ذكرنا، فهل يحقّ للناس أن يسخروا أو ينكّتوا أو حتى يمدحوا ملكة بريطانيا في رحيلها، وهي التي زهدت في الدنيا سبعين عامًا ليرضى الله عنها، وزهدت فيما لشعبها فأحبّها وجلّلها!!؟
في مستهلّ تربّعها على العرش شعرت إليزابيت الثانية بالملل وبشيء من العزلة، إذ لم تعد تجد الكثير لتفعله كي تملأ أوقات فراغها المتزايدة، فلجأت إلى جدّتها الملكة “ماري دو تِك” متسائلة كيف لها أن تكون رأس الدولة وهي لا تفعل شيء؟ فأجابتها الجدّة الموقّرة قائلة: “إنّ عدم إقدامك على فعل شيء لَهو عمل بحدّ ذاته، لا بل أكثر الأعمال صعوبة، إذ يستهلك كل ذرّة من طاقتك، ويحتّم عليكِ عدم التحيّز”. وأردفت الجدّة ناصحةً حفيدتها: “سيرغب الناس دومًا في أن تتحيّزي ولو بابتسامة، أو عبسة، أو موافقة ضمنيّة، وهذا ما لا يجب عليك فعله كي لا يُعتبر وجهة نظر أو موقف من قبلك. فيا ابنتي قلّلي الكلام وقلّلي الأفعال، أفضل”.
كيف يُمكننا أن نحكم على ملكة وهي كانت مقلّة في الكلام والأفعال عملًا بنصيحة جدّتها!!؟
إليزابيت الثانيّة جعلت من صلاحياتها المحدودة نقاط قوّتها اللامحدودة، وذلك بالرغم من أنّها كانت دومًا تُخضع إرادتها للدستور وللأعراف.
جاءتها مرّة المرأة الحديديّة “مارغريت تاتشر” لتُخبرها بأنّها ستترشّح إلى منصب رئاسة الوزراء للمرّة الرابعة، وبأنّ استطلاعات الرأيّ تُشير إلى فوز ساحق جديد لها، فتمنّت عليها الملكة إليزابيت الثانية ألّا تترشّح، وأن تترك المجال لغيرها تحقيقًا لتداول السلطة بعدما استأثرت بها لأكثر من أحد عشر عامًا، غير أنّ “مارغريت” لم تستجب لرغبة الملكة وبقيت مصرّة على ترشّحها.
بعد أيّام من هذا اللقاء، ولا أتذكّر المناسبة، كانت الملكة تتوجّه بكلمة للشعب واستطردت لتخبرهم ببساطة عمّا حصل مع “مارغريت” بخصوص ترشّحها، وأنهت كلامها بالقول: “كنت أتمنّى لو قبلت “مارغريت” أن تُفسح المجال لدم جديد في السلطة، لكن هي حرّة في قرارها ومن حقّها أن تترشّح”.
مباشرة في اليوم التالي بدأت “مارغريت تاتشر” تتراجع في استطلاعات الرأي حتّى انهزمت في الانتخابات.
كان يكفي إليزابيت الثانيّة أن تتكلّم حتى ينبري غيرها ليفعل، فهي ليست بحاجة لأن تفعل.
أنا لست جديرًا بتقييم ملكة بريطانيا أو مدحها، لذا اكتفيت بسرد هذه الأحاديث عنها لأنّها ذات مغزى سلوكي راقي، وتصلح كإسقاطات لكشف دناءة السياسيين اللبنانيين في ممارساتهم.
الذين عندنا يُكثرون إطلالاتهم الاعلاميّة، يحتلّون الشاشات والاذاعات ووسائل التواصل، يستخدمون ضفادعهم الالكترونية لتزوير الحقائق وتبييض بشاعاتهم، ومع ذلك أنّ لا أحد يستمع إلى أقوالهم، والكلّ يمقت أفعالهم إن فعلوا، وهم يتوهّمون بأنّهم مفكّرون، وعلى التأثير قادرون، وفي قلوب البشر راسخون، بينما هم أصمّوا آذانهم لأنّهم على شتائم الناس لا يقوون، في حين أنّ عظيمة مثل إليزابيت الثانية:
إن تكلّمت أنصتت إلى كلامها الإمبراطورية الشاسعة الواسعة، وإن فعلت تأتي أفعالها حازمة جازمة لا رجوع عنها ولا مواربات.
الذين عندنا تعفّنوا على الكراسي وفي رئاسة أحزابهم، ولا أحد يسأل. لا يفعلون سوى إرضاء أزلامهم، يتكلّمون عن الديمقراطية وهم لا يطبّقون المداورة في السلطة، حوّلوا ديمقراطيتنا إلى كليبتوقراطية، ودستورنا إلى أداة لحكم اللصوص، في حين أنّ ملكة مثل إليزابيت الثانية اكتفت بحديث عرضي عابر لتُسقط امرأة حديديّة جبّارة، وتمنع عنها الاستئثار بالسلطة.
الذين عندنا يتساجلون في توصيف الحاكم القويّ، وكلّهم يخالون أنفسهم أقوياء! هذا يعتقد أنّ قوّته بترأّسه كتلة نيابية وازنة، وذاك يظنّ أنّها بإمساكه جهاز مخابرات، وآخر يتوهّم أن مصدر قوّته يأتي من تحالفه مع الحزب الإلهي المحتلّ لآلية صنع القرار اللبناني. بينما قوّة الملكة إليزابيت الثانية، المجرّدة من كلّ صلاحيّة، تكمن في ضميرها وسلوكها أمام الله، وفي اصالتها، وفي حفظها الأعراف والتقاليد الملكيّة العريقة.
العبرة الأخيرة:
لبنان بحاجة اليوم إلى رئيس يرى، يسمع، لا يتكلّم، يفعل، يُشرّف الموارنة في تمثيلهم، أخلاقي قبل أن يكون سياسي، صاحب مبادئ ومُثُل لبنانيّة عليا قبل أن يكون تكنوقراطيًّا ناجحًا، شخصيّته مُلهمة وتُعطي أملًا للشعب، اهتمامات لبنان هي أولويته وليس مصالح الخارج، يُرضي الله ويُرضي ضميره اللبناني قبل إرضاء الناس، إذ تبيّن أنّ مَن أرضى الناس من الزعماء، انّما أرضاهم لمصالح شخصيّة.
فكفانا منهم، وليكفّوا شرورهم عنا، وليغربوا إلى المزابل.