بول ناصيف عكاري/الموارنة ينتخبون رئيسًا

42

الموارنة ينتخبون رئيسًا
بول ناصيف عكاري/الكلمة اونلاين/06 أيلول/2022

نحن على أبواب الانتخابات الرئاسيّة التي من المفترض أن تنتج رئيسًا مارونيًّا يترأس البلاد بأمانة واستقامة، ويسهر على تحقيق الأمن والعدالة والأمان، ويصون سيادة واستقلال الوطن من كلّ اعتداء، أكان داخليًّا أو خارجيًّا. بعد أن هَزَمَ الموارنة أنفسهم عام 1989، اعتادت “المنظومة المارونيّة”، المعيّنة من الاحتلال وفاقدة الحريّة، باستزلامها وحقدها وهوسها بالسلطة المطلقة، وخلافًا لبقيّة المكونات، أن لا يكون لها يد أو قرار في انتقاء الرئيس المارونيّ ليمثّل اللبنايّين خير تمثيل. عليه، أصبحت صناعة الرئيس تخضع لمواصفات الممانعة في أن يكون خانعًا للثلاثيّة الخشبيّة، خائنًا لأمّته ولوطنه، مستزلمًا لإرادة الوالي الساميّ بواسطة عميله المحلّي، مفسدًا فاسدًا، فاشلاً، مسخّرًا الدّستور والقوانين لإنجاح المشروع الفارسيّ في لبنان، فاقدًا للكرامة الوطنيّة، وشيطانًا أخرس…

الموارنة مصابون بمرض عضال اسمه #متلازمة_الموارنة، وقد أصابها زرادشت في مقولته أنّ “كلّهم يريدون اعتلاء العرش. إنّها حماقتهم وكأنّ السعادة على العرش! غالبًا ما يكون الوحل على العرش…وغالبًا ما يكون العرش على الوحل أيضًا.” أمّا المهزومون وجلّهم من غلاة الموارنة “الأقوياء”، فإذ أقسموا مع بعض المطارنة والرهبان، معاهدين إله هذه الأرض (الصهيوني و/أو الملّاوي) على تدمير الإرث الماروني ولبنان الكيان. جنوحهم إلى السلطة المطلقة وعنادهم، أفسدهم وقسّمهم فرقاً أعداء لا يمكنهم الاتفاق على أمر، وبالأخصّ على رئاسة الجمهوريّة. ابتعدوا عن القيم وعاثوا فساداً في العائلة والمجتمع.

بالنسبة إلى سعيد عقل، مواصفات الرئيس تختزل بثلاثيّة ذهبيّة: “قدّيس وعالم وشجاع”. بالنسبة لنا، هذه المعادلة تترجم في أن يكون مارونيّ أصيل، ابن رعيّة مترعرعاً على المحـبّة والصّلاة، شاربًا “روحيّة قنّوبيّن” التي هي فعل صلاة وصوم وصبر وصلابة وصمود، ونفحتها حريّة وكرامة إنسان وإخاء وتعاضد. إن يكون رياديًّا، ذا رؤية ثاقبة ومهمّة واضحة، واسع العلم والمعرفة في استنباط وتخطيط الاستراتيجيات السياسية والاقتصاديّة والاجتماعيّة، ولديه القدرة والإرادة على تنفيذها ومراقبة حسن سيرها. يجب أن يكون أيضًا متبحرًّا في تاريخ طائفته وقيمها ومدركًا أوضاع الإقليم. كما، أن يكون شجاعًا، لا متهورًا ولا جبانًا، في طرح الأمور واتخاذ القرارات الوطنيّة الصائبة، ومقدامًا في استنباط الحلول الوطنيّة والعلميّة من أجل تحقيق رفاهية المواطن واستدامة الوطن. الأهمّ أن يكون حرًّا…

هذا الرئيس، إن أتى، يجب أن يحمل “القضيّة اللبنانيّة”، التي هي المرادفة ل “القضيّة المارونيّة” من منطلق المقولة “الموارنة ولبنان توأم”، في وجدانه وأخلاقه وأفعاله وسلوكيّاته وقراراته. هذه القضيّة تتمحور حول الثلاثيّة الماسيّة: “المحبّة والحرّية والانفتاح”. المحبة هي فعل إنسانيّ، تحفّز اللبنانيّين، على الرغم من مجتمعهم المركّب، وتحالفاتهم المعقّدة، وكراهيتهم المتبادلة لبعضهم البعض، أن يسعوا إلى العيش بوئام ومحبّة تحت سقف أقدم أوطان المعمورة.

أمّا الحريّة، فهي إنسانية بحتة، حيث يعيش الإنسان كرامته الإنسانيّة بعيدًا عن سلوكيّات الجهل المقدّس وأفعال المحارم والمعاصي، والانسحاق في التديّن الإجراميّ، وخيانة الوطن. ما الانفتاح، معطوفًا على التسامح الإنسانيّ غير الدينيّ، إلّا الذي يمكّن الإنسان اللبنانيّ من التواصل الأنثروبولوجيّ مع الآخر بمحبّة وحرّية ووعي، ويسمح بالتفاعل الثقافيّ والحضاري مع كافة شعوب العالم المتحضّر من أجل استنباط الفكر الحرّ والنيّر، والتفاعل الخيّر، ولوضع حدّ للانغلاق الحضاريّ، والجمود الفكري الذي فُرض على اللبنانيّين. هذه هي الرسالة التي طالب البابا القدّيس أن يحافظ عليها اللبنانيّون عمومًا، والموارنة خصوصًا، ويصونونها خير صيانة. وما نجح موارنة لبنان ومسيحيّوه بتحقيقه، في لبنان، مع المسلمين، يكاد لا يوجد في أيّ بلد من بلدان العالم.

“القضيّة اللبنانيّة” هذه، يحملها، على مر تاريخهم، الموارنة الأمناء، بصلابة، بعناد، وبانفتاح. بسببها، كانوا عرضة للقتل والتهجير والتنكيل، وما يزالون. الكلّ يريد القضاء عليهم، لأنّ مشروعهم الإنساني اللبنانيّ نقيض التخلّف والاستبداد والظلم والكراهية والتوحش والجهل المستشري في هذه البقعة من الأرض. ولكن مصيبة الموارنة ونتائجها، أنّهم يقعون دومًا في حالة من عدم الاتّزان عندما يسعون إلى السلطة ليحوّلوها إلى التسلّط المجبول بالحقد والكراهيّة. ووصفها ببساطة، الأب ميشال حايك بأنّها: “تستفحل أزمة الموارنة دومًا إحباطًا وهزائم… ينهزمون، ولكنّهم لا ينكسرون.” ويضيف: “المارونيّة هي قضيّة كبيرة، حملها رجال صغار…فأسقطوها وأسقطتهم.”

بما أنّ الوضع الماروني أصبح خارج الزمان والمكان، وبات يتطلب معالجة جذريّة بناءً على القيم والأخلاق المارونيّة الموروثة، ومن أجل مستقبل زاهر للموارنة وللبنان، يجب عليهم، وقبل كلّ شيء أن يتصالحوا مع الحقيقة والحقّ، وبالتالي مع أنفسهم. “فلأضحّ أنا وليعش لبنان”… شعار أطلقه يوسف بيك كرم، يصلح أن يكون شعار هذه المرحلة في انتخاب رئيس الجمهوريّة، الذي من المفترض أن يكون صناعة مارونيّة ولبنانيّة بالإنتخاب لا بالتعيين، ومن أجل كلّ لبنان. بناءً على ما تقدم، مع الأخذ بعين الاعتبار بأنّ الموارنة لن ينتظموا، نقترح الحلّ التالي:
بمبادرة من بكركي وبرعايتها، تؤلف هيئة استشارية خلال شهر آب، تعرف ب “الهيئة الانتخابيّة المارونيّة” وتكون مؤلفة من موارنة ذوي السيرة الحسنة والأيادي البيضاء والخبرة الوافرة. أعضاؤها ينتقون وفقًا لآليّة شفّافة وصارمة يضعها مجلس المطارنة. تتمثّل جميع القطاعات الإنتاجيّة والعلميّة والتربويّة والثقافيّة والفكريّة بنسب عادلة. إضافةً إلى المجتمع المدنيّ، يتمثّل الانتشار بحسب الأبرشيات. مهمّة هذه الهيئة تنحصر في المساعدة في إيصال الرئيس المنشود، على أن لا يكون عسكريًّا أو أمنيًّا أو رجلا دين، وفقًا لآليّة انتخابات تمهيديّة فعّالة وشفّافة يضعها الخبراء والقيّمون. الهدف الأوحد هو إيصال مرشحين اثنين إلى مجلس النوّاب لينتخب اللبنانيّون الرئيس العتيد. يستمر اجتماعهم إلى حين التوصل إلى قرار يتّخذونه بالتفاهم، وفي أسوأ الأحوال بالإجماع الأكثري بما يفوق ثمانين بالمائة من الأصوات. تكون مدّة هذه العمليّة شهرين غير قابلة للتجديد لتنتهي في آخر تشرين الأوّل. أمّا آليّة الترشّح فتكون على الشكل التّالي:
1. ينسحب “الأقوياء” الأربع، بكلّ محبّة وتجرّد، من حلبة السباق، ويرشّح كلّ واحد منهم مرشّحًا واحدًا وفق المواصفات الواردة أعلاه
2. يقدّم النوّاب المستقلّين المسيحيّين مرشّحًا واحدًا
3. يذكي مجلس المطارنة الموارنة مرشّحين اثنين
4. تقدّم الرهبنات المارونيّة الثلاثة مرشّحًا واحدًا عن كلّ رهبنة
5. تتقدّم المجموعات “الثوريّة” أمثال “لبنان الندوة” و”منتدى الأرز” و” نحو الحرّية”… بمرشّحين اثنين
6. يقدّم الانتشار ثلاثة مرشّحين ينتمون إلى الأبرشيات المارونيّة في الانتشار
7. يرشّح المتقاعدون من القضاة والمحامين والمهندسين والأطبّاء والإعلاميّين والصناعيّين والمزارعين والسياحيّين ورجال الأعمال، من خلال النقباء السابقين، مرشّحين اثنين
8. يرشّح المفكّرون والكتّاب والمبدعون والبيئيّون والأستاذة الجامعيّين مرشّحين اثنين
9. يتقدم المرشّحون ببرامجهم الرئاسيّة إلى الهيئة الانتخابيّة حيث يتمّ دراستها وإبداء الرأي وفق الآلية أعلاه
10. تتم عمليّة التصفيات بكلّ حرفيّة وشفافيّة وسلاسة وروح رياضيّة
واخبزوا بأفراح الجمهوريّة…