الخوري أنطوان الدويهيّ/رحمة الله … رد إيماني على البعض من المتشدِّدين الذين يطلقون فتاوى تقول: لا تجوز رحمة الله على مسيحيّ يموت

135

رحمة الله … رد إيماني على البعض من المتشدِّدين الذين يطلقون فتاوى تقول: “لا تجوز رحمة الله على مسيحيّ يموت”.
الخوري أنطوان الدويهيّ/03 أيلول/2022

بعد موت أحد المشاهير المسيحيِّين، يبدأ الناس بالترحُّم عليه متأسِّفين على رحيله المفاجئ لاسيَّما إذا مات فجأة بحادث سير كما جرى للفنَّان المرحوم جورج الراسي، إلاَّ أنَّ بعضًا من المتشدِّدين يطلقون فتاوى: “لا تجوز رحمة الله على مسيحيّ يموت”. وأنا أقول معهم: “نعم، لا تجوز الرحمة على مسيحيّ مات قتلاً، أو بحادث وحتَّى بطريقة طبيعيَّة. نعم، يجب ألاَّ نطلب له الرحمة أبدًا. بل يجب أن نطلب رحمة الله بشكل خاصّ لأولئك المتشدِّدين”.

وهنا أسألك يا قارئي العزيز: أنعطي كأس ماء بارد، لإنسان شرب ماء باردًا حتَّى ارتوى؟ ألا يمتنع عن أخذه، قائلاً لنا: شكرًا، لقد ارتويت؟ فكيف إذًا نطلب رحمة الله على إنسان غمره الله برحمته حتَّى قبل أن نسأل الرحمة له؟

كيف نطلق على الله أنَّه الرحمان الرحيم، إن كانت توجد على الأرض خليقة أرحم منه؟ أيُعقل أن تكون هناك خليقة أرحم من خالقها؟ كلُّ من يموت ينال رحمة الله الذي خلقه مسترجعًا منه الحياة الزمنيَّة ليعطيه حياة أبديَّة حيث لا وجع ولا ألم بل فرح دائم.

أمّا لماذا تجب الرحمة على هؤلاء المتشدِّدين؟ لأنَّ بكلِّ بساطة، يطلقون فتاوى لا تمتُّ إلى الله الحقيقيّ بأيَّة صلة! فهم يحجِّمون الله ويجعلونه على قدر تفكيرهم وعقائدهم بل ودينهم. فالله أرفع من كلِّ تفكير وعقيدة ودين. وإن كان الله خالقُ البرايا كلِّها، يميِّز بين دين وآخر، بين إنسان وآخر، يرحم إنسانًا ويترك آخر دون رحمة، فهو ليس الله الحقيقيّ، بل هو إله مزاجيّ، هو “صناعة” إنسانيَّة، خلقه تفكير هذا أو ذاك، ويمكن أن نصفه بأنَّه إله حقود، منتقم من الذين لا يعتقدون بديانة أولئك المتشدِّدين المتزمِّتين، أيًّا كان دينهم.

وبالتالي هم يعبدون إلهًا هو أقرب إلى الشيطان الرجيم من الله الحقيقيّ الذي وجب عليهم أن يعبدوه، وإن شاؤوا أن يطلقون فتاوى فعلى قدره هو، لا على قدرهم هم. لهؤلاء توجب رحمة الله الحقيقيّ علَّه يعيد إليهم صوابهم ورشدهم فيبتعدون عن عبادة إله غير الله ويرجعون عن غيِّهم وضلالهم اللذين يحجبان عنهم رؤية الله الحقيقيّ.

إن قال المسيح يومًا: “أنا أشفق على هذا الشعب”، فأنا أردِّد معه قائلاً: أنا أشفق على هؤلاء المتشدِّدين، لأنَّهم لا ينظرون أكثر من أنْفهم ولا يرون الآخرين إلاَّ من خلال عقائدهم المتصلِّبة وقلوبهم المتحجِّرة.

يا إله الرحمة والحنان، يا إله المحبَّة الكاملة، يا أيُّها الرحمان الرحيم، يا مَن خلق الإنسان، جبله من تراب ونفخ فيه نسمة من روحه، يا مَن يُعيد إليه كلَّ نفس خرجت من هذا العالم، ارحَمْ شعبك المتشدِّد والمتزمِّت الذي يعبد سواك دون أن يدري، وأزحِ البرقع عن قلبه وبصيرته وعينيه لكي يراك على حقيقتك أنَّك إله رحمة لا حقد، إله حياة لا موت. آمين.