الكاتب والمخرج يوسف ي. الخوري: لو كنتُ بشير الجميّل (الجزء الثاني)…هل مِن مرشح اليوم، ثائر حقيقي، يجرؤ على القول إنّ العلّة هي في الدستور نفسه وليس في تطبيقه، كما وفي اتفاقيّات “التعاون والأخوّة والتنسيق” التي تعلو فوق هذا الدستور

430

تحية من القلب والوجدان ليوسف المميز، والخميرة اللبنانوية.
الياس بجاني/30 آب/2022
يوسف الخوري كما دائماً، هو برأيي المتواضع لبناني مميز، وسيادي بامتياز، لأنه بجرأة، وعلى خلفية مفاهيم وثوابت وقناعات سيادية ولبنانوية، وعن معرفة واطلاع وصدق وعمق ثقافي وتاريخي، يشهد للحق وللتاريخ ولا يساير أحد. هو فعلاً ظاهرة فريدة تجمع بجدارة بين السياسة والتاريخ والفن بأسلوب فريد وغير مسبوق في عالم الصحافة. اسلوب كتاباته فني مشوّق ومتوج بلغة متمكن من أصولها وقواعدها ومفرداتها. يصيب الهدف في كل كلمة يكتبها لأنه يقرأ أكثر من كتاب ويراجع عشرات الوثائق قبل أن ينشر أي مقالة. ولهذا هو مزعج ومستفز ومرفوض لمن هم في خانة قطعان أصحاب شركات الأحزاب كافة ودون استثناء واحد. تحية من القلب والوجدان ليوسف المميز، والخميرة اللبنانوية.

لو كنتُ بشير الجميّل… (الجزء الثاني)
الكاتب والمخرج يوسف ي. الخوري/30 آب/2022

قد يجد البعض مبالغة في تحديدي مواصفات رئيس الجمهوريّة، لكنّي أكتفي بأيّ مرشح يُدرج في مشروعه أيّ نقطتين أو ثلاث من تلك التي حدّدتها أعلاه، شرط أن يكون قد أعدّ نفسه، على غرار بشير الجميّل، ليستحقّ أن يتقدّم إلى الرئاسة، وأن تكون لديه خطة بديلة جاهزة، يؤازره فيها الشعب، لاقتحام البرلمان وتدميره على رؤوس محتليه من “النوّاب” في حال لم ينتخبوه بملء إرادتهم، ولن ينتخبوه! بأقلّ من ذلك لا داعي ولا منفعة من الترشّح.

*****

ليس جميع الناس موضوعيين حين يقرأون مقالاتك، إنّما هناك مِن بينهم مَن يتابعون كتاباتك بحثًا عمّا يُرضيهم أو يشيد بزعيمهم، وفي حال لم يجدوا ضالتهم في موضوعك، يُعلّقون عليه حاشرين أفكارهم المسبقة، بغضّ النظر ما إذا كانت ذات صلة بالموضوع أو لا.

أشرنا في الجزء الأوّل من المقالة الحاضرة إلى أنّ أهليّة الترشّح إلى رئاسة الجمهوريّة لا تأتي من سراب، ولا تقوم على النجاح في عالم المال والاقتصاد وإدارة الشركات، وإنّما على قدرة المرشّح على إعطاء أملٍ للناس، وعلى كفاءته في إنجاز وعوده.

بعد نشر الجزء الأوّل، جاءتني الانفعالات من كلّ الجهّات، وأغلبها لا علاقة له بجوهر كلامي. هذا يُريد أن يتباهى بأنّه قرأ كتاب “أسرار حرب لبنان” لـِ “آلان مينارغ”. وذاك يرى أنّ ميشال عون أعظم من بشير الجميّل، لكن كيف يقولها. وثالث تفاجأ من أنّي أنا ابن “الصفرا” أقدّم هذا المضمون عن بشير…الخ.

السيّد ألفرد ماضي، صاحب الدور الأبرز مع الأميركيين في حملة بشير الانتخابيّة، اتّصل بي مباشرة ليعبّر عن عدم موافقته على مقاربتي بشأن عدم انقلاب بشير على الصيغة، وهذا موقف أحترمه للغاية لأنّ السيّد ماضي تناول مقالتي بجوهرها وناقشها بموضوعيّة، مميّزًا بين ما هو حقائق وموثّق، وما هو تحليل واستنتاج، وقائلًا بالحرف: “أنت مطّلع على محاضر اجتماعاتنا داخل الأبواب المغلقة، ولا أعرف من أين وصلت إليك. وبالرغم من صحّة معلوماتك، فأنا لا أتّفق تمامًا مع مقاربتك”.

“العونيّون” أخذوا الموضوع إلى غير مكان: “ماذا كان بشير ليفعل لو كان في مواجهة البطريرك صفير وسمير جعجع اللذين “باعا” لبنان في الطائف.
“القوّاتيّون” بدورهم ضيّعوا الموضوع وفي نفسهم رغبة في التأكيد على أنّ بشير الجميّل كان سيفشل لو كان ميشال عون قائدًا للجيش في زمانه.

الفرضيّتان خاطئتان وخارج سياق مقالتي، والصواب هو أن نسأل ماذا كان كلّ من ميشال عون وسمير جعجع ليفعل لو كان مكان بشير في مطلع ثمانينيّات القرن الماضي؟ لكن مع ذلك سأجيب على عَمَى “العونيين” و “القواتيين”، ولو من خارج الموضوع.

لو كان بشير مكان ميشال عون عام 1989 في 14 شباط، يوم اصطدم الجيش والقوّات أوّل مرّة، لَمَا أوقف المعركة إلّا بإزاحة سمير جعجع من المعادلة، وكلّنا يعرف أن القوّات يومها تفاجئوا بقدرات الجيش الذي راح يشقّ طريقه لإسقاط المجلس الحربي، ما اضطر جعجع إلى تقديم التنازلات ليوقف عون الهجوم.

ولو كان بشير مكان سمير جعجع وفي وجهه عون يهدّد أمن المناطق المسيحيّة، لما تردّد للحظة واحدة في إنهاء عون.

ببساطة يا شباب، بشير ليس سميرًا الذي لا يخوض معركة إلّا ضامنًا فوزه فيها، كحين رفض المشاركة في معركة زحلة عام 1981 إذ تَوَهّم أنّها خاسرة، بينما رفاقه خُيّروا بين البقاء والموت، أو الانسحاب، فاختاروا البقاء. وبشير ليس ميشال عون الذي طلب من قائد جيشه العميد إبراهيم طنّوس تأجيل زيارة جبهة سوق الغرب حتّى تامين ملالة ينتقلون فيها كون مدفعيّة الخصم تمشّط المنطقة بعنف. فأجابه طنّوس: “حياتنا ليست أثمن من حياة جنودنا، وعيب علينا أن نشعرهم بأنّهم أشجع منّا”.

لنعد الآن إلى مقالتي، وقد أطلنا في الخروج عن مضمونها، ودعونا نُسقِط تجربة بشير الجميّل على الـ quo status القائم اليوم في البلاد، ولنستخلص ما الذي يجعل المرشح إلى الرئاسة خليقًا بالتقدير.

في غضون ساعات على انتخاب بشير الجميّل، عاد التيار الكهربائي 24/24. انخفضت أسعار السلع في الأسواق. عادت إلى الهاتف الأرضي الحرارة. اكتظت الشوارع بالسيارات. توجّه موظّفو القطاع العام إلى مراكزهم بانضباط، ومانعين عن أنفسهم كلّ رشوة. عادت الحياة إلى المدينة وبسحر ساحر انتهت الحرب في أقلّ من 24 ساعة.

هل مِن مرشح اليوم نستطيع أن نثق بأنّه في حال انتخابه؛ ستعود الكهرباء إلى بيوتنا بكبسة زر، والدولار سينخفض إلى دون العشرة آلاف ليرة ويوحَّد سعره، وسيُنهي القضاة وموظفو القطاع العام إضرابهم بأقلّ من 24 ساعة؟

غداة انتخاب بشير الجميّل رئيسًا، اتّصل به وليد جنيلاط سائلًا إيّاه “أبقى أم ارحل؟” أجابه الرئيس “لا مكان لك، ارحل.” هنا، تنازل بشير مضطرًا لأنّه أخذ السلطة تحت سقف “الصيغة” التي تمنع عليه أعرافها محاكمة ومحاسبة زعيم طائفة وازنة في المعادلة اللبنانيّة، ولست أرى أيّ سبب آخر كان سيمنع بشير من القول لجنبلاط: احمل بيجامتك وفراش اسفنج، وسلّم نفسك فورًا في أقرب مغفر، بانتظار محاكمتك بتهمة الخيانة العظمى والتآمر على الجمهوريّة مع “القلعوط” عرفات.

هل من مرشّح اليوم يستطيع أن يُفصح للزعماء الذين جعلوا من لبنان وكر لصوص، وحوّلوه من نظام ديمقراطي إلى نظام كليبتوقراطي، بأنّه متى انتُخب رئيسًا سيحاكمهم باسم الشعب بتهمة الخيانة العظمى، على غرار ما فعل الجنرال ديغول بفاشيّي حكم “فيشي”؟

وهل مِن مرشح اليوم، ثائر حقيقي، يجرؤ على القول إنّ العلّة هي في الدستور نفسه وليس في تطبيقه، كما وفي اتفاقيّات “التعاون والأخوّة والتنسيق” التي تعلو فوق هذا الدستور؟ فيشترط منذ الآن التوسّع بالصلاحيات المنوطة به في المادة 52 من الدستور، بحيث يَسعَه إلغاء الاتفاقيّات الفضيحة المشار إليها، والتي هي في الواقع قائمة على الـ لا تعاون ولا أخوّة ولا تنسيق، وما الغاية منها سوى ارزاح لبنان تحت القبضة الاقليميّة، وتقييد حركته الأمنيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة.

وهل من مرشّح اليوم بمقدوره أن يُعطي الأمل للشعب ويُشعره بأنّه سيكون الرئيس المنقذ القادر فعلًا على التغيير والمحاسبة؟ وهو يُدرك أنّ التغيير:
لا يكون بالادّعاء “ما خلّونا” وأنت تملك كلّ شيء.

ولا يكون بالبكاء ولَوْم الشعب لأنّه لم يُعطِك الأكثريّة “لتتمكّن من أن تحكم”، بينما أنت لم تفعل شيئًا طيلة العقدين الماضيين لكي تستحقّ الأكثريّة.
ولا يكون بالتباهي بالانتماء إلى خطّ ممانع إرهابي يحتلّ القرار اللبناني.

ولا يكون بإطلاق الضفادع الالكترونيّة لإيهام الناس بأنّه لا يوجد أهم من “فلان” (زعيمهم) للرئاسة كونه منظّم، ويملك كتلة نيابيّة وازنة، ويأتيه دعم وأموال من دول اقليميّة، وقادر على التعاطي مع حزب الله من الندّ للندّ في المرحلة المقبلة.

وهل من مرشّح يجرؤ على المجاهرة بأنّ مصلحة لبنان واللبنانيين هي في الخروج من المحاور، وبأنّه سيدعو كرئيس إلى تطبيق القرارات الدوليّة الخاصة بلبنان، وسيُحقّق الحياد الكامل من دون لفّ ودوران، وسيبدأ مفاوضات سلام مباشرة مع “الأعداء” ضمانًا لاستقلال لبنان وحريّة شعبه.

قد يجد البعض مبالغة في تحديدي مواصفات رئيس الجمهوريّة، لكنّي أكتفي بأيّ مرشح يُدرج في مشروعه أيّ نقطتين أو ثلاث من تلك التي حدّدتها أعلاه، شرط أن يكون قد أعدّ نفسه، على غرار بشير الجميّل، ليستحقّ أن يتقدّم إلى الرئاسة، وأن تكون لديه خطة بديلة جاهزة، يؤازره فيها الشعب، لاقتحام البرلمان وتدميره على رؤوس محتليه من “النوّاب” في حال لم ينتخبوه بملء إرادتهم، ولن ينتخبوه! بأقلّ من ذلك لا داعي ولا منفعة من الترشّح.

قد يكون رفاق بشير الذين خابروني بالأمس على حقّ بأن الانقلاب كان سيجرّ المصائب، خصوصًا أنّ فيليب حبيب ومناحيم بيغن لم يُعطوا الضوء الأخضر عليه، لكنّي مصرّ على أنّ بشيرًا تميّز بصفات قياديّة جعلت منه الخيار الذي يُريده الجميع في الداخل والخارج، ولم يكن هناك بديل عنه.

أكرّر آسفًا أنّ بشير الثائر في قلبه ووجدانه، والقويّ بحب شعبه، غلبه بشير الصيغة.

المنظومة “الكليبتوقراطيّة” القائمة لا يودي بها إلّا انقلاب ومحاسبة لا تعرف الرحمة، ولا تعرف زعيمًا، ولا رجل دين، ولا مقاول ولا رجل مصرف. فلنستفيد من خطأ بشير.

أأنا حالم؟ السينمائي وظيفته أن يحلم ويبالغ ويكون رائدًا في التفكير. حين عالج فيلم “ترون” عام 1982 موضوع الفضاء الافتراضي، كان يُصنّف فيلمًا خياليًّا، أنظروا أين أصبحت اليوم وسائل التواصل. وحين كنّا نُشاهد أفلام 007 ويزرعون في ذراع “جيمس بوند” كبسولة لتحديد موقعه الجغرافي، كنّا نقول “ليك هالتفنيص”، أنظروا اليوم كيف نحن تحت أنظار المخابرات حتّى في فراش نومنا. فلا شيء مستحيل.

********************************************
لو كنتُ بشير الجميّل…الجزء الأول
الكاتب والمخرج سوسف ي. الخوري/27 آب/2022

هل من بين المرشّحين الموارنة اليوم مَن يجرؤ على الإعلان بأنّه سيطالب رسميًّا كرئيس للجمهوريّة بوضع لبنان تحت البند السابع حتى نزع آخر رصاصة غير شرعية ِمن أيدي الخونة، وبأنّه سوف يُحاكم حزب الله ويُلزمه بالتعويض على لبنان واللبنانيين عن الخسائر التي جنى عليهم بها جرّاء سلوكه الدنكشوطيّ؟ ؟
وهل مِن مرشّح، ثائر حقيقي، يجرؤ على القول إنّ العلّة في الدستور نفسه وليس في عدم تطبيقه، فيُطالب منذ الآن، على غرار الكبير شارل ديغول، بصلاحيّات إضافيّة للرئيس كي لا يكون عهده رحلة سياحية في غيهبِ قصرِ الرئاسة؟
إذا كان هكذا مرشّح موجودًا، فليرفع يده عاليًا لنزكّيه.
******
يقول العماد إبراهيم طنّوس في مذكّراته غير المنشورة “إنّ الشيخ بشير يتمتع بشخصيّة قياديّة مميّزة، ويسعى علنًا إلى السلطة”، ويُضيف أنّ “الوزير طوني فرنجية والسيّد داني شمعون والشيخ أمين الجميّل كانوا ينافسونه على الزعامة، فأزاحهم من طريقه الواحد تِلوَ الآخر تحت شعار توحيد البندقيّة”. ويتابع العماد طنّوس قائلًا: “فَهِم بشير أنّ إزاحة المنافسين لا تكفي لفوزه بالسلطة، وأنّه يجب عليه المراهنة على مطلب شعبي أساسي وكسبه، فاندفع إلى إخراج السوريين من المناطق الشرقيّة، وأثبت أهليّته لزعامة البلاد”.
إنّ المتمعّن في السطور القليلة أعلاه، يُدرك تمام الإدراك أنّ بشيرًا استخدم استراتيجيّة واعية ومُتقنة ليستحقّ السلطة، قبل أن يحتسب عدد النواب الذين سيصوّتون لصالحه، أو يسترضي فلان “وعِلْتان” لانتخابه. فهو قد أيقن أنّه بحاجة إلى تكوين حالة شعبيّة حول شخصه، وأنّ تكوينها مرتبط حتميًّا بعناصر وقواعد هي:
1. وقوع شدائد وأخطار مُهدّدة؛ وكان لبنان حينذاك يُعاني من تآمر أهل السنّة والأحزاب اليساريّة والغرباء الفلسطينيين على الجمهوريّة.
2. وجود أمل للخروج من الأزمة الحاصلة؛ وهنا تمكّن بشير من خلال شخصيّته الجاذبة (الكاريزما)، وقدرته على إزاحة منافسيه، أن يُعطي الأمل للناس.
3. تحويل الأمل إلى حقيقة وايمان راسخين؛ وهنا استفاد بشير من انتصار أحزاب الجبهة اللبنانيّة في معركة المائة يوم بالأشرفيّة، ومن صمود القوّات اللبنانيّة في وجه جحافل السوريين والمتآمرين على لبنان في زحلة. وما عزّز إيمان الناس ببشير أكثر، هو تصميمه على إخراج الغرباء وتحرير لبنان منهم.
استكمل بشير تكوين حالة شعبيّة مسيحيّة راسخة حوله، وتحوّل بسرعة غير اعتياديّة من “ميليشياوي أزعر” إلى زعيم سياسي يتمتّع بصفات رجل الدولة الوطني، ومع ذلك، بقي طريقه إلى الرئاسة غير معبّد، إذ ينقصه قبول المسلمين به، واستقطاب الدعمَين العربي والدولي له.
تحرّكت مجموعات الضغط المحليّة والدوليّة للتمهيد لترشيح بشير إلى الرئاسة، فنشط في الداخل ومع سوريا الكتائبيون المخضرمون أمثال جوزيف أبو خليل وجورج سعادة وكريم بقرادوني، وتحرّك زاهي البستاني باتّجاه الدروز، وتولّى فيليب حبيب اقناع الإدارة الأميركيّة، ومناحيم بيغن كان متفهّمًا ولم يضع شروطًا على تحرّكات هذا “اللوبي”، حتّى إنّه بارك توجّه بشير إلى السعوديّة وشجّعه. تتوّجت كلّ هذه الخطوات بدعم الرئيس الياس سركيس لبشير، وبتبنّي الجبهة اللبنانيّة ترشيحه مجتمعة، وليس حزب الكتائب منفردًا.
أهمّ خطوة خلال تحرّكات مجموعات الضغط جاءت من بشير نفسه، وقد تجلّت بمجاهرته طيلة الوقت بأنّ الرئيس المقبل لن يكون إلّا لبنانيًّا، ولن يخضع لشروط أحد، لا للفاتيكاني ولا للأميركي ولا للسوري.
في كلّ ما سبق، كان بشير يعمل على تأهيل نفسه للرئاسة ولم يكن قد فكّر بعد باكتمال نصاب جلسة الانتخاب، أو بعدد النواب الذين سيؤيّدونه، أو حتّى برأي صائب سلام، ورشيد كرامة، وسليمان فرنجية، ووليد جنبلاط ونبيه برّي…
لكن أين وقع بشير؟
بعد أن تخلّص من آخر منافسيه، داني شمعون، التأمت لجنة الدراسات الاستراتيجيّة التي تعمل له، وتقرّر وضع خطة لاستيلائه على الدولة، وكُلّف بوضعها كلّ من أنطوان نجم والمقدّم ميشال عون (الرئيس الحالي) بسريّة تامة وبعيدًا عن الأضواء.
عاد الرجلان بعد خمسين يومًا بخطّتين لوضع اليد على السلطة، إمّا بانقلاب وإمّا عبر المؤسّسات الدستورية. اختارت غالبيّة أعضاء اللجنة الخطّة الدستوريّة وتركوا الانقلاب كخيار احتياطي، وهنا كانت “زحطة” بشير الأولى؛ هو ثائر على الصيغة التي طالما وصفها بالمزرعة، وطالما دعا إلى تغيير قواعدها المعمول بها، لذا، كان عليه أن يبقى متجانسًا مع طروحاته وشخصيّته، وأن يختار الانقلاب والقوّة، وليس المسار الانتخابي الكلاسيكي! “لا تستطيع القيام بثورة اعتمادًا على وسائل دستورية”، قال له سليم الجاهل أحد أعضاء اللجنة الاستراتيجيّة، “أنت يا بشير ظاهرة سياسيّة يجب أن تقلب النظام رأسًا على عقب دون أن تحسب حسابًا للدستور”. وبكلام من عندي في السياق نفسه أقول: انتفض بشير على الصيغة ثمّ ما لبث أن مَوضَعَ نفسه تحت سقفيها العرفي والدستوري!
بمجرّد الإذعان للمسار الكلاسيكي، تحتّم على بشير التفاوض والمسايرة للوصول إلى الحكم، وبالتالي تغاضى عن المحاسبة، ومدّ يده إلى اللبنانيين المخرّبين، حلفاء ياسر عرفات، عوض محاكمتهم بالخيانة العظمى وإيداعهم السجون أو إعدامهم! وهنا كانت “الزحطة” الثانية والمميتة التي لا يزال المسيحيون يدفعون ثمنها لغاية اليوم.
قد يظنّ البعض أنّه لم يكن بمقدور بشير الاستيلاء على السلطة بالقوّة، والمحاسبة. بلا، لأنّ اللبنانيين جميعًا وقفوا خلفه في النهاية ورأوا فيه المنقذ. العالم العربي والإسلامي قبِل به وتخلّى عن ياسر عرفات. العالم الغربي أعطاه كامل الدعم، والإسرائيليون لم يعاملوه إلّا ندّيًا حتّى نفَسِه الأخير!
وقد يقول لي البعض الآخر أن يدَ الاغتيال كانت ستطال بشيرًا حتّى ولَو أتى إلى السلطة بانقلاب، وهذا أكيد، لكنّه كان يستحقّ المغامرة، كما أنّ سليم الجاهل كان يستحقّ أن يسمعه بشير.
في الخلاصة، بشير الثائر في قلبه وروحه ووجدانه المسيحي، غلبه بشير الصيغة والعيش المشترك، فكان الثمن لبنان! وللأسف، لا يزال المرشّحون الموارنة، وبطريركهم الراعي للأربعة الأقوياء، يأملون بالتغيير من داخل المنظومة “الكليبتوقراطيّة” النتنة. يُساكنون الخائن والمحتلّ للقرار اللبناني داخل البرلمان، ويرون الحلّ برئيس ماروني قادر على التعاطي من الندّ إلى الندّ مع الخائن حزب الله. للأسف وألف للأسف على هكذا موارنة!! بشير الجميّل ربّما أخطأ حين مدّ يده للمجرمين اللبنانيين حلفاء ياسر عرفات، لكنّه في المقابل لم يُهادن المخرّب عرفات لمّا أتت ساعته، وقال له بحسم: “انتهى زمن المناورات، عليكم أن تغادروا لبنان، كلّ لبنان”.
هل من بين المرشّحين الموارنة اليوم مَن يجرؤ على الإعلان بأنّه سيطالب رسميًّا كرئيس للجمهوريّة بوضع لبنان تحت البند السابع حتى نزع آخر رصاصة غير شرعية ِمن أيدي الخونة، وبأنّه سوف يُحاكم حزب الله ويُلزمه بالتعويض على لبنان واللبنانيين عن الخسائر التي جنى عليهم بها جرّاء سلوكه الدنكشوطيّ؟ ؟
وهل مِن مرشّح، ثائر حقيقي، يجرؤ على القول إنّ العلّة في الدستور نفسه وليس في عدم تطبيقه، فيُطالب منذ الآن، على غرار الكبير شارل ديغول، بصلاحيّات إضافيّة للرئيس كي لا يكون عهده رحلة سياحية في غيهبِ قصرِ الرئاسة؟
إذا كان هكذا مرشّح موجودًا، فليرفع يده عاليًا لنزكّيه.
في الجزء الثاني من هذه المقالة صباح الاثنين 29 الجاري، سوف نقارب تجربة بشير الجميّل الرئاسيّة، بأخطائها وصوابها، كي نحدّد مواصفات الماروني الذي يستحقّ أن يكون رئيسًا. لماذا بشير وليس غيره؟ لأنّ الظرف الذي صعد فيه يُشبه إلى حدّ كبير ما نعيشه اليوم، لاسيّما أنّ اللاعبين بغالبيّتهم هم هم، باستثناء حلول سلاح حزب الله مكان السلاح الفلسطيني.