بول ناصيف عكاري/حلّ عنّي…أنا الله مكلّفني

89

“حلّ عنّي…أنا الله مكلّفني”
بول ناصيف عكاري/18 آب/2022

لبنان، هذا البلد المركّب اجتماعيًّا والمعقّد دينيًّا ومذهبيًّا، توصّل أن يكون يومًا ما، عن حقّ أو غير حقّ، في نظر العالم المتحضّر، مختبرًا للتعايش الإسلاميّ-المسيحيّ، ورسالةً حضاريّة إنسانيّة للعالمين. ولكن، من مفارقة الدهر، أنّ #المنظومة_المافياويّة، ومن سبقها من الأشرار، عملت على تحوير “الله”، إلى كيان شرّير يدعى “الإله المافياويّ”، يباع ويشترى في سوق السلطة والمال والمظالم. وفق الحاجة والظروف، ومن أجل تسهيل عملهم الإجراميّ وشرعنته، وحماية أفعالهم السيئة من القوانين المرعيّة الإجراء، يُعطى هذا الإله أدوار شرّيرة ومتناقضة، وهويّات متعددة.

مؤخّرًا، تبيّن أنّ فرقة حزب الله، ومنذ زمن طويل، قد استحصلت، وفقًا لتصريح أمينها العام، من هذا الاختراع على تكليف خاص وحصريّ، محلّلاً لها استعمال جميع أنواع الشرور من أفكار وأعمال وسلوكيّات ووسائل وأدوات لإخضاع جمهورها وكلّ ما هو آخر. من المفترض أنّ يكون هذا الإله، قد جلس مع الحزب وأوليائه الفقهاء، وعقد معهم صفقة التكليف، وعهد عليهم إنجاز “الأمر”، وما أدراك ما هو هذا “الأمر”… وهذا التكليف، كما يتبيّن بالممارسة، يسمح لهذه الفرقة باستنباط “التكاليف الشرعيّة”، لحث الأتباع والجماهير على تغييب عقولهم ووعيهم وبصيرتهم، والتقيّد بمندرجاتها من دون أسئلة أو استفسارات. هذا الأمين، غير الأمين على لبنان، مكّنه هذا الإله من أن يصبح البطل التي تركض وراءه الأمّة، وتمنحه العصمة التي لا يمنحها الناس حتّى للأنبياء (العلّامة محمد حسين فضل الله).

هذا التكليف الوهميّ الممانع، ما هو إلّا هرطقة دينيّة تخالف أبسط مبادئ الشرع، ويضرب صميم فكر الإمام علي وسيرته، وخصوصًا عهده لمالك الأشتر، الذي يعتبر من أسس الحوكمة الشيعيّة الرشيدة والمتنورة. ويتناسى تشدّد الإمام على الحرّية الفكريّة، والحرّية السياسيّة، والكرامة الإنسانيّة. عليه، ألا يعتبر هذا التكليف شركًا بالله الواحد الأوحد؟ وكفرًا بالله وبشرائعه وبأهل البيت؟ أين الفقهاء والأغيار على الدين؟ على كلٍّ، الضرورات تبيح المحظورات… وتسمح بفعل ما لم يفعله الإمام علي الذي يقول: “إيّاك ومساماة الله في عظمته، والتشبّه به في جبروته، فإنّ الله يُذِلّ كلّ جبّار، ويهين كلّ مختال”.

ومن عدة الحزب المكلّف، وأدواة شغله المميّزة ،القفز، بكلّ راحة ضمير، فوق المحظورات الدينيّة والفقهيّة والإنسانيّة والوطنيّة لإنجاز “الأمر”. وذلك من خلال تزوير وتحوير النصوص الدينيّة والفقهيّة بتفاسير وشروح وتكاليف غير دينيّة غبّ الطلب، لصالح الغاية السياسيّة والماليّة والأمنيّة والسلطويّة، ولتحقيق “الأمر”، ألا وهو تحقيق “الأمميّة الشيعيّة” وحماية حدود إسرائيل. بذلك، يصبح الجمهور عابداً لهم، وليس لله. كما يصبح المتحالفون معهم، ملحقين خائنين تابعين خانعين خاضعين، وفاقدين للحريّة وللوطنيّة، وللأخلاق. بالمقابل، أعطي هذا الجمهور والخونة فائضًا من القوة الشرّيرة، مدعومين بسلاح إلهي، مكّنهم من “التّسلبط” على الآخر. وهذا ليس بجيّد! هذه السلوكيّات والأفعال سوف تترك تداعيات وانعكاسات سلبيّة عليهم في حال تغيّرت التوازنات.

“الضرورات تبيح المحظورات”…عذر أقبح من ذنب! بالنسبة لهذه الفرقة، انحصرت المحرمات بأكل الخنزير وشرب الخمرة ومخالفة أوامر الوليّ الفقيه. ولكن ما تبقّى من محرّمات، أصبحت ضرورات تبيح شرعًا، القتل والسرقة والزنا والتشبيح والرياء، وقتل الأبناء مجّانًا في حروب مجّانيّة، وصناعة المخدرات وتهريبها وترويجها، وسرقة الأراضي والمشاعات، والتهريب المنظّم، ونهب الدولة والسيطرة عليها وعلى مقدّراتها، والتحالف مع الفاسدين وحمايتهم، وتشكيل عصابات مسلّحة لاحتلال بيروت وغيرها من المناطق، وحماية القتلة والمجرمين، وقبع القضاة وضرب العدالة، وتكفير الآخر وتخوينه، واللائحة تطول هنا… للتذكير أيضًا، يعتبر الإمام علي في عقيدته، أنّ اغتيال الخصم السياسيّ والعقائديّ هو جريمة عظمى وحرام. بالتأكيد غاب عن بالكم، أنّ الاستخدام السيئ للدين في السياسة، والذي يمارسه الإسلاميّين على مرّ الزمان، نتيجته خطف الدين وتأخر بناء الدولة وفسادها.

وبالتواطئ مع بعض الخونة والمتلهفين إلى السلطة والمال، والزاحفين إلى “هيكل الكرسي المهترئ” والمنتهية صلاحيّتهم، أباح هذا التكليف تفكيك أُسُس الدولة، وتدمير كيانها، والسيطرة على مواردها ومقدّراتها، ومصادرة قرارها السياسيّ، واستباحة سيادتها، وتكوين حكومات صوريّة تعمل لتنفيذ مقتضيات “الأمر”. هذه العمليّة هي من المهمّات الأساسيّة للحرس الثوري، وأذرعه من فيلق القدس، والفصيل حزب الله. وها هو ينجح في تحقيقها في كلّ من لبنان والعراق وسورية واليمن. أضحت هذه البلدان بمعظم أطيافها ومناطقها مجتمعات بؤس وفقر وتخلف وجهل. مع التواجد المستمرّ لعناصر من الحرس الثوري الإيراني في لبنان، ومن خلال تصريحات رضا زاكاني، وحسن روحاني، وقاسم سليماني، فأنّ “إيران باتت تسيطر على أربع عواصم عربية” المذكورة أعلاه. وهذا ما يثبت الاحتلال الإيرانيّ للبنان بواسطة الحزب، المسلّح والممول بالدولار الأمريكي الطازج، وبرضى تام من إسرائيل.

حضرة الأمين العام، من يعطي التكليف هو الشعب اللبنانيّ الحرّ السيّد. نحن اللبنانيّون المؤمنون بلبنان، نعرف جيّدًا أننا نرزخ آنيًّا، تحت سلطتكم الكرتونيّة والشرّيرة. كما ندرك، أنّكم من دمّر مجتمعاتنا ووطننا. ومتيقّنين أنكم عملاء للوليّ الفقيه، ولمدى استباحتكم للسيادة الوطنيّة وللدولة بكلّ مفاصلها. والأهمّ، نأسف على وضعيّة جمهوركم المخدّر بأوهام غير مجيدة، زرعت في رؤوسهم باطلًا. وكما نتّهمكم، مع اتباعكم من #المنظومة_المافياويّة ، بأنكم الأساس في إيصال البلد إلى ما هو عليه من انهيارات ومآسٍ.

إذًا، وجودكم هو لتحقيق شيئين: إقامة “الشيعيّة الأمميّة”، وحماية حدود دولة إسرائيل والمحافظة على أمنها. تحقيق الأول يعتمد على التجاذبات الدينيّة في هذا الشرق اللعين…ولن يتحقق! أمّا الثاني، فواقع الحال يؤكد على أنكم رسختم، على الكرة الأرضيّة، أكثر الحدود أمنًا بين دولة إسرائيل ودويلتكم. ولا نستغرب أن يكون هنالك اتفاق تحت الطاولة ينظم كافة الشؤون والشجون بينكما. ونحن متأكّدون أيضًا، أنكم لن تحرروا القدس، ولا تبغون…

حضرة الأمين العام، عندما لن تعود فرقتكم حاجة إسرائيلية، سوف “تحلّ عنّا” تلقائيًّا، مع أتباعها وعملاءها وإلهها…عندئذ، ستُسلّمون السلاح طوعيًّا، وتسعون إلى العودة إلى لبنان الذي دُمّر على أياديكم. لن نقبل بكم، ولن تعتبروا الابن الضال، لأن ضلالكم هو الخيانة العظمى. جلّ ما نريد، هو استعادة إخواننا الشيعة المحرومين من الحريّة والعيشة الهنيّة، واستعادة لبنان الحياة والفكر والثقافة والطمأنيّة. نحن نريد بناء دولة العدالة والمساواة والأمان، كما أرادها الإمام محمد مهدي شمس الدين. شاء من شاء، وأبى من أبى، نحن نريد استعادة لبنان ال 10452 كما أراده، ويريده من تتهمهم دومًا بالعملاء.
على أمل أن تكون النهاية قريبة، لأنّ لكلّ ولادة نهاية…