د. توفيق هندي/”حزب الله”: العودة إلى الجذور …أنهى حزب الله مرحلة “لبننته” من خلال العودة الصريحة إلى مسلمات بيانه التأسيسي عام 1985 التي لم يتخلَّ عنها يوما” في الممارسة العملية

137

“حزب الله”: العودة إلى الجذور …أنهى حزب الله مرحلة “لبننته” من خلال العودة الصريحة إلى مسلمات بيانه التأسيسي عام 1985 التي لم يتخلَّ عنها يوما” في الممارسة العملية. (من الأرشيف)

د. توفيق هندي/اللواء/السبت 13 آب 2022

أنهى حزب الله مرحلة “لبننته” من خلال العودة الصريحة إلى مسلمات بيانه التأسيسي عام 1985 التي لم يتخلَّ عنها يوما” في الممارسة العملية. فبرزت علاقته العضوية بالجمهورية الإسلامية الإيرانية والتزامه بقيادة ولي الفقيه (المتجسد حاضرا” بالخامنئي) من خلال انخراطه الإستراتيجي في القتال في سوريا وخروجه عن لبنانية هدف “مقاومته” بإعلان السيد نصر الله في خطبته في “يوم القدس العالمي” إلتزام الحزب بهدف تدمير دولة إسرائيل.
ومما نقرأه في البيان التأسيسي لحزب الله عام 1985 تحت عنوان “من نحن وما هي هويتنا؟”، ما يلي:

” إننا أبناء أمة حزب الله التي نصر الله طليعتها في إيران وأسست من جديد نواة دولة الإسلام المركزية في العالم، نلتزم بأوامر قيادة واحدة حكيمة وعادلة تتمثل بالولي الفقيه الجامع للشرائط، وتتجسد حاضراً بالإمام المسدد آية الله العظمى روح الله الموسوي الخميني دام ظله.. مفجر ثورة المسلمين وباعث نهضتهم المجيدة. وعلى هذا الأساس فنحن في لبنان لسنا حزباَ تنظيمياً مغلقاً، ولسنا إطاراً سياسياً ضيقاً.. بل نحن أمة ترتبط مع المسلمين في كافة أنحاء العالم برباط عقائدي وسياسي متين هو الإسلام…”

“إن ما يصيب المسلمين في أفغانستان أو العراق أوغيرها إنما يصيب جسم أمتنا الإسلامية التي نحن جزء لا يتجزأ منها، ونتحرك لمواجهته إنطلاقا” من واجب شرعي أساسا”، وفي ضوء تصور سياسي عام تقرره ولاية الفقيه القائد”…

“جاءت هذه الاعتداءات المجرمة لتؤكد ما ورد في معتقداتنا الثابتة أنه {لّتّجٌدّنَّ أّشّدَّ النَّاسٌ عّدّاوّةْ لٌلَّذٌينّ آمّنٍوا اليّهٍودّ والَّذٌينّ أّشًرّكٍوا} [المائدة: 82]. “….

“وللحقيقة نعلن أن أبناء أمة حزب الله باتوا الآن يعرفون أعداءهم الأساسيين جيداً في المنطقة: إسرائيل، أمريكا، فرنسا، والكتائب.”…

“ندعو إلى إعتماد النظام الإسلامي على قاعدة الإختيار الحر والمباشر من قبل الناس…ونعلن أننا نطمح أن يكون لبنان جزءاً لا يتجزأ من الخارطة السياسية…التي يحكمها الإسلام وقيادته العادلة.”…

“إسرائيل يجب أن تزول من الوجود…وصراعنا مع إسرائيل الغاصبة ينطلق من فهم عقائدي وتاريخي… ولذا فإن مواجهتنا لهذا الكيان يجب أن تنتهي بإزالته من الوجود…. إن المقاومة الإسلامية التي أعلنت رفضها الالتزام بأية نتيجة تصدر عن المفاوضات، تؤكد على استمرار الجهاد حتى جلاء الصهاينة عن المناطق المحتلة كمقدمة لإزالتهم من الوجود.

من هنا، يتبين في شكل جليّ أن حزب الله هو حزب جهادي إسلامي، له منظوره الأممي ويقر بنظرية ولاية الفقيه ويلتزم توجيهات والي الفقيه وقراراته، وأنه مرتبط عضويا” بالجمهورية الإسلامية الإيرانية وأن مشروعه السياسي يتعدى الحدود اللبنانية، وهو في واقع حاله، مشروع أممي تقوده إيران الإسلامية ولا يشكل لبنان بالنسبة له إلا قاعدة انطلاق جغرافية. كما يتبين أن هدفه الإستراتيجي الرئيسي في هذه المرحلة هو إزالة دولة إسرائيل من الوجود وأنه يعارض أي تفاوض وأي حل سلمي معها.

وفي العام 1992، حصل حزب الله على مقاعد في المجلس النيابي. فدخل الدولة اللبنانية من باب السلطة التشريعية.

أما بعد جلاء الإحتلال الإسرائيلي من الجنوب بقرار إسرائيلي من طرف واحد، فقد أثيرت فجأة قضية مزارع شبعا، التي بصرف النظر عن حقيقتها وأحقيتها، إستُخدمت للإبقاء على عقد نزاع حامٍ مع إسرائيل، تعويضا” لخسارة حزب الله الإحتلال الإسرائيلي لجنوب الليطاني كمبرر لسلاحه المقاوم.

وسرعان ما أدرك أن ذريعة “المزارع” قد تكون غير كافية، فاستنبط سببا” آخر لإبقاء سلاحه إلى جانب حجة “المزارع”: حماية لبنان في ظل جيش صَوَّرهُ عاجزا” وقرارات دولية صادرة عن قوى الإستكبار العالمي وبالتالي غير قادرة على حماية لبنان من الغول الإسرائيلي المتربص به شرا”، علما” أن القراءة الإسرائيلية الإستراتيجية لسلاح الحزب قائمة على أنه يشكل تهديدا” ذا معنى خاص كجزء من منظومة الصواريخ الموجهة إلى أراضيها من قبل التحالف الإستراتيجي (إيران، سوريا، حزب الله، وسابقا” حماس) الذي تتزعمه إيران (التي تعلن إرادتها بتدمير دولة إسرائيل). وهكذا، برر إبقاء سلاحه إلى حين إزالة إسرائيل من الوجود، أي إلى أجل غير مسمى!

ومع خروج سوريا-الأسد من لبنان عام 2005، اضطر حزب الله إلى لملمة مجموعة “قوى الممانعة” الميتّمة والحلول مكان “راعيها” السوري.
فشارك لأول مرة في السلطة التنفيذية بشكل غير مباشر في حكومة نجيب ميقاتي الأولى عام 2005 من خلال توزير طراد حماده، وبشكل مباشر، في حكومة فؤاد السنيورة الأولى في العام نفسه من خلال توزير محمد فنيش إلى جانب طراد حماده.

وهكذا، دفعت الأوضاع الضاغطة كما المصلحة والواقعية السياسية، “حزب الله- المقاومة” إلى دخول كامل في الدولة بحيث يستخدمها لتغطية سياساته “المقاومتية” وللتأكيد ولو تكتيا”، أنه “جزء من النسيج اللبناني” لحماية نفسه من “الإستهدافات”.

ومع هذه التطورات السلبية بالنسبة إليه ، اضطر إلى تطوير خطابه السياسي، ففرض معادلة الثالوث (شعب، جيش، ومقاومة) في بيانات الحكومات المتتالية كافة وابتكر مفهوم “الإستراتيجية الدفاعية” ليدور الحوار حولها بهدف تثبيت شرعية سلاحه من خلال اختصار مفهومه للإستراتيجية الدفاعية بثالوثه “المقدس”، كما طور خطابه السياسي في اتجاه “إنخراطه في مشروع الدولة”، مستعيرا” إياه من خطاب 14 آذار.

وفي 12 تموز 2006، افتعل حزب الله، بحجة تحرير المعتقلين، حربا” مع إسرائيل للخروج من مأزق مناقشة موضوع سلاحه على طاولة الحوار. فخرج منتصرا” ولبنان منكسرا”!

والنتيجة: استقوى الحزب على 14 آذار. ثم استكمل مسار تغيير موازين القوى مع 14 آذار لمصلحته من خلال أحداث 7أيار 2008 الدامية والتي ختمت على زغل بإتفاق الدوحة. انقلب جنبلاط على 14 آذار قبيل انتخابات ال 2009، وختم حزب الله إنقلابه بإسقاط حكومة الحريري والإتيان بحكومة الميقاتي الثانية ليتحكم بقرارها. غير أن المصادفات شاءت أن تبدأ الثورة السورية مع تشكيل تلك الحكومة!

وفي سياق هذه التطورات، أصدر حزب الله عام 2009 وثيقته السياسية الثانية على قاعدة “لبننة حزب الله شكلا” وحزبلة لبنان فعلا”.
في المضمون، لا فرق بين بيان 1985 ووثيقة 2009. في الشكل، ثمة رصانة وتعقل وواقعية وتمويه أو تجنب للإعلان عن أهداف مثل تدمير دولة إسرائيل، أو مفاهيم مثل ولاية الفقيه في خطاب ال2009 مقارنة بخطاب ال1985.

وفي الحقيقة، بدا أن الحزب يتقن إلى درجة عالية، فن استخدام “التقية والكتمان”، فلا يكشف أهدافه لا لأعدائه وخصومه ولا حتى لمؤيديه وشعبه، بل يكتفي بكشف أهداف تكتية آنية على طريق تحقيق الأهداف الإستراتيجية والرؤى السياسية المكتومة.

غير أن تدهور وضع الأسد في سوريا، اضطر الحزب إلى كشف أوراقه وللإعتراف بأن تدخله في سوريا إستراتيجي ولا عودة عنه، بعدما حاول، في المراحل الأولى، تبريره تارة بالقول أنه لمساعدة لبنانيين يعملون في سوريا، وتارة أخرى للدفاع عن مقام السيدة زينب لدرء الفتنة السنية-الشيعية.
وبالإضافة، شدد السيد نصر الله في خطبته في “يوم القدس”، على شيعية إسلام حزب الله وأكد على هدف تدمير دولة إسرائيل كما لم يؤكده الحزب في أدبياته السابقة، وجعله مصلحة وطنية لبنانية. ومما قاله:

” ونحن حزب الله، الحزب الإسلامي الشيعي الإمامي الإثنا عشري، لن نتخلى عن فلسطين…”
“إنّ إزالة هذه الغدة السرطانية وهذا الكيان الغاصب …يشكل مصلحة وطنية لكل بلد من بلدان المنطقة… وهكذا أيضا إسرائيل خطرٌ على لبنان، وإزالة إسرائيل مصلحة وطنية لبنانية.”

إن احتدام الصراع في المنطقة، ولا سيما في سوريا التي تشكل ساحة الصراع الرئيسية، حتّمت على حزب الله الخروج من منطق التقية والكتمان والإعلان جهارة عن أهدافه وصولا” إلى تحويل هدفه الإستراتيجي المرحلي الرئيسي (تدمير دولة إسرائيل) إلى هدف معلن قيد التحقيق، مما يضطره إلى السير في عملية تهزيل الدولة اللبنانية، إلى حد إزالتها إذا لزم الأمر في مراحل لاحقة.

لا شك أيضا” أن طرح شعار إزالة دولة إسرائيل قد يكون أحد أهدافه استعادة ما خسره في تورطه في وحول الوضع السوري، وأيضاً إعطاء إيران ورقة تفاوضية إضافية لمعالجة وضعها المأزوم دوليا” بالنسبة إلى ملفها النووي.

حفاظا” على الدولة اللبنانية ولدرء الفراغ في المؤسسات الدستورية، ولا سيما في رئاسة الجمهورية، لا يكون الرد العملي على تحركات حزب الله إلا بالتعجيل في تشكيل حكومة لا تعطيه غطاءً في سياساته التي تقامر بالكيان اللبناني وتضع لبنان بين المطرقة الإسرائيلية والسندان السوري!