بارعة الأحمر/النهار/مصالحُ إيران على حسابِ اللبنانيين، فلماذا يَسكُتون؟

145

مصالحُ إيران على حسابِ اللبنانيين، فلماذا يَسكُتون؟

بارعة الأحمر/النهار/11 آب/2022

تُراقبُ إيران الجهود الأميركية لتشكيل تحالف اقليمي ضدّها، وهي لن تسمح بأيّ اتّفاق يُنهي النزاع بين لبنان واسرائيل حول حقول الغاز البحرية. لاسيّما أنّ اتّفاقًا من هذا النوع يُفقدها ورقة ضغط أساسيّة، ويحدّ من دورها بين اللاعبين المتقدّمين على خطّ الحرب غير المعلنة في أوروبا.

ومع ذلك، لن تسمح طهران باندلاع حرب بين اسرائيل وحزب الله، طالما باستطاعتها الوصول الى أهدافها عبر التهويل والابتزاز، إذ قد يأتيها النصر من دون إطلاق رصاصة واحدة، أو صاروخ “خيبر شكن” واحد.

هي مناورات يبرع فيها الايرانيون، بحسبِ مُفاوضين عانوا منها معهم، وقالوا إنّها “شَيَبت شعرهم”. فالتفاوض مع إيران طويلٌ ومضني، لأن هذه الجمهوريّة محكومة بالحديد والنار، وبمقدور حُكّامها المماطلة من دون أيّ ضغوط داخلية من شعبهم المسحوق الذي لا يَفتح فمه إلّا عند طبيب الأسنان أو تناولِ الطعام، أو الإشادة بالحكم الإلهي للمرشد الأعلى. في حين تَعجزُ الدول الأخرى عن التمادي في المفاوضات كي لا تَرزحَ تحتَ ضغط شعوبها.

 ردُ فعل رئيس وكالة الاستخبارات الأميركية، ويليام بيرنز، كان معبّرًا أثناء متابعته لقاء فلاديمير بوتين وابرهيم رئيسي في طهران، فهو قال: “معظم شعري شاب من المفاوضات مع الروس والايرانيين…”

ترتكز إستراتيجية طهران في المرحلة الراهنة، على التهويل بالحرب فوق رأس الغاز الإسرائيلي، للضغط في اتّجاه إحياء الاتّفاق النووي، لأنّ ذلك سيرفع العقوبات عنها، ويسمح لها باستئناف تصدير نفطها، فلا تعود الأسواق محصورة في يد روسيا والسعودية. لذا تستعمل إيران ورقة الضغط اللبنانية لتهديد صادرات الغاز الإسرائيلية، ولعرقلة ترسيم الحدود البحريّة بين لبنان وإسرائيل، غير مكترثة بحاجة لبنان القصوى إلى إنهاء الترسيم والبدء باستخراج ثرواته الطبيعية والاستفادة من إيراداتها.

وها هو حزب الله يعطي “مهلة” جديدة لإسرائيل ويلتزم وقف التصعيد العسكري عند الحدود، حتى منتصف شهر آب الجاري “إفساحاً في المجال أمام استنفاد الجهود الديبلوماسية المبذولة (…)” قبل أن يقصفها بأمر الهي، لتغطية تنازل الدولة عن حقوق اللبنانيين وتغليف الهزيمة اللبنانية لمصلحة المكاسب الايرانية. فالطائرات المسيّرة جاهزة، وكذلك الصواريخ، تنتظر أوامر الحرس الثوري الايراني.

ولبنان الغارق في أزمة سيادية عميقة، أنتجت إنهياراً سياسياً واقتصادياً ومالياً واجتماعياً، عاجز عن استعادة ثرواته الطبيعية من براثن إسرائيل لأنه يعجز عن ترسيم حدوده الجنوبية (والشرقية والشمالية أيضا) لأن الدولة لا تمتلك قرار التفاوض عبر مؤسساتها.

والسؤال: إذا كانت الدولة اللبنانيّة منزوعة السيادة ومكبلة بعجزها، بحيث تستغلّ ايران ضعفها في اللعبة الدولية، فلماذا يسكت اللبنانيون عن اغتصاب ثرواتهم النفطية؟

يبدو واضحا، حتى اللحظة، أن طبيعة الشعب اللبناني تبدلت وتلاشت، شعب ينازع بعدما تجرع الواناً من السمّوم، وصارت شخصيته “طهرانية موسكوية” ممسوكة ومسحوقة وجبانة ومسلوبة الارادة.

يسكتُ الشارع في لبنان، وتسكت المعارضة ويسكت البرلمان، في حين يغطي النواب التغييريون ضعفهم بمعارك دونكيشوتية و”بطريركية” ذكورية ونسوية تافهة، أو يطلقون تغريدات شعبوية على تويتر. بينما يستكمل حسن نصرالله إستراتيجيّة إيران ويعززها بالتصعيد كل يوم، وصولا الى اعتبار نفسه، مؤخراً، صاحب توكيل من الله (أستغفر الله) يُدير بسيفه حياة اللبنانيين، تمامًا كما يدّعي المرشد الأعلى في إيران امتلاكه لهكذا نصل صديء منافق. فهل من اعتراض على وكالة عامة من السماء؟ وهل يملك اللبنانيون سوى الانحناء؟ عند قدمي توكيل الهي يمنح الرجل سلطة زمنية مطلقة، تحلّل وتحرّم وتقتل وتفجّر وتَغتال وتقرّر مسار وطن ومستقبله ومصيره، وفقا لمصالح ايران في الشرق الأوسط والعالم، لاسيّما لجهة تعزيز تجارتها النفطيّة، وقدراتها النوويّة.

ولا تأتي مواجهة هذا التوكيل للسيد نصرالله، إلا من توكيل آخر، ديني أيضًا. ما يثبت أن القوى “غير الدينية” في لبنان قاصرة وضعيفة، لا قدرة لها على الوقوف في وجه “المحتلّ”، كما تحب أن تسميه، إلّا من خلال السلطة الدينية المقابلة، المسيحية. فهل يتحوّل صراع بقاء لبنان صراعًا الهيًّا بحتًا؟ أَوَلا تعرفون يا إخوتي إلامَ تصل بنا الصراعات الإلهية؟ حتما..

اللبنانيون الـ”سياديون” الذين يصرخون مطالبين بإعلان لبنان “دولة محتلة” لا يفعلون شيئا لمقاومة هذا الاحتلال. يطالبون المجتمع الدولي بالإعتراف بأنّ بلدهم محتل من قبل إيران بواسطة ميليشيا مسلّحة، بينما يساكن نوّابهم هذه الميليشيا تحت سقف البرلمان. كما أنّهم يُريدون من العالم أن يساعدهم لردع الاحتلال الايراني، بينما يقبعون في بيوتهم أمام الشاشات، ويجتمعون افتراضيًّا على منصّات التواصل. أوَليسَ ردّ الفعل الطبيعي في وجه أي احتلال هو صدّه بالمقاومة؟

لماذا إذا لا يقاوم اللبنانيون ما يرونه احتلالا أجنبيا لوطنهم بدل التسوّل على أبواب الأمم للحصول على اعتراف بهذا الاحتلال؟

المجتمع اللبناني اليوم مفكّك ومنقسم على ذاته، يستسلم للأقدار و يمتهن الاستجداء، يحرق عمره في الطوابير أمام المصارف ومحطات الوقود والأفران. بينما يتلطى لبنان “رسمي”  وراء “فلسفة” النأي بالنفس، يجتهد أهل الحكم بالتعبير عنها كل يوم بشكل مبتكر ولا مثيل له. مثل ردّ فعل وزير الخارجية اللبناني عبد الله بوحبيب، الذي أطلق صرخة يتيمة في البراري ثم صمت. فهو استنكر إطلاق حزب الله لطائرات مسيرة نحو المنطقة البحرية الحدودية المتنازع عليها بين إسرائيل ولبنان، وأدرجه في خانة “نشاط  خارج إطار مسؤولية الدولة”. واعتراضه هذا اعتراف “رسمي” بأن الغاز اللبناني صار “رسميًّا” امتدادًا للمصالح الإيرانية، وهو في هذه المرحلة من الصراع الدولي، بات سلاحا فتاكا تمتلكه ايران، ويفتك بلبنان أولا.