نديم قطيش: هل بَنَت إسرائيل مستوطنة في لبنان؟ لا مشروع عدوانيّاً إسرائيليّاً تجاه لبنان يحتاج إلى رادع أكان حزب الله أم غيره، بل مشكلات سياسية وأمنيّة يمكن حلّها بغية التأسيس لحالة ثابتة من السلم المستدام، أو الحياد المتبادل، كي لا نقول السلام الدائم

46

هل بَنَت إسرائيل مستوطنة في لبنان؟
لا مشروع عدوانيّاً إسرائيليّاً تجاه لبنان يحتاج إلى رادع أكان حزب الله أم غيره، بل مشكلات سياسية وأمنيّة يمكن حلّها بغية التأسيس لحالة ثابتة من السلم المستدام، أو الحياد المتبادل، كي لا نقول السلام الدائم الذي يُلحق لبنان بركب السلام العربي الإسرائيلي في موجته الجديدة البادئة مع الاتّفاق الإبراهيمي.

نديم قطيش/أساس ميديا/الإثنين 01 آب 2022

لماذا لم تبنِ إسرائيل مستوطنة واحدة في لبنان طوال 22 سنة من الاحتلال الذي توسّع في إحدى مراحله حتّى شمل العاصمة بيروت؟ ولماذا لم تحتلّ إسرائيل لبنان خلال حرب 1967؟

لا بدّ من هذين السؤالين فور الاستماع إلى حسن نصرالله، يقوم بما يقوم به كلّ الديماغوجيّين الشعبويين: تزوير التاريخ واختراع سرديّة عنه تبرّر شؤوناً في الحاضر.

كذبتان يؤسّس عليهما حسن نصر الله كلّ خطابه السياسي:

1- تفيد الكذبة الأولى أنّ الدولة اللبنانية ومنذ عام 1948 لم تكن قادرة على حماية البلاد في وجه إسرائيل ما أدّى إلى ولادة المقاومات العديدة التي انتهت “مقاومة” واحدة هي ميليشيا حزب الله.

2- أمّا الكذبة الثانية فهي أنّ هناك أطماعاً إسرائيلية في لبنان ومشاريع عدوانية إسرائيلية ثابتة بمعزل عن أيّ وقائع تصدر عن لبنان أو تحصل فيه، مثل وجود سلاح فلسطيني أو سلاح إيراني، وأنّ من يقيم معادلة الردع ويمنع هذه الاعتداءات هو سلاح حزب الله.

أكثر من ثلاث ساعات خصّصها نصرالله لمقابلة تلفزيونية لمناسبة مرور أربعين عاماً على تأسيس ميليشيا حزب الله، لم تخرج دقيقة منها عن هاتين الكذبتين.

الدولة هي من حمت لبنان الذي دمّرته المقاومات المتعاقبة.. لا بل نكاد نكون البلد الوحيد الذي قلب معادلة المقاومة والاحتلال، بحيث إنّ الاحتلال الإسرائيلي للبنان سببه “المقاومة” لا العكس كما يدّعي نصرالله

في العام 1967، وخلال 6 أيام، احتلّت إسرائيل الضفّة الغربية والقدس الشرقية وغزّة في فلسطين، والجولان في سوريا، وسيناء في مصر. لا يوجد رادع واحد يمنع إسرائيل من أن تحتلّ أجزاء من لبنان، أو لبنان برمّته، بمعيّة من احتلّت أراضيهم. بيد أنّ حنكة الرئيس شارل حلو وذكاء مستشاره الأقرب الوزير فؤاد بطرس جنّبت لبنان دخول الحرب على الرغم من الضغوط التي مارسها بعض القادة المسلمين، ولا سيّما الرئيس الراحل رشيد كرامي، الذي كان مدفوعاً بخليط من الشغف الفلسطيني والناصريّ. قرّر لبنان الـ “بي بي سي” الموقن من التفوّق الإسرائيلي، أن لا يدخل في حرب يتحمّس لها مستمعو “صوت العرب” بكلّ أكاذيبها وترّهاتها عن تساقط المقاتلات الإسرائيلية كالعصافير!!

احتلال بيروت بدل تحرير القدس
خلافاً لِما يقوله نصرالله، حمت الدولة لبنان، وصانت وحدة أراضيه، وحافظت على مصالح بنيه، في مواجهة ما كان يطالب به الآباء المؤسّسون لظاهرة نصرالله، من بعثيّين ويساريّين وقوميّين عرب.. المفارقة أنّ انتصار الدولة في قرار عدم دخول حرب 67، سيعقبه بعد نحو سنتين توقيع اتّفاق القاهرة-1969، الذي حوّل لبنان من دولة نجحت في تحييد نفسها عن تبعات الحرب، إلى أرض بديلة لمنظمة التحرير يخوض منها ياسر عرفات “حرب تحرير” أدّت بالنتيجة إلى احتلال بيروت لا إلى تحرير القدس! توسّط قرار التحييد عام 1967 وتوقيع اتّفاق القاهرة عام 1969 عدوانٌ إسرائيليٌّ على مطار بيروت عام 1968 (لاحظوا أنّ لبنان استُهدف بعد انتهاء الحرب)، ردّاً على بدايات نُذُر النشاط الفلسطيني المسلّح انطلاقاً من لبنان.. خلال العمليّة، وقبل أيّام فقط من عيد رأس السنة، دمّرت فرقة كوماندوس إسرائيلية من وحدة النخبة “سايرت متكال”، بقيادة رفايل إيتان، 13 طائرة ركّاب وطائرة شحن واحدة، تابعة لشركة طيران الشرق الأوسط ردّاً على هجوم العال- رحلة 253 الذي نفّذه مسلّحان تابعان للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين الناشطة في لبنان. كانت الرسالة تشير إلى الأثمان التي سيدفعها لبنان لو حاد عن قرار دولته في حرب 1967، وهذا ما سيحصل لاحقاً مع تحوُّل جزء من البلاد إلى فتح-لاند.. أمّا البقيّة فتاريخ معروف!

الدولة وحدها حمت لبنان
الخلاصة أنّ الدولة هي من حمت لبنان الذي دمّرته المقاومات المتعاقبة.. لا بل نكاد نكون البلد الوحيد الذي قلب معادلة المقاومة والاحتلال، بحيث إنّ الاحتلال الإسرائيلي للبنان سببه “المقاومة” لا العكس كما يدّعي نصرالله… فلولا “المقاومة” الفلسطينية بدايةً لَما حصل احتلال ولَما فُتِح الباب أمام ولادة “مقاومات” تناسلت و”تحوّرت” إلى أن وصلت إلى فصيل للحرس الثوري الإيراني على حدود إسرائيل.. يقودنا هذا إلى الكذبة الثانية في خطاب نصرالله، وهي أنّ لإسرائيل أطماعاً في لبنان ومشاريع عدوانيّة ثابتة بمعزل عن أيّ وقائع تصدر عن لبنان أو تحصل فيه مثل وجود سلاح فلسطيني أو سلاح إيراني، وأنّ مَن يقيم معادلة الردع ويمنع هذه الاعتداءات هو سلاح حزب الله. لا يوجد دليل واحد أنّ لإسرائيل في لبنان “أطماعاً” تتجاوز ما هو موجود في “نفوس” كلّ الدول المتجاورة التي تحاول دوماً أن تُكبّر حصّتها من الموارد الطبيعية المشتركة على حساب جيرانها..

الأهمّ أنّه لا يوجد أيّ مطامع أو مطامح إسرائيلية كيانية في لبنان.. ولهذا لم تبنِ إسرائيل مستوطنة واحدة في المناطق التي احتلّتها طوال 22 عاماً، ولم تسعَ إلى أيّ تغيير جغرافي في لبنان أو فرض أمر واقع، ولم تصرّح عن أيّ شيء ذي صلة كي يأتينا مَن يقول اليوم إنّها حاولت وإنّه أفشلها، وإنّ إفشالها هو رصيد “لمعادلات الردع”!

لإسرائيل في لبنان هموم أمنيّة محدّدة، تتّصل باحتمال أن يتحوّل لبنان إلى منصّة اعتداء عليها من قبل حزب الله، ضمن حسابات إقليمية لها علاقة بحال العداء بينها وبين إيران.. هذه هي العدسة الوحيدة التي من خلالها تنظر إسرائيل إلى لبنان، وهي نجحت نجاحاً منقطع النظير في فرض معادلة الردع على حزب الله لا العكس، منذ أن أذاقت لبنان عيّنة من الأهوال المحتمَلة خلال حرب تموز 2006، والتي أفضت إلى أن يبتدع حزب الله معادلة “جاهزون للحرب ولكن لا نريدها”.

إسرائيل تردع حزب الله
إسرائيل غير مردوعة. فهي تستهدف حزب الله وترسانته في كلّ مكان. قتلوا عماد مغنية في قلب دمشق. وقتلوا حسان اللقّيس في قلب الضاحية. وقصفوا مخازن الصواريخ في سوريا. ودمّروا الكثير من شبكات الإمداد. حدّث ولا حرج عن الاستهدافات داخل إيران نفسها! حقيقة الأمر أنّ إسرائيل لم تشنّ حرباً على لبنان، لأنّ الحرب على لبنان ليست مشروعها إلا إن اضطرّها حزب الله إلى ذلك وأخلّ بقواعد الاشتباك التي فرضها جيشها بعد حرب 2006. لا يوجد في إسرائيل من ينادي ليل نهار بتحرير لبنان من حزب الله، بل يوجد في لبنان من ينادي ليل نهار بتحرير فلسطين من الاحتلال الإسرائيلي. من لا يقوم بالمهمّة التي ينيطها بنفسه هو حزب الله، لا إسرائيل، ما يعني أنّ المردوع هنا هو حزب الله لا إسرائيل! خلاصتان لا بدّ من العمل عليهما لبناء وعي وطني لبناني جديد خارج منطق الاستلاب لسرديّة حزب الله الراهنة.

1- الدولة حمت لبنان وحدها. حتّى في ذروة حرب 2006 احتمى حزب الله بالدولة. وفي المحاضر بين محمد فنيش ومحمد شطح فصول تُروى (ألهذا قُتل الدكتور شطح؟!). أمّا من أسقط الحماية عن لبنان فهي المقاومات التي خطفت البلاد، بدءاً من الجبهة الشعبية ومنظّمة التحرير أواخر الستّينيّات وصولاً إلى ميليشيا حزب الله اليوم.

– لا مشروع عدوانيّاً إسرائيليّاً تجاه لبنان يحتاج إلى رادع أكان حزب الله أم غيره، بل مشكلات سياسية وأمنيّة يمكن حلّها بغية التأسيس لحالة ثابتة من السلم المستدام، أو الحياد المتبادل، كي لا نقول السلام الدائم الذي يُلحق لبنان بركب السلام العربي الإسرائيلي في موجته الجديدة البادئة مع الاتّفاق الإبراهيمي.