الصبية الدرزية حُسنْ… راهبة مْسيحية/لبِستْ الإسكيم ومَشتْ درب رفقا، لستم أنتم اخترتموني بل أنا اخترتكم لتُقيموا وتَذهبوا وتأتوا بثمرٍ ويدوم ثمركم

122

الصبية الدرزية حُسنْ… راهبة مْسيحية … لبِستْ الإسكيم ومَشتْ درب رفقا…“لستم أنتم اخترتموني بل أنا اخترتكم لتُقيموا وتَذهبوا وتأتوا بثمرٍ ويدوم ثمركم”.
ميشال يونس/“المسيرة” – العدد 1726

لبِستْ الإسكيم ومَشتْ درب رفقا…“لستم أنتم اخترتموني بل أنا اخترتكم لتُقيموا وتَذهبوا وتأتوا بثمرٍ ويدوم ثمركم”.

جملةٌ مسيحانيَّةٌ فعليَّةٌ فعّالةٌ من نخبة أفعال التأكيد والجَّزمِ قد خطّها للإثنَي عشر صوتُ المعلِّم يسوع قاعدةً ثابتةً قاسيَّةَ المعنى كثيرة المُعاناة حين تأتي ساعةَ تفريق الأبن عن أبيه والأبنةِ عن أمِّها! هيّ الدَّعوةُ الأفقيَّةُ المِلحاحةُ الآثرةُ المُنسكبةُ كرذاذ الضياء من مشارف الملكوت الأعلى توجِّهُ نداءاتٍ مُتتاليّةٍ تصلُ إلى كلِّ مدعوّةٍ ومدعوٍ بصيغةٍ مهمازٍ لا يُرفَس لأجل أن يخرجا من العالم لأجل العالم خروجَ الخبزِ من سنابل القمح والخمرة من عناقيد الدوالي والزيت مِن رَحَمِ شجر الزيتون!

الترهُّبُ في لاهوتِه الأكثر عُمقًا والأعلى توصيفًا هو رهبةُ المُترهِّبةِ والمُترهِّبِ من واقعِ أرضٍ بشريَّةٍ مطوَّقةِ الأقطار الأربعةِ بالماديّاتِ والصّنميات والسّطحيات والهامشيّات. صبيَّةٌ درزيّةٌ ساطعةُ الجَمال باسقةُ القامةِ غزيرة العِزَّةِ والكرامة نادرة الجرأة والعزيمة، وصلتها دعوةٌ فائقةُ التسامي في أهدافها بأسلوبٍ يُقاربُ نصّ الرسالة التي حملها جبرائيل المُرسَل من لَدُن الله إلى عذراءٍ في النّاصرة تُدعى مريم! هي حُسْن إبنة الشيخ شاهين أبي نكد والدتها ست الأخوة، كلاهما من طائفة الموحِّدين الدروز، أبصرت نعمة نور الحياة في برمّانا عام 1844. وبعد 11 شهرًا من ولادتها تم الطلاق الزوجي بين والديها فاستأجرت الوالدة منزلاً قرب دارة طليقها لتبقى بالقُربِ من حْسنِها وفلذة كبدها وتُرسلُ بالروح والدمعة لرضيعتها هذا الوعد القاطع: “لا تخافي يا بُنيّة، لا تفزعي يا حُسن فإنَّ القديسة تقلا تمنعُ عنكِ كلَّ سوء لأنّي نذرتُكِ لها”

! لازمت حُسن اليافعة صداقة ورفقةَ رفيقاتِها المسيحيات، وبوثبةٍ فكريّةٍ مُبكِرة كانت تُلِحُّ عليهنَّ أن يُفسِّرن لها الكثير من سيرة المسيح يسوع وحقائق المسيحية، متأثِّرةً بالرابط المتين الذي يجمع والدتها الشيخة ست الأخوة بأول الشهيدات تقلا! بلغت حُسن ربيعها الخامس العشر فكان جمالُها الجزيلُ المحاسن أيقونةَ وجهٍ مرسومٍ بماء الياسمين وقامةٍ تشمخُ شمخةَ رِماح الفرسان! بعد فواجع وفظائع ونكبات العام 1860 وقع الإختيار السماوي على حُسن لتكون الرّادع النوراني بينَ أخوةٍ دخلوا أنفاق تجارب الشرّير، فتقاتلوا وتذابحوا قتال العين للعين وذبحَ القلب للقلب!

ذات فجرٍّ عاشت حُسن الصبيّةُ سِفرَ رؤيا أخذها في ما بعد إلى سَفَرٍ بعيدٍ بعيد..
رأت نفسها داخل بستانٍ فِردوسيٍّ ذات أزهارٍ لم تقع على مثلِها عين، فساح بصرُها الرًّهيف في مشهدٍ آثرٍ. وفجأةً تراءت لها سيّدةٌ مُلوكيَّةٌ تحملُ سِمات الشّمس والكواكب إبتسمت لها إبتسامةً أموميَّةً رفعتها عن كل ما في الأرض وأشعرتها بأنَّ اليُتمَ لن يُدركها يومًا، ثمَّ أومأت إليها بيدها نحو شمال برمّانا كأنّها توجِّهها إلى ناحية بلاد كسروان. وبعدما استفاقت من حُلمِها الرؤيوي إستفسرت عنه فأدركت بأنَّ زائرتها هي السيدة العذراء آتيَّةً إليها لتكونَ كأليصابات نسيبةً من نسيباتها!

وكما في أعراف وتقاليد ذلك الزمان صمّم الشيخ شاهين تزويج إبنته ذات حُسنِ الخِلقَةِ والخُلُقِ بأحقِّ أنسبائها بها إبن خالتها ضاهر نجم، فرفضت البنيَّةُ فِكرة الزواج من أساسها، مدعومةً من شخصيتها الفذّة. إلاّ أنّ كلمة الوالد لا تَصيرُ كلمتين، فتمَّ تطويقُ الوحيدة تطويقًا عائليًا واجتماعيًا وتقاليديًا واقتيدت إلى بيت الأمير علي أبي اللمع حيث فُرِض عليها الزواجُ بالقوة، فانتقلتِ العروس المغلوبةُ على أمرها إلى بيت عريسها وإبن خالتها. ولحظة اختليا أشهرت بوجهه قرارها الذي لا رجوع عنه: المحافظة على بتوليَّتها حتّى الرمق الأخير، وبأنَّها لن تعرف رَجُلاً طيلة حياتها، لا هو ولا سواه. فكان نجم ضاهر فارسًا في نُبلِه وأخلاقِه فاحترم قرارها بعد أن أدرك بأنَّ غريمَه على محاسن جسدها وقلبها ليس من هذا العالم، وأبت عليه عِزَّة نفسه أن يطالبها بحقِّ الزوج على الزوجة وأن يفرض عليها رجولةً لا تمُتُّ إلى أخلاق الرجال الكِرام، فعاشت داخل حَرَم بيته يُعاملها معاملة الأخ للأخت ويحفظُها أمانةً غاليَّة ليس مثلها من أمانات. وبعد سنةٍ غادرت العروس بيت عريسها ضاهر وإبن خالتها لتكون في صميم عُرسِ حملِ الله الحامل خطايا العالم!

تلقَّفت حسن إشارة يد العذراء، فانطلقت في رحلةٍ مستوحاةٍ من مشقّات رحلة عائلة الناصرة إلى مصر من أمام بطش هيرودس السفّاح، فحلّت في أنطلياس أولاً ثم انتقلت إلى الصرح البطريركي الماروني في بكركي حيث قابلت البطريرك بولس مسعد، فمكثت خمسة أشهر في كنفِ أبوَّتِه وحصن رعايته حتى يوم مغادرتها إلى دير الراهبات اللعازريات في بيروت! وصلت الإبنة حُسن إلى مساكن بنات القديس منصور دي بول، ولَم تَطُل أيامها بينهُنَّ حتى وُسِمت بميرون معمودية الماء والروح مُنتقِلةٍ بهويتها العائلية من إسم حُسن إلى إسم مريم!

سنواتٌ عازرياتٌ خمس ومريم تبحثُ في روزنامة ربِّ الحصاد عن الموعد والموضع الذي فيهما عليها تتميم حصادِها. رئيسة ديرها تأخذ قرارًا بتسفيرها إلى أحد أديار اللعازريات في أوروبا لتَترهَّب هناك بعيدًا عن جميع المخاطر، لكنَّ المقدامة المُنتظرة دائمًا تعليمات صاحب الدّعوة أخذت قرارها أن تبقى في لبنان وتكون راهبةً لبنانيّةً مارونيّةً! حملت مريم التي ورثت عن أهلها بني معروف الشجاعة والفروسية والإباء مسارًا وسَيرًا لا يُقدمُ عليهما أشجع الرجال، فمشت وحيدةً من بيروت إلى جبال قاديشا الشمالية لا رفيق لها ولا أنيس إلاّ نشيدُ مزمور: “الربُّ نوري وخلاصي فمِمّن أخاف… الربُّ حصن حياتي فمِمّن أفزع”. بعد رحلةٍ توأمٍ لمراحل درب الصليب وصلت مريم أواخر تشرين الأول 1865 إلى قرية أيطو لتقرع فيها باسم الرب باب دير القديس سمعان العمودي! مطلع تشرين الثاني 1865 اتشحت مريم بثوب الأخوات المُبتدئات مُتخِذةً لها بعد إسميها إسمًا ثالثًا ودُعيت الأخت مْسيحيّة.

وفي 2 تشرين الثاني 1866 سجدت المبتدئة مسيحية أمام قربان مذبح دير القديس سمعان العمودي أيطو تنذرُ نذورها الإحتفالية المؤبّدة وتلبسُ الأسكيم الرهبانيّ الملائكي على يد رئيس الرهبانية اللبنانية المارونية الأب العام أفرام جعجع البشراوي! تميّزت الأخت مْسيحيّة بشجاعة إجتياز المسافات الروحية، وتمايزت بوداعة الأخلاق والنفس حتى محو الذات بعد أن كانت في مطلع صباها عنوانًا للعنفوان، ممَّا ألهم الأب العام أفرام جعجع أن يطالب بها مُعلِّمةً للمبتدئات! أوائل صيف 1871 وصلت إلى دير مار سمعان العمودي مدعوةً ثانيّة من منطقة المتن الشمالي هي بطرسية مراد صابر الريّس الحملاوية المعروفة بزنبقة حملايا، ليتزيّن سمعان العمودي بمسيحية البرمانية ورفقا الحملاوية الناذرة نذور الراهبات اللبنانيات يوم 25 آب 1872 ولتكسبَ وضع يدها على محراث حقول ومروج الملكوت على يد المعلِّمة مْسيحية!

يوم أحد الوردية أول تشرين الأول 1885 أقدمت الأخت رفقا على مطالبة حبيبها المصلوب لأن ينزل عن الخَشبةِ التمثال لأجل أن يُصلَبَ على جسدها! آلامٌ وجدانيّةٌ ونفسيّة أُضيفت على سلسلة آلامها حين عاينت طويلاً جلجلة أختها رفقا ورافقتها فيها الشوط الأخير ناذرة قلبها ويديها طيلة 44 عامًا لخدمة رفقاها المقلوعة العين المُفكَّكة العظام!

عام 1897 صدر قرار رهبانيُّ بفصل ست راهبات من دير مار سمعان العمودي أيطو بينهُنّ رئيسة الدير الأم أورسلا ضومط المعادية والأخت مسيحية علوان البرمانية والأخت رفقا الريّس الحملاوية لتأسيس دير مار يوسف جربتا فوق أحد هضاب ساحل البترون، فتوالت آيات القداسة وآلام الرب بفائق بطولة آلام جسد الحملاوية وروح البرمّانية حتّى يوم 23 آذار 1914 موعد لقاء رفقا بأمها رفقا بحضرة الثالوث الأقدس ومريم العائلة المقدسة! نيِّف وسنة عاشتها مسيحية تشتاق رؤية أختها رفقا أشتياق «الأيّل إلى مجاري المياه» إلى أن دنت ساعة اللقاء، فحلَّقت إلى منازل الآب ومساكن الأبرار والصديقين والعذارى الحكيمات في 5 تشرين الثاني 1915!

حْسن شاهين أبي نكد علوان الدرزية.. مريم اللعازرية .. مْسيحية الراهبة اللبنانية المارونية كانت وتبقى لبنان الكيان الذي أساس بنيانه العظيم المير فخر الدين المعنيّ الكبير ورسوله إلى أوروبا البطريرك جرجس عميرة الإهدني.. كانت وتبقى هادمة شناعة نظام جدار القائمقاميتين.. كانت وتبقى لاغية هشاشة وهزالة بروتوكول الحمايتين حماية فرنسا «الأم الحنون» للموارنة وحماية الإنكليز للدروز.. وكانت حُسن ومريم ومْسيحية وتبقى الطيف السماوي والرعاية الربانية ليوم 5 آب 2005 وهي الشفيعة لما أنجزه قديس مصالحة وأخوّة ووحدة دم وخبز جبل أهل الكيان اللبناني أبانا الأنطاكي الدائم الموسوم الأبدي طوباوي سيادة لبنان مار نصرالله بطرس صفير الكبير!!!​