طوني بولس: تحرش وتنمر تحت قبة البرلمان اللبناني

32

تحرش وتنمر تحت قبة البرلمان اللبناني
طوني بولس/انديبندت عربية/28 تموز/2022

تعرض نائبات من المعارضة لمضايقات ومنظمة العفو طالبت رئيس مجلس النواب بري بإنهاء التطاول على النساء
في وقت نفذ فيه أهالي ضحايا انفجار مرفأ بيروت اعتصاماً في محيط البرلمان، وقبيل الذكرى السنوية الثانية للتفجير الذي هز لبنان في 4 أغسطس (آب) 2020، انتخب المجلس النيابي اللبناني أعضاء المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء الذي تحاول السلطة السياسية الحاكمة تفعيله لحماية نفسها من المساءلة، حيث أُعلن فوز سبعة نواب بعضويته بالتزكية، منهم بعض أركان المنظومة السياسية التقليدية أو ينضوون في أحزاب ينتمي إليها المدعى عليهم، وفي مقدمهم وزير الأشغال السابق يوسف فنيانوس الذي ينتمي إلى “تيار المردة” (يرأسه النائب السابق سليمان فرنجية)، والنائبان علي حسن خليل وغازي زعيتر اللذان ينتميان إلى “حركة أمل” (يرأسها رئيس البرلمان نبيه بري). إلا أن الأجواء الفوضوية وإثارة قضية “التحرش” التي تعرضت لها بعض النائبات في البرلمان حرفت أنظار الرأي العام اللبناني عن جدول أعمال الجلسة التشريعية الأولى للبرلمان منذ انتخابه في 15 مايو (أيار) الماضي، علماً أن جدول أعمال الجلسة تضمن 40 بنداً بين مشاريع واقتراحات قوانين بعضها خلافي، لا سيما تلك المتصلة بانتخاب حصة البرلمان من أعضاء المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء (سبعة نواب يضاف إليهم ثمانية من أكبر قضاة لبنان).

مسدس للمتحرشين
وتفاعلت قضية “التحرش” التي كشفتها النائبة سينتيا زرازير، التي أعلنت أيضاً أنها ستدخل معها مسدساً إلى المجلس النيابي وقالت إنها استشارت قائد الجيش العماد جوزف عون في هذا الأمر. وضجت وسائل الإعلام وصفحات مواقع التواصل الاجتماعي اللبنانية بتصريحات زرازير، إذ كشفت عن تعرضها لمضايقات وتحرش وتنمر تحت قبة البرلمان، من قبل نواب “حركة أمل”، إذ بعد مرورها من أمامهم توجهوا إليها بالقول “أتت زرزور… صراصير”، فأجابتهم “هل من مشكلة لديكم؟ تهذبوا نحن في مجلس نيابي”. وقالت “لا يتم الاعتراف في أكثر الأحيان بأن هناك نائبة تُدعى سينتيا زرازير، مما يدفعني إلى عرض أوراقي الثبوتية عند مدخل المجلس وأحياناً ينتظر الحرس قدوم الضابط كي يسمحوا لي بالدخول، وحتى الآن يرفض تخصيص موقف سيارات لي، على الرغم من طلبي ذلك مرات عدة “.

وعن المجلات الإباحية والواقيات الذكرية التي عثرت عليها في مكتب المجلس، علقت زرازير “يتم اتهامي بأني أوجه اللوم إلى النائب الذي كان يشغل المكتب سابقاً، وهو أمر غير صحيح كوني لم أستلمه منه بل من مجلس النواب”، مشددةً “عندما دخلته تفاجأت بمدى القذارة والعفن، الواقيات الذكرية مستعملة ومرمية أرضاً، لا أعلم من وضعها وما هو السبب، لكن المؤكد أنه لا يعقل أن يسلم المجلس النيابي نائبة جديدة هكذا مكتب”.
كما شرحت زرازير كيفية التحرش بها من قبل النواب بالقول “كلما مررت من أمامهم أسمع (تلطيشاً) من قبل زعران الحي الذين لم يتخلصوا من هذه العقلية، كما حصلت ممارسات سيئة عدة، والتنمر على اسم عائلتي بمناداتي صراصير وزرزور، وهو ما يثبت أن ليس لديهم أي أمر مبدئي يتنمرون علي به، وأنا أفهم موقعهم الضعيف”. وكان النائب السابق بكر الحجيري الذي كان يشغل المكتب رقم 10 قبل أن تتسلمه النائبة زرازير، أوضح أنه لم يدخله منذ انفجار مرفأ بيروت في 4 أغسطس 2020 بسبب ما تعرض له من أضرار أسوةً بالمكاتب الأخرى، بالتالي نفى أي علم له بوجود مجلات إباحية.

سجال وتنمر
وشهدت الجلسة التشريعية الأولى سجالاً بين النائبة الجديدة حليمة قعقور ورئيس مجلس النواب نبيه بري، فما كان من الأخير إلا أن توجه لها بالقول “اقعدي وانطري للآخر واسكتي” فأجابته “هذه طريقة بطريركية بالرد”، الأمر الذي استفز عدداً من النواب من بينهم النائب فريد الخازن الذي اعترض على استخدام عبارة بطريركية طالباً شطبها من المحضر.وتدخلت النائبة بولا يعقوبيان في السجال، شارحة أن “طريقة بطريركية تعني طريقة سلطوية”، كما ساندت النائبة زرازير زميلتها قعقور، فما كان من النائب قبلان قبلان إلا أن توجه إليها بالقول “سينتيا صراصير”. في المقابل، وضع النائب في “كتلة التنمية والتحرير” قاسم هاشم، ما حصل في الجلسة في خانة النقاش والسجال الطبيعي في الأنظمة البرلمانية. وقال “نسمع عن مشادات وأكثر في كل برلمانات العالم والشواهد كثيرة”.

إنهاء التطاول
ورفضاً للأجواء التي سادت في تلك الجلسة طالبت منظمة العفو الدولية النواب اللبنانيين ورئيس المجلس النيابي نبيه بري بإنهاء التطاول على النساء في المجلس النيابي. وقالت المنظمة في بيان على موقعها على “تويتر” إن “على مجلس النواب، وتحديداً، رئيسه نبيه بري، تحمل المسؤولية لإنهاء هذا التطاول على النساء والكف عن تشجيع بيئة معادية للمرأة”. وأضافت “من المعيب أن تتعرض النائبات في مجلس النواب اللبناني خصوصاً اللواتي ينتقدن السلطات للمضايقة من نظرائهن الرجال ومن رئيس مجلس النواب نفسه لمجرد كونهن نساءً في برلمان يطغى عليه الرجال”. وتابعت “ينبغي أن يحترم مجلس النواب حقوق الإنسان ويطبق قانون تجريم التحرش”. وكانت الأمانة العامة لمجلس النواب نفت في بيان ما أوردته النائبة زرازير عبر وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي، مؤكدةً أنه “غير صحيح جملةً وتفصيلاً”. وقالت الأمانة العامة إنها في أدائها وأداء موظفيها الإداري والقانوني والأخلاقي والمسلكي لا يوجد التمييز بين أي من النواب. وأكدت أن كل كلام من النائبة زرازير “خلاف ذلك افتراء ومجاف للحقيقة”، داعيةً إياها إلى الابتعاد عن “الإثارة والتجييش والشعوبية”.

انزعاج ذكوري
من ناحيتها لم تستغرب مديرة جمعية “في-ميل” Fe-Male حياة مرشاد ما كشفته زرازير، وقالت إن “العقلية الذكورية متجذرة في الحياة السياسية، لكن لم تتجرأ النائبات ويفصحن عما يتعرضن له، لكن بعد سنوات من العمل على التوعية عن العنف الممارس ضد النساء في السياسة بدأن يشعرن بالأمان، بالتالي يضئن على ما يواجهنه”.ولفتت مرشاد إلى أن ما تطرقت إليه زرازير “أمور متوقعة من قبل الطبقة السياسية، وهناك تجارب سابقة سواء تعلق الأمر بالنائبة بولا يعقوبيان وقبلها كثيرات، وذلك كون السياسيين لم يعتادوا أن تواجههم امرأة بالسياسية من الند إلى الند، من هنا عندما تتحدث امرأة في السياسة يردون عليها من خلال الحديث عن جسدها وماضيها وعائلتها”. وطلبت مرشاد التضامن مع النائبات كونها تتوقع أن تزداد الهجمة عليهن في الفترة المقبلة، “حيث سيسببن إزعاجاً للنواب الذكور”.

نماذج طائفية
أما الناشطة النسوية علياء عواضة فاعتبرت أن “التحرش الذي تعرضت له زرازير وإسكات النائبة حليمة قعقور تحت قبة البرلمان أظهرا وجود مشرعين يتعاطون بذكورية وخفة”، مشيرةً إلى “جهلهم بأتفه المصطلحات التي تتعلق بحقوق النساء. هؤلاء هم من يقرون قوانين تنظم حياة المواطنين والمواطنات في البلد، فأي نوعية من القوانين ننتظر منهم”. وأكدت عواضة أنه “عندما يدخل النواب إلى قبة البرلمان لا يخلعون عباءة منطقتهم وطائفتهم بل على العكس يستقوون بها وهذه هي المشكلة الكبرى، مع العلم أن نظرة النواب الذكور للنائبات الإناث هي نظرتهم لجميع النساء في مجتمعنا، لذلك نجد قوانين تمييزية، فحتى اليوم لا يمكن للمرأة اللبنانية إعطاء جنسيتها لأبنائها، وإلى الآن لم يُقَر قانون موحد للأحوال الشخصية، وطالما القانون الانتخابي في لبنان طائفي ستبقى هكذا نماذج في البرلمان”.

عنف سياسي
أما الباحثة في الشؤون الجندرية عبير شبارو، فقالت إن “هذا التصرف يقع تحت مسمى العنف السياسي ضد المرأة”، كاشفةً أن “86 في المئة هي نسبة النواب النساء في العالم اللواتي تعرضن لهذا النوع من العنف اللفظي والنفسي”. ولفتت إلى أن “العنف ضد المرأة في السياسة يبدأ بمزحة، وهذا التحرش اللفظي قد يتطور إلى تهديد”. وأوضحت شبارو أن “وصول المرأة 27 مرة إلى المجلس النيابي، من خلال 12 سيدة فقط، منذ عام 1952، ومشاركة 18 وزيرة فقط في 76 حكومة تم تأليفها منذ الاستقلال، هو خير دليل على العنف السياسي الذي يمارَس على المرأة”، معتبرةً أن “النظام الذكوري الحالي بدأ يهتز، وما شهدناه ستكون وتيرته أكبر في كل مرة يزداد فيها حضور المرأة على المنابر السياسية”.