الـيـاس الزغـبـي/جنرال نفط وكولونيل غاز

350

جنرال نفط وكولونيل غاز
الـيـاس الزغـبـي/لبنان الآن

موسكو وطهران
ينتهي العام على أهمّ قائدَي حروب هما ركنا الطاقة: النفط والغاز.

فمنذ تحوّلهما قبل عقود إلى محرِّكٍ أوّل للاقتصاد والسياسات والاستراتيجيّات الدوليّة، كانا ساحة صراع أو تفاهم بين أقطاب العالم، ولا يزالان، برغم صعود الطاقة النوويّة، واكتشاف طاقات بديلة في طور البلورة.

وقد شهد الفصل الأخير من السنة العابرة استخداماً متقدّماً لهذين السلاحين في الضغط على مواقف دول وتبديل سياسات وخلط مَحاور. ولعلّ ارتفاع صراخ إيران وروسيّا اللتين تنوءان تحت ثقل العقوبات وتراجع الأسعار، خير دليل على فاعليّة السلعتين ونجاحهما في الترويض والتبديل.

فلا التهويل بالحرب على إيران وروسيّا في قضيّتي أوكرانيا وسوريّا، ولا المحادثات الصعبة والضغط في الملف النووي، ولا التضييق الاقتصادي والمالي الكلاسيكي، أثّرت كثيراً على الدولتين وأثنتهما عن مشاريعهما وأطماعهما من البحر الأسود إلى البحر المتوسّط، وعن طموحات القيصر الروسي والوليّ – الامبراطور الإيراني.

الآن، بدأ المشهد يتغيّر، من مستواه الأعلى في قضايا أوكرانيا والعراق وسوريّا واليمن وسواها، إلى مستواه الأدنى في مشهد الحوار في لبنان الذي أذعن له “حزب الله” بعد طول تمنّع.

على المستوى الدولي الإقليمي الأعلى، لم يعد خافياً مقدار وجع موسكو وطهران اللتين تعتبران هبوط أسعار النفط “مؤامرة قذرة” تتواطأ فيها واشنطن مع الرياض ودول الخليج وأوروبا.

وبات واضحاً أن قدرتهما على تمويل حروبهما تتقلّص، وبدأتا إعادة النظر في مقاربة أزماتهما، وسبل فتح أبواب التفاهمات مع الغرب والعرب. وقد كانت كوبا سبّاقة مع استشعارها هبوط الدعم النفطي من فنزويلا.

وتسعى طهران وموسكو إلى تجريب أوراق جانبيّة على تماسٍ مباشر مع خصومهما، مثل تقوية العلاقات مع تركيّا ومصر، لعلّ هذا الانفتاح يخفّف شيئاً من العبء. كما يحاولان خفض جناحيهما وحدّة صلفيهما القيصري والامبراطوري، بحثاً عن مخارج من المأزق.

أمّا على المستوى الأدنى، فيحاول المأزومان تحريك أوراق داخليّة محليّة في كل دولة لهما فيها نفوذ أو سلطة. سواء داخل أوكرانيا بين الحكم والمعارضة، أو داخل اليمن والعراق وسوريا ولبنان.

ولم يكن التحرّك الأخير لموفدَيهما بوغدانوف ولاريجاني بين دمشق وبيروت، سوى مؤشّر إلى التغيير البادئ تحت ضغط الأزمة الاقتصاديّة الماليّة الناتجة عن هبوط النفط والعقوبات القاسية معاً.

بوغدانوف سعى إلى التخفّف من العبء السوري بمحاولة فتح حوار بين النظام والمعارضة، ومحاولة استرضاء السعوديّة والغرب بتأييده اللافت لـ”إعلان بعبدا”، مع ما يعنيه ذلك من تمايز عن الحليفين الإيراني والسوري وذراعهما في لبنان.

ولاريجاني بارك حوار “المستقبل” – “حزب الله”، برغم سقطته الدبلوماسيّة الخطيرة بفعل انتمائه المزمن إلى الجناح المتشدّد، حين وضع “حزب الله” فوق الدولة، واعتبره “أفعل من بعض الدول”!

كلّ هذا يعني أنّ رضوخ “حزب الله” لمنطق الحوار بعد اعتماده طويلا منطق الانقلاب، كان بإشارة إيرانيّة واضحة تمّ تظهيرها عبر مايسترو التوليف نبيه برّي. فطهران تُعيد ترتيب أوراقها الماليّة والسياسيّة والعسكرية، بما يتلاءم مع انخفاض قدراتها، وبات تمويل مشروع القوس أو الهلال، ونجمته اليمن، أشدّ صعوبة.

وما سيُثير الانتباه في السنة الطالعة، أنّ هذا الحوار الذي انطلق تحت شعار المحظورَيْن، البحث في السلاح والحرب السوريّة، سيشهد تحوّلاً ذاتيّاً نحو كسر هذا التابو، وسيتبيّن أنّ موضوع التهدئة المذهبيّة المطروح كأولويّة، لا يمكن فكّه عن مسألة السلاح والتورّط في سوريّا. كما لا يمكن الفصل بين السلاح ومسائل الرئاسة والانتخابات وتفعيل المؤسّسات.

وقد وجد المتحاورون أنفسهم، منذ لقائهم الأوّل، أمام حتميّة البحث في “الممنوعات”، فعرضوا للوضع السوري ولو بشكل عابر.

موسكو وطهران تدخلان، مع العام الجديد، الرمال المتحرّكة، تحت تحريك النفط والعقوبات.

وفي لبنان يدخل “حزب الله” في رمال الحوار المتحرّكة. يضع “المحرّمات” ثمّ يقاربها في مجريات النقاش من حيث يدري أو لا يدري. والمؤشّر الأخير لكسر واحدة من هذه “المحرّمات” إعلانه من بكركي أنّ عون “من” الشخصيّات القادرة على تولّي الرئاسة، ما معناه أنّه ليس “الأوحد”!

فالنفط والغاز يفعلان الآن ما لم تفعله أيّ قوة أُخرى.

تحيّة للجنرال نفط والكولونيل غاز!