شارل الياس شرتوني/عودة الدولة المافيوية وتشريع نهب أموال المودعين

37

عودة الدولة المافيوية وتشريع نهب أموال المودعين
شارل الياس شرتوني/09 تموز/2022

لقد إنتهت مفاعيل الانتخابات النيابية في وقت قياسي وعدنا الى المعادلات التأسيسية لجمهورية الطائف التي قامت على أساس الاقفالات الاوليغارشية والمحاصصات والمقايضات المصلحية، بين طبقة سياسية تتماثل في تركيبتها ونهجها مع جماعات الجريمة المنظمة التي يرأسها مجموعة من العرابين. إن التعليقات الدستورية على المسار الپسودو-مؤسساتي مثيرة للضحك لأنها قائمة على التنكر، ومبنية على فرضيات قانونية لا علاقة لها بالواقع السياسي والاداري للدولة اللبنانية، وغير واعية للمسافات بين الأحكام القانونية والمجرى الفعلي للحياة السياسية، بدءا من النقض الفعلي على مدى ٣٥ سنة لمبدأ فصل السلطات كما يظهره أداء نبيه بري، وانتهاء بتبعية السلطة بمستوياتها الثلاث لمراكز القوى الاقليمية ووكالاتها المحلية، مما يجعل من المعايير الدستورية مسميات فارغة لتغطية سياسات نفوذ فعلية.

إن النهج المعتمد في مجال التعاطي مع الأزمة المالية هو العنوان الأول لهذه المفارقات الديموقراطية كما تظهرها إعلانات الحكومة اللبنانية، لجهة توصيف ومعالجة أزمة تبدد أموال المودعين من المصارف اللبنانية بفعل سياسة الديون البغيضة* التي أقرت على خط التقاطع بين جمعية المصارف والبنك المركزي والحكومات اللبنانية المتعاقبة والمجالس النيابية المتوالية، على قاعدة سياسة إرادية، وبناء على تعريف جنائي هو مفهوم تداولات المطلعين* الذي يعني أن الاطراف الأربعة على وعي تام بما قامت به، وعلى قاعدة جرمية ثابتة لا لبس فيها. هذا مع العلم أن كل ما جرى مخالف لقانون النقد والتسليف لجهة (قانونية اداء حاكم المصرف المركزي ونسبة الاستدانة والتصرف الكيفي بأموال المودعين عبر لعبة، معدلات الفوائد، والتمثل المضلل للاكتتاب بسندات الخزينة وفوائده المضخمة ( ١٢/ ٤٢ بالمئة)، واستقدام الصناديق الانتهازية، على أنه الوسيلة الفضلى من أجل تمويل عمليات إعادة الإعمار، واستثناء كل الخيارات الأخرى بدءًا بالقروض العينية، والديون الدولية المشروطة والمديدة وذات المعدلات الرمزية أو الضئيلة، وتثبيت الاستقرار السياسي لإفساح المجال أمام الاستثمارات الدولية والاغترابية، على قاعدة سياسات انمائية تداخلية تسمح بتجاوز تركات الحرب الثقيلة، ورأب الاختلالات الاقتصادية والاجتماعية والمناطقية.

هذا مع العلم أن الخلل ابتدأ مع التقاسم بين سياسات النفوذ السنية والشيعية والدرزية ومواليها في الأوساط المسيحية بتحكيم مباشر من النظام السوري، وتوزع روافعها من خلال المجالس الاعمارية والتخطيطية، واعتماد نهج التوارد بين المصالح الخاصة والعامة مقياسا مطبعا في مجال إقرار السياسات العامة (سياسة استملاك الشأن العام من قبل رفيق الحريري، ونبيه بري، ووليد جنبلاط، ونجيب الميقاتي، وفؤاد السنيورة، وحزب الله، وميشال عون وجبران باسيل).بعد هذا العرض السريع، نصل الى خلاصة غير ملتبسة، إن سياسة نهب أموال المودعين مسؤولية مشتركة بين الحكومات والمجالس النيابية المتتالية وجمعية المصارف والبنك المركزي ، وبالتالي تقع عليهم مسؤولية إعادة الأموال المنهوبة على أساس إجراء تحقيق جنائي مالي، مدغم بتفنيد للسياسات الاعمارية المشبوهة باهدافها، وكلفتها، وآليات تلزيماتها، وأقطابها، ونتائجها الكارثية على غير مستوى( الكلفة، طبيعة المشاريع وأولويتها ، وجودتها المهنية، والمحاصصات المالية الناشئة عنها…).

هذه المراجعة تحيلنا الى شرعية الاعلانات السياسة المالية التي تدفع بها حكومة الميقاتي التي تعمل على قاعدة تغييب جمعيات الدفاع عن حقوق المودعين، ونقابة المحامين، والنقابات المهنية الحرة، والجمعيات المدنية، وكأن سبل حل هذه الأزمة المالية المميتة بمضاعفاتها هو شأن اوليغارشي بإمتياز، بدءا بجمعية المصارف التي تنتظم من خلالها مصالح أصحاب المصارف والمساهمين والإداريين الكبار والتي تستثني بشكل تمييزي فاقع المودعين على تدرج إيداعاتهم، والتي تتحرك على أساس التداخل العضوي بين الاوليغارشيات السياسية والمالية ( ١٨/ ٢٠ من المصارف الفا ممتلكة منهم)، وتفرد مراكز القوى السياسية الملتئمة حول نبيه بري، وأجرام حزب الله وملحقاته ( ميشال عون وجبران باسيل)، والتسويات الضمنية بين مراكز القوى السنية المتلاحقة والدرزية والشيعية (سعد الحريري، نجيب الميقاتي وادواتهم، وليد جنبلاط…)، واستعمال القضاء المتواطىء أداة لانفاذ هذه السياسات وتشريعها (إن زيادة معاشات القضاة المعلنة أخيرا من قبل جهة غير صالحة (حاكم المصرف المركزي) هي نموذج عن السياسات الاستنسابية التي يستدعيها تشريع النهب).

لا بد أن تستحث هذه السياسات معارضة تنطلق من منازعة آلية إقراراها وإعلانها، والدفع بها أساسًا في عملية التسوية المالية الداخلية والتعاطي مع صندوق النقد الدولي والدول المانحة، وتحميل الفرقاء المشاركين مسؤولية نهب أموال المودعين وأعباء استعادتها، دون أي إيحاء بشأن عملية البلف المسماة توزيع الخسائر، فالخاسر الوحيد هو المودع اللبناني، وإعادة هيكلة النظام المصرفي على قواعد بازل الثلاث والمواءمة بين موجبات الاقتصاد المالي والفعلي ومعاييره المعلوماتية الناظمة، وعدم متابعة سياسة القضم المالي عبر بيع الذهب والتصرف بما تبقى من أصول الدولة المنهوبة. إن أية سياسة حكومية تخرج عن هذا الاطار الناظم تندرج في سياق تشريع سياسات النهب ومتابعة التفكيك المنهجي للدولة اللبنانية، كما تؤشر إليه المصالح الاوليغارشية المستنفرة، والاداء الانقلابي لسياسة السيطرة التي يديرها الثنائي الشيعي.
*Dette Odieuse, Odious Debt
**Délit d’initié, Insider Trading