الكولونيل شربل بركات: لبنان ونظام الحكم…محاولات اللبنانيين فرض العيش المشترك بظل سيطرة سلاح حزب الله وتنفيذه لأوامر الولي الفقيه وصلت إلى طريق مسدود

101

لبنان ونظام الحكم
الكولونيل شربل بركات/06 حزيران/2022

يقف النظام اللبناني إذا على المحك كون حزب السلاح يصادر قرار الشيعة كمركب اساسي بالبلد وهو يحوّل هذا البلد إلى مقاطعات غير متجانسة ولا متداخلة وتنتفي فيها المساواة في الحقوق والواجبات إن من ناحية التسلط أو تنفيذ القوانين وعدم المساهمة بدفع الرسوم تحت أعذار مختلفة تسببت بخراب أهم مصدر محرك للاقتصاد وهو الطاقة الكهربائية، فكيف يمكن اعتماد الديمقراطية فيها؟

****
اعتمد لبنان منذ نشاته نظام الحكم الديمقراطي المستند على حكم الأكثرية النيابية ومعارضة الأقلية ومراقبتها ممارسة الأكثرية لهذا الحكم كي لا تصبح مستبدة فتنسى القوانين وتطبيقها والعدالة وممارستها وتتحول إلى خدمة مصالحها بدل خدمة الشعب الذي انتخبها واعطاها سلطة اتخاذ القرار لحماية الناس وتسهيل حاجاتهم.

منذ قيام لبنان الكبير حاولت الفئات التي اعتبرت نفسها خسرت بانحسار الهيمنة العثمانية استلهام الأفكار الهدامة للوطن والنظام القائم بقصد تفشيل التجربة الديمقراطية في حكم البلد وسقوطها في الفوضى والأعمال الغوغائية التي تسمح لأي كان بالسيطرة عليها طالما وجد بالداخل من يسانده. وقد كانت الدول التي تبنت نظام الانتداب حاولت أن تعلم اللبنانين ممارسة تنظيم البلاد وادارتها برعاية المجالس المنتخبة.

أما بعد الحرب العالمية الثانية حيث منيت أكثر القوى العالمية بخسائر في الأرواح والعتاد وتهدمت مناطق كبيرة في دول أوروبا جعلتها تلملم بقاياها لتركز على اعادة اعمار بلادها خاصة فرنسا التي أثقل كاهلها الاحتلال الهتلري وبريطانيا التي دمرها قصفه العشوائي وكذلك الاتحاد السوفياتي الذي كان خسر ملايين القتلى وهدمت مدنه الرئيسية. وبالرغم من العداوات التي قامت بين النظام النازي وأعوانه من جهة وقوات الحلفاء من جهة أخرى، حاولت الدول المنتصرة أن تسهم في اعادة اعمار وتنظيم المجتمعات في طول أوروبا المنهكة وعرضها وبالتالي لم تعد تعير الكثير من الاهتمام للمناطق الموكل اليها ادارتها فتركتها تحت شعارات الاستقلال وحرية الشعوب. وقد ساهمت الصحف ودور الاعلام فيها بترويج هذه الافكار لجعل الانسحابات تبدو تحت ضغط الشارع في تلك البلاد المطالبة بالحرية والاستقلال.

نال لبنان استقلاله سنة 1943 أي بعد سنة من دخول قوات الحلفاء بقيادة الفرقة الاسترالية إليه وبالتالي لم تكن فرنسا قد تحررت بعد من نير الاحتلال النازي وذلك لكي تتفرغ قيادة فرنسا الحرة للتركيز على عملية تحرير أرضها. وفور انتهاء الحرب سنة 1945 بانتصار الحلفاء بدأ البريطانيون التحضير للانسحاب من الهند أولا سنة 1947 تحت ضغط حركة غاندي المطالبة بالاستقلال ومن ثم من فلسطين في 1948 بينما لم يكن لهم ضرورة في مصر التي حكمت من قبل سلالة محمد علي منذ أواسط القرن التاسع عشر بالرغم من وجود مصالح لهم في قناة السويس.

تعرضت تجربة لبنان بالحكم الديمقراطي لعدة ازمات كان أولها محاولة التجديد للرئيس بشارة الخوري في 1952 ثم محاولة عبد الناصر ضم لبنان للجمهورية العربية المتحدة التي انتهت بانزال للمارينز على سواحل لبنان، ومن ثم محاولة منظمة التحرير الفلسطينية السيطرة على البلد منذ أحداث 1968 والتي كانت انتهت بما سمي اتفاق القاهرة ما عطل بنود الهدنة الموقعة مع اسرائيل سنة 1949 والتي كانت ضمنت الأمن عبر الحدود المشتركة طيلة عشرين سنة.

اليوم وبعد تتالي الأزمات وخلخلت النظام الديمقراطي بواسطة الحكم المباشر للسوريين مدة ما يقارب الثلاثة عقود، ومن ثم السيطرة الإيرانية على المؤسسات بواسطة سلاح الحرس الثوري المتمثل بحزب الله وأعوانه، ماذا تبقى من الديمقراطية في لبنان وكيف يمكن تصور الحلول لمشاكله؟

قلنا بأن شروط النظام الديمقراطي تكمن في حكم الأكثرية البلاد ومراقبتها من قبل الأقلية المعارضة فاذا انتفى وجود المراقبة تصبح الأكثرية الحاكمة تحت أي مسمى (حكومة وحدة وطنية أو حكومة توافقية…) بدون مراقبة ما يعطل المساءلة وبالتالي الحكم فيتحول إلى نوع من الديكتاتورية الفاسدة والتي تستغل طاقات البلاد للاثراء غير المشروع وتقاسم الثروات من قبل المجموعة الحاكمة واستغلال السلطة لمصالح فئوية ضيقة تسهم في فرض سيطرتها على الناس بالقوة والتنفيذ المجحف للقوانين ما يؤدي بالطبع إلى تأخر البلاد ودخولها نفق الاستنزاف والفوضى والتقهقر وبالنتيجة الافلاس.

بعد الانتخابات النيابية التي جرت في منتصف الشهر الفائت هل يمكن التأمل بالتغيير؟

الجواب سلبي كون ممارسة الديمقراطية كما اشرنا سابقا يتطلب موالات ومعارضة، وبما أن البلاد تحكم منذ نشؤ لبنان الكبير بنوع من التوازن بين المجموعات الحضارية فيه، ما يتطلب قيام تنوّع في داخل كل مجموعة منها لكي تنسحب قضية الديمقراطية على كافة مركبات البلد، فإن انتفاء المعارضة داخل المجتمع الشيعي وفرض لون واحد على هذه الطائفة ممثلا بجماعة إيران المسلحة والتي منعت، ليس فقط نجاح أي نائب يخالفها الراي، بل حتى حق الترشح في بعض الدوائر، فإن ذلك مؤشر على عدم ممارسة الديمقراطية، كما رايناه واضحا بانتخاب رئيس المجلس حيث كان السيد بري مرشحا وحيدا (أزليا) يرأس المجلس النيابي للمرة السابعة على التوالي ما يعتبر مخالفا لكل الأصول الديمقراطية مهما حاولنا تجميل الوضع بالاتفاق على انجاحه بأكثرية صوت واحد وهي نكتة سمجة في اخراجها وروايتها.

يقف النظام اللبناني إذا على المحك كون حزب السلاح يصادر قرار الشيعة كمركب اساسي بالبلد وهو يحوّل هذا البلد إلى مقاطعات غير متجانسة ولا متداخلة وتنتفي فيها المساواة في الحقوق والواجبات إن من ناحية التسلط أو تنفيذ القوانين وعدم المساهمة بدفع الرسوم تحت أعذار مختلفة تسببت بخراب أهم مصدر محرك للاقتصاد وهو الطاقة الكهربائية، فكيف يمكن اعتماد الديمقراطية فيها؟

من هنا فإذا ما استمرت سيطرة هذا الحزب بالقوة أو بالاقناع لا فرق على الطائفة الشيعية بأكملها فإننا نعتبر لبنان انتقل من النظام الديمقراطي إلى نظام آخر قد يكون أشبه بالثيوقراطي في مناطق تواجد الأكثرية للشيعة. فإما أن يتغير نظام البلد ككل من الشكل الوحدوي إلى الحكم الذاتي للمناطق والتي قد تطالب بالاجتماع مع مناطق أخرى ضمن بلد واحد في نظام يشبه الفدرالية أو غيرها من الحلول المعتمدة بالعالم، أو تبدأ ممارسة شكل آخر من التقسيم تحكم خلاله المناطق الشيعية وفق نظام خاص بها وتتحمل نتائجه نجاحا أو فشلا فلا هم يفرضون مساوئ خياراتهم على المناطق الأخرى أو الطوائف الأخرى ولا يفرضها عليهم الآخرون. أما في حال تعذر هذين الحلين فإن المناطق التي يسيطر فيها حزب الله هذا سوف تعتبر مناطق محتلة ما يدعو إلى المطالبة بتحرير بقية المناطق بمرحلة أولى ومن ثم محاولة اعادة ضم المناطق التي يسيطر عليها الحزب لاحقا بحسب مطالبة سكانها أو عدمه.

انتظار الحلول الآتية من الخارج صعب جدا ومضني وقد يجرف سوء الادارة كل مقدرات البلد قبل أن يصبح مضرا لمصالح الدول القادرة على التغيير. إنما، وإذ يمر الشعب اللبناني باسوأ ما يمكن من ادارة فاشلة ويرى كل يوم وبأم العين سقوط عمود آخر من أعمدة الوطن، فإن عملا سريعا يجب أن يوضع على الطاولة ويبحث بجدية وباصرار من قبل بقية مركبات الوطن التي لا تريد أن تعيش في ظل سيطرة حزب الله وسلاحه.

إن محاولات اللبنانيين فرض العيش المشترك بظل سيطرة سلاح حزب الله وتنفيذه لأوامر الولي الفقيه وصلت إلى طريق مسدود وعليه، ومهما تكن مصالح دول العالم والمنطقة متكيفة مع حكم الملالي الإيراني، فإن استمرار لبنان كبلد هو على المحك الآن. فإما أن يغير حزب الله طريقته بفرض الراي على الآخرين بدءً من الطائفة الشيعية الكريمة فيسمح بتعددية الراي وبنشؤ معارضة لسياساته قادرة على التعاطي بالشأن العام والمشاركة بتنظيم معارضة وطنية فعالة تستند على حرية الرأي هذه وحرية التصرف والحركة ويبدا بالتخلي عن سلاحه الذي يفرض الارهاب ويمنع حرية الخيار ومخالفة الرأي، وإما أن يعلن احتلاله حيث وجد وسيطرته على المناطق التي يستطيع فرض حكمه فيها ويترك الآخرين ينظمون شؤونهم بأنفسهم ويختارون طريقة عيشهم وعلاقاتهم مع دول الجوار والعالم.

إن حزب الله الذي يتخفى تحت شعار المقاومة أرهق لبنان وشعبه بدءً بالشيعة وقد صادر قرار المؤسسات وسيطر حيث أراد على الشارع وعلى تصرف اللبنانيين، ومن ثم فرض حروب الآخرين وعداواتهم على البلد بكامله واستعمل اللبنانيين، ولو كانوا من الشيعة، كمرتزقة للقيام بحروب في دول المنطقة، من سوريا إلى البحرين والسعودية واليمن وغيرها، ومن ثم استعدى بتحالفاته دولا كثيرة للبنانيين فيها صداقات متينة ومصالح مهمة وجاليات مستقرة. وهو اليوم عطل النظام الديمقراطي وفرض التجديد للرئيس بري للمرة السابعة، وسوف يقوم بالطبع باختيار حكومة على قياسه تعطل البلد أكثر مما عطلته الحكومات التي ساندها منذ 2019، وسيحاول أن يعطل أيضا انتخاب رئيس الجمهورية إن لم يقدر أن يأتي بدمية جديدة تنفذ له سياسته بمصادرة قرار اللبنانيين وحكمهم من قبل الولي الفقيه مباشرة.

الكلام على الاصلاحات والشعارات التي ينادي بها بعض التيارات السياسية المستحدثة لن يؤدي إلى أي تقدم في مسيرة البلاد طالما بقي التمييز بين اللبنانيين واقعا ومفروضا بالقوة، والالتصاق بمحور اقليمي ومعاداة البقية تحت أي شعار لن يسهم في الاستقرار، والذي بدوره يعتبر الاساس الذي يبنى عليه الاقتصاد الناجح، من هنا فإن اللبنانيين على مفترق طرق مهم وحساس ومصيري وعليهم الاختيار بين الدولة الموحدة والتي تعترف بتعددية المصالح وحق الاختلاف بالراي ولكن مع احترام نظام الاقتصاد الحر الذي أثبت فعاليته والحياد بين القوى الاقليمية الذي يمنع التدهور ويحافظ على الاستقلالية، وذلك لكي يكون التنوع الداخلي عنصرا ايجابيا في المساهمة بالحلول وليس عنصرا سلبيا لاضافة التعقيد يتحمل البلد نتائجه المضنية، وبين الذهاب إلى المطالبة بفرض مناطق خارجة عن سيطرة حزب الله تدار من قبل الدولة منفردة وتعمل فيها قوى المعارضة على المراقبة الجدية لكل التصرفات بدءً بالجبايات إلى الموازنات والمعابر الدولية والطاقة واستعادة الثقة بالمؤسسات المالية وغيرها من البنود التي يرتكز عليها الاقتصاد.

من هنا فان التزام حزب الله وتعهده منع الاعتداء على حدود اسرائيل سنة 2000 كان يجب أن يتبعه عودة العمل باتفاقية الهدنة الموقعة منذ 1949 والتي تلغي وضع الساحة المفتوحة بدل أن يكون الادعاء بالتحرير بالقوة والدخول بحلف الحرب هو الخيار الاعلامي المتبع والذي لا يفعل سوى تهييج النفوس بدون نتيجة ومنع ازدهار المنطقة والتحضر للمساهمة بخلق أجواء سلمية تعود على اللبنانيين بالخير وعلى المحيط بكامله بالتطور للحاق بركب الحضارة.
إن العودة إلى اللعبة الديمقراطية اساسي في تطور البلد ولكن هذه اللعبة تتطلب مساواة وحماية للحرية ومساءلة، ومن هنا ضرورة المعارضة وتنوّع الطروحات فيعطي الشعب تكليفه لمن ينجح في ادارة البلاد لا لمن يدعي الحق الالهي بالقدرة على خلق الفوضى وتهديد مصالح الناس…