بول عكاري/الموارنة… ولبنان

37

الموارنة… ولبنان
بول عكاري/الكلمة أولاين/30 أيار/2022

نحن شعب مشرقيّ سريانيّ آراميّ عمره 1600 سنة. لقد ولدنا من لدن هذا الشرق الجميل اللعين، حيث ترعرعنا في ربوعه لنصبح أمّة حيّة مسالمة منتشرة في سائر أقطاب المعمورة. نحن شعب عنيد وصلب وشديد البأس، يعشق الحريّة والكرامة الإنسانيّة. شعب غيور على كنيسته ودينه وكيانه وديمومته. شعب لم يعتد على أحد، بل اضطُهد زوراً وظلماً على مرّ الأزمنة، ولكنّه لم يتزحزح، بل ازداد إيماناً وعزيمة على إتمام رسالته الإنسانيّة المبنيّة على المحبّة والتسامح الإنسانيّ. شعب يحب الانفتاح، ولا مانع لديه من العيش مع جميع المكوّنات الإنسانية. شعب التصق بلبنان وأرضه وجلوله، كما يلتصق الروح الحيّ بالجسد الفاني. نحن شعب لا يموت، بل بعد كلّ نكبة تراه يقوم، كطائر الفينيق، من تحت الرماد.

نحن شعب يؤمن بإله واحد، آب ضابط الكلّ…يعوّل على محبّة أمّنا مريم العذراء، ويلتمس شفاعتها من أجل إحلال السلام والوئام والمحبّة، من أجل خلاص لبنان وأبنائه كافة، ومن أجل حياة إنسانيّة كريمة.

نحن أمّة شامخة كشموخ أرز الربّ، متجذرة في الأرض كالجنين المربوط بحبل سرّة أمّه، روحيّتها منبثقة من “روحيّة قنّوبين” التي هي فعل صلاة وصوم وصبر وصلابة وصمود. “روحيّة قنّوبين” هذه، نفحتها حريّة وكرامة إنسان وإخاء وتعاضد، ومدماكها الرجاء والأمل. فعل إيمانها التجرّد بالمحبّة والتسامح والفكر النيّر. سلوكياتها الطاعة، والطهارة، والتواضع، والقناعة برزق الربّ، وقهر الذات (الانسحاق بالله). أمّا حضور الموارنة في قنّوبين فهو “كالإزميل الذي يعمل في نحت حجر جرن الكبة، وفي كنيسة تنبت قديسين على مدى الأجيال ولا تملّ” (ميشال عويط).

نحن شعب طيّب ومطيع، يمشي وراء بطاركته الذين أعطوا “مجد لبنان”. بطاركة أحرار وشجعان، همّهم المحافظة على كنيستهم وشعبهم ولبنانهم. بطاركة جاهدوا وكدّوا للحفاظ على كرامة شعبهم وحرّيته وديمومته، وعلى عقيدته الثابتة المترسخة بقوة الإيمان. كنيستنا ورهباننا وقديسونا كانوا دوماً ملتصقين بشعبهم ويعيشون مع الرعيّة ببساطة ووداعة دون ترفع وتكبر.

نحن شعب استطاع إلى العلم سبيلا، ونحن أعلام المدرسة المارونيّة في روما، وتلامذة عين ورقة…نحن كنا روّاد هذا الشرق ونهضته، وكنّا السبّاقين في المطالبة بالاستقلال والنضال من أجل وطننا. نحن شعب عمل من لبنان “سويسرا الشرق” ومن ثم جاء من عمل منه “صومال الشرق”. نحن الانفتاح، ونحن من ضمّ الأقضية الأربعة إلى لبنان لأننا لا نخاف من العيش مع الآخر تحت سقف الوطن. نحن نجسّد ثقافة الحياة والفرح والعيشة الهنية، وغيرنا يروج لثقافة الموت والحزن وذلّة المعيشة…

نحن شعب، في القرنين الماضيين، تعرّض لعدّة إبادات ومجازر ونكبات، منها مجازر1840 و1860 والمجاعة التي تسبّب بها العثمانيّون والأوروبيّون، إضافة إلى الاحتلالين الفلسطينيّ والسوريّ. أمّا حاليّاً، فاستفرد بنا “الولي الفقيه”، بواسطة عامله “حزب الله”، وبغطاء “مارونيّ” غير مارونيّ، المتشبع عقيدة الإسلام السياسيّ الشيعيّ التي تهدف إلى إفقار الشعب وذلّه وتدميره من أجل السيطرة على موارد الدولة ومرافقها، وأخصّها المرافئ البحريّة والجويّة والبريّة لمنفعته الخاصة ومنفعة مشغّله لإقامة “الأممية الشيعية العالمية”.

نحن شعب، عندما يوسوس إبليس في رؤوس البعض منه ويغلبهم، نصبح جزّارين ومجانين وجهلة على شاكلة قايين وهابيل. نحن شعب، عند كلّ نكبة تحلّ علينا، نتهجّر ونتشتت في أصقاع الأرض. نحن شعب قلبه قلب أسد وقلب قادته قلب يوضاس…عند امتحان السلطة ، يكرم المرء أو يهان! نحن شعب، عندما يشْرُد الراعي عن الرعيّة وينكفئ الجيش الأسود ويفشل في تحمّل مسؤولياته، ندخل تلقائيّاً في الدرك الجهنّميّ…

بعد أن دمّر المسيحيون أنفسهم بسبب جنوح أحدهم، المصاب بأعلى درجات #متلازمة_الموارنة، سُلّم البلد إلى السنّة ومن ثمّ إلى شيعة “ولاية الفقيه” ، بالتضامن والتكافل، مع “حركة المتخومين”. النتيجة جاءت فساداً ومحارم وإفلاسات وهجرة وسرقة أموال الشعب بمعيّة نفس الأشخاص المصابين بتلك المتلازمة…

بكلّ بساطة، وبحسب ميثاق 1943، هذا نحن، الجناح المسيحيّ في الوطن. أمّا الجناح المسلم، الذي أضحى منقسماً إلى فئتين متناحرتين، فيجب عليهما أن يُعرِّفا، من دون تقيّة ومواربة، وبكلّ بساطة أيضاً، عن نفسيهما وعما يريدان من الشريك الآخر في الوطن وفي الإنسانيّة. فلتُحلّ الأمور بكلّ محبّة وواقعية وفعّاليّة من أجل حقن الدماء ومنع هتك الأرزاق والأعراض.

وعليه، يجب على اللبنانيّين أن يحلّوا “الحزورة اللبنانيّة” التالية: كيف لك أن تجمع وتُعايش بوئام ومحبّة ومساواة في دولة خيّرة عادلة وآمنة تحت سماء أقدم الأوطان مجموعات مذهبيّة ودينيّة ومناطقيّة مجبولة بالأنانيّة والكراهية والكذب والجهل المقدس؟

في حال عدم الوصول إلى اتفاق أو التفاهم، يجب الطلب، إراديّاً وطوعيّا،ً من الأمم المتّحدة والمجتمع الدوليّ وضع لبنان تحت الوصاية السياسيّة والأمنيّة مع تشكيل لجنة تتقصّى واقع الأمور، وتبيان رغبات اللبنانيّين الصريحة، من أجل وضع نظام جديد يحمي “الوحدة في التنوّع” والعيش الكريم لكل مكون وفقاً لمزاجه وطبائعه وثقافته ومفهومه للبنان.