المحامي عبد الحميد الأحدب/لا شيء حقيقي…تطبيع ثلاثة ارباع الدول العربية مع اسرائيل وما عدا لبنان وسوريا الأسد والعراق، مؤشر على أن النزاع العربي الإسرائيلي قد انتهى، وجاء موعد حل دولي سلمي مكانه

48

لا شيء حقيقي… كل شيء ممكن
المحامي عبد الحميد الأحدب/23 أيار/2022

في العراق شلّوا الحياة السياسية، وفي سوريا دمروها بالغازات السامة، ولكن تطبيع ثلاثة ارباع الدول العربية مع اسرائيل وبالمساندة الأميركية مؤشّر على أن تجربة العراق وسوريا لن تنجحا في لبنان، بل سيكون لبنان نهاية ايران وحزبها.

لبنان كتلة انسانية غير عادية تشحنها طاقة نفسية غير عادية ايضاً. ومَبْعث الغرابة ان الكتلة الإنسانية في لبنان ليست متجانسة بل متنافرة وهي برغم ذلك متماسكة. ثم ان الطاقة النفسية لهذه الكتلة الإنسانية اشد غرابة اذ ان فيها من قوة الجذب بمقدار ما فيها من قوة الطرد. ومن هنا نظرة الى صورة اللبناني لا يمكنها الا ان تكون متوازنة لأن الناظر الى لبنان يرى أنه ممسك بخناقه يُحاول احتواءه في طاقته، وليس امام لبنان غير أحد منفذين: ان يستسلم امامها ويترك نفسه لقوة الجذب تشده، فإذا نحن من عشاقه، او يجفل من محاولة الإطباق عليه وتلحقه قوة الطرد لتدفعه فإذا هو يبتعد ضيقاً منها وربما كرهاً لها. وليس هناك من حل وسط بين النقيضين. كما أنه لا يوجد طريق ثالث. إما الوقوع في غرام لبنان وإما الهرب من أشباحه وروائحه!

ويبدو ان العالم استسلم لقوة الجذب في لبنان ووجد انه من عشاق لبنان. وأعترف ايضاً أنني لم اجد جواباً واحداً واضحاً لسؤال خطر لي مرات عن بلدي لبنان وسره وسحره وتأثير الإثنين عليه؟  هل السبب هو احترام الإنسانية الشديد للحضارات التي انتجت كل ما له قيمة في حياة الإنسان من ايامها وحتى الآن؟ بعضه صنعته الأيدي كالزراعة والكتابة والبناء وتشكيل المعادن والنحت الى آخره، وبعضه الآخر حققته الأدمغة وحياً او الهاماً كالتوحيد والفلسفة والقانون والأسطورة والشعر والموسيقى والرسم الى آخره؟  الكتلة الإنسانية اللبنانية فيها فرعين، اسلامي ومسيحي متوازنين، وهذا نادر في العالم الإسلامي والعالم الغربي!

الكتلة الإنسانية فيها نقيضين، وهذه هي الغرابة، وهما يكملان بعضهما ويجذبان بعضهما. الإسلام اللبناني ليس كإسلام باقي الدول الإسلامية، لأن فيه طعم واختلاط بالمسيحية!  والمسيحية اللبنانية ليست كمسيحية باقي دول العالم، لأن فيها طعم من الإسلام وطعم من القديس شربل، فيه كثير من قيم الأوزاعي الذي فيه كثير من طعم وقيم القديس شربل!  وتتناوب هذه الكتلة الإنسانية مع الإمام الأوزاعي حيناً، وحيناً آخر مع القديس شربل! في لبنان 17 طائفة، ولكنها كلها تجتمع في تيارين: الإسلامي والمسيحي!

ولبنان مقصد الأشقياء الذين تجذبهم جواهره، كما الفلسطينيون، ثم البعثيون، ثم الإيرانيون حيناً، ومقصد بابا روما الذي يأتي ليبسلم الجراح ويزرع المحبة، هذا عن حقبة هذه الأيام! قبل ذلك وفي التاريخ كانت الحقبات متشابهة. المسيحية نبعت من لبنان وتجذّرت فيه، والإسلام اتى مع الفتوحات ليترسخ وينتج اسلاماً عصرياً بنّاءاً يضيء جواهر الإسلام.  وفي المسيحية خونة كالذين يريدون الذهاب بلبنان الى ايران، ومسلمون خونة كالذين ارادوا الذهاب بلبنان الى سوريا. والخونة الخونة هم الذين يريدون الذهاب بالمسيحية الى ايران، والذهاب بالإسلام اللبناني الى القذافي وحافظ وبشار الأسد وأمثالهم، الخونة الذين خرجوا عن دينهم ومعتقداتهم وتاريخهم، يذهبون بحثاً عن السلطة والكراسي!

في هذه الحقبة من التاريخ الأزمة شيعية!  كيف وصلنا الى هذا الدرك؟ كيف اصبح كل الشيعة ايرانيون؟ وكيف اصبحت كل الشيعة من حزب الله؟  كيف وصلنا الى هنا؟ كان الشيعة الذين عانوا ظلماً كبيراً في القرن العشرين، كانوا ثلاثة كتل: شيعة الزعماء والعائلات ثم شيعة الأحزاب اليسارية (ثلاثة ارباع الحزب الشيوعي كانوا من الشيعة)، ثم كتلة رجال الدين التي قويت شوكتهم كثيراً مع موسى الصدر، الذي قتله الخميني بواسطة القذافي! ومع الحرب الأهلية اخذت الكتلة الحزبية الشيعية الشيوعية تتراجع الى ان زالت من الوجود، وبقي في الميدان كتلتان، كتلة الزعماء (ككامل الأسعد وصبري حمادة)، وكتلة رجال الدين التي اصبحت كبيرة جداً مع موسى الصدر ثم جاء عهد امين الجميل المشؤوم الذي يبيع ويشتري بأي ثمن، فأسقط كامل الأسعد ودوره الوطني في تلك الفترة لعل حافظ الأسد يرضى عنه.

وتساقطت الزعامات والعائلات الشيعية مع سقوط كامل الأسعد، فلم يبقَ في الميدان سوى رجال الدين الذين اصبحوا قوة شيعية كبيرة مع موسى الصدر والذي اغتاله بعد ذلك معمر القذافي، والذي رفع شعار السلاح “زينة الرجال” بدون حكمة موسى الصدر وعبقريته. ولم يبقَ في الميدان سوى حديدان: كتلة رجال الدين والتي صادف احتلالها شيعة رجال الدين وانفرادهم بالساحة في غياب موسى الصدر وقيام الثورة الإيرانية، ثم دخول ثم انسحاب اسرائيل من لبنان – وقد رُشّت الأرز والأزهار- على الجيش الإسرائيلي في الجنوب من الشيعة الذين عانوا الأمرّين من الفلسطينيين الذين “طَوّب” لهم اتفاق القاهرة الجنوب ملكاً مستساغاً! فنكلوا بشيعة الجنوب تنكيلاً لم يفعل الإسرائيليون اكثر منه!

اذاً، لم يبقَ في الميدان سوى رجال الدين وفي نفس الوقت الثورة الإيرانية، وبغياب حكمة موسى الصدر انبرى اقزام الشيعة من رجال الدين الى التحالف مع الثورة الإيرانية. وهنا وقعت الواقعة، حين تحالف اقزام السياسة المارونية مع رجال الدين الشيعة المتحالفين مع ايران، فكانت رئاسة الجمهورية الى الخارجين عن الطاعة من اقزام الموارنة، وكانت البلاد مباحة مستباحة لرجال الدين الشيعة، الذين انتظموا في ميليشيا عسكرية نازية مسلحة ليس ولاؤها لإيران فحسب، بل تحولت الى جزء من ايران، وسقط لبنان في السياسة الإيرانية منعزلاً عن المنطقة العربية وانهار اقتصاده وقضاؤه ومدارسه وعملته و… و… حتى المرافئ دمروها وجعلوا القضاء مشلولاً كي لا يكشف ان تفجير المرفأ كان ايرانياً من حزب الله، ولم يبقَ شيئاً على الإطلاق منه سوى الإنتخابات في 15 ايار التي زوروا فيهم ما طاب لهم التزوير ومع ذلك صارت الأغلبية من معارضي ايران وحزبها ومؤيدة لسيادة لبنان واستقلاله. وكانت ايران قد استباحت سوريا فأنقذت حكم آل الأسد والبعث ودمرت سوريا عن بكرة ابيها ثم قتلت الملايين وتولت روسيا الباقي.

كما استباحت ايران العراق، وحين جرت الإنتخابات العراقية بعد استباحة ايران للعراق، فاز الشيعة المعارضون لإيران، ولأن ايران استباحت العراق، فقد جعلت الحياة السياسية المعارضة لإيران مستحيلة ولم يعد مجلس النواب العراقي ذو الأغلبية الشيعية المعارضة لإيران، قادراً لا على انتخاب رئيس للجمهورية ولا على تعيين رئيس للوزراء ولا حتى على تشكيل وزارة.  وبعد 15 أيار، حصل في لبنان اقل مما حصل في العراق، اذ لم تعد الشيعية السياسية الإيرانية لها الأكثرية في المجلس النيابي، بل صارت الأكثرية في المجلس النيابي من المسيحيين الطاهرين والمسلمين الطاهرين، ولكن ايران بواسطة ذراعها المسلحة المسماة “حزب الله”، ستحاول ان تجعل الحياة السياسية في لبنان مستحيلة كما في العراق، وإلا حرب غازات سامة كما في سوريا.

في لبنان بدأ شلّ الحياة السياسية بانتخاب رئيس المجلس نبيه بري الذي ليس له مؤيد سوى الأقلية المؤيدة لإيران وحزبها، بينما الأكثرية من المعارضين لإيران وحزبها ولنبيه بري، ولأن المركز هو شيعي (كما يسمونه في الميثاق الوطني)، فإن المشكلة ستكون بفوز الأقلية الإيرانية والحزب على الأكثرية في انتخاب رئيس المجلس والتجديد لنبيه بري بعد ثلاثين عاماً هو كما التجديد لحسني مبارك في مصر بعد ثلاثين عاماً، في التجديد الأخير انفجرت مصر في ميدان التحرير ويُخشى ان يحصل الشيء نفسه في كل ميادين بيروت من اجل التجديد لنبيه بري.

وذلك شبيه بما في العراق! وبما حصل في سوريا من الغازات السامة والتدمير والقتل، اي الحرب الأهلية!!!

امامنا طريقان: إما ان يتابع الحكم الإيراني وحزبه استباحة لبنان ويبقى الإنهيار والفساد والخراب كما في العراق، مع ان في العراق نفط وليس لدينا سوى صوت فيروز!  وهذا احتمال، ولكن الإحتمال الآخر مأخوذ من حرب أوكرانيا، حيث استفاقت دول الغرب من ثباتها واصبحت تساند اوكرانيا بالسلاح والمال وتفرض حصاراً على روسيا! وتعود لحماية وزعامة الحرية والديمقراطية في العالم الحر.

وهذا ليس حلماً…

فتطبيع ثلاثة ارباع الدول العربية مع اسرائيل وما عدا لبنان وسوريا الأسد والعراق، مؤشر على أن النزاع العربي الإسرائيلي قد انتهى، وجاء موعد حل دولي سلمي مكانه!  تَجَمُّع الدول العربية وتحالفها مع اسرائيل بمساندة اميركية مؤشر على أن العالم لن يتركنا بين انياب ايران وحزبها، كما حصل في العراق وسوريا، وان عدو العرب هو ايران ولم يعد اسرائيل، وان الغرب لما استفاق من ثباته العميق، استفاق لحماية الحرية والديمقراطية في العالم.

الإحتمال الثاني هو الأرجح لأن وقائعه ثابتة وقد اخذ طريقه الفعلي. اما الإحتمال الأول ان تبقى ايران وحزبها مستبيحة لبنان كما استباحت العراق وسوريا، والأيام القادمة ستؤشر الكتلة اللبنانية المتماسكة وقوة جذبها ستكون على “قد الحمل”، ولن تُمكِّن ايران وحزبها من استباحة لبنان وحربه مع اقزام الأقلية المسيحية المتحالفة مع ايران، لأن انظار العالم كله متجهة اليها كما الى اوكرانيا! سيبدأون بحل الحياة السياسية اللبنانية ولن ينجحوا، لأن القوى الفائزة قوى الأغلبية من العمالقة الذين يَهون كل شيء امامهم سوى سقوط لبنان في انياب ايران.