شارل الياس شرتوني/نبيه بري أو الجمهورية التي لا قدر لها

93

نبيه بري أو الجمهورية التي لا قدر لها
شارل الياس شرتوني/21 أيار/2022

انتهت الانتخابات النيابية وابتدأت المشاكل الفعلية مع فارق وحيد، هو استعادة نسبية للحركة الدستورية والسياسية، خارجًا عن إقفالات الفاشيات الشيعية المحكمة وحلفائها الاراديين والموضوعيين في الأوساط الاوليغارشية والحراكية، التي تلتئم معها حول حماية سياسات النهب والحيازات العامة، واستهداف الكيان الوطني اللبناني.

المشكلة الأولى هي المواجهة للمرة الثلاثين مع واقع التجديد لنبيه بري، عنوان الفساد والتهاوي الديموقراطي الذي تمتاز به جمهورية الطائف، التي أفضت خلال الثلاثين سنة الماضية الى إنهيار الكيان الدستوري والوطني والفعلي للدولة اللبنانية، التي تحولت الى نقطة التقاطع الوهمية بين سياسات النفوذ الاقليمية والداخلية، والتعبير المؤسسي المتكامل عن الواقع الپوليارشي (دولة الرؤوس المتعددة, Hydre) التي أسست لنظام المحاصصات، والسلطات المتوازية (الدولة المؤسسية مقابل بدعة طاولات الحوار، والأندية الاوليغارشية المغلقة، والتفاهمات الثنائية والرباعية والاوليغارشية/ الإتفاق الرباعي، وثيقة مار مخايل، اتفاق الدوحة، إتفاق بعبدا، اتفاقية معراب، مصالحة الجبل… ) التي تحركت خارجا عن كل الأصول الدستورية والميثاقية والسيادية ومبادىء دولة القانون، وقامت على قاعدة اقتسام الموارد الريعية ومؤسسات الدولة والحيز العام، انطلاقًا من مبدأ استملاك القرار الاقتصادي من قبل رفيق الحريري (الفواصل المتموجة بين مصالح الشخص وصلاحيات رئيس مجلس الوزراء)، وتسلم مراكز القوى السياسية الشيعية والدرزية لحيازاتها وريوعها داخل الدولة (État-Butin)، واستتباع المسيحيين من خلال سياسة توزع المسالب ( Spoils System) على النخب التي اصطنعتها سلطة الاحتلال السورية في أوساطهم، والدور الذي لعبته كضابط ايقاع لسياسات النفوذ الداخلية ومحكم لنزاعاتها، بحكم مفارقات دستور الطائف التي أحالت السلطة التنفيذية الى مجلس الوزراء، الملزم لحل مشاكله البنيوية الطابع، دستوريا وسياسيا، اللجوء الى سلطة التحكيم السورية، أو لاحقًا لديناميكية القوى المتصارعة ودعاماتها الخارجية (السعودية-سوريا، سوريا-ايران، سوريا، إيران، إيران-السعودية).

تبدلت المعادلات والأشخاص وبقي نبيه بري هو وحليفه وليد جنبلاط وبشكل ملحق ومتقطع سعد الحريري، وبعض الزعامات العائلية المحلية (ارسلان ، فرنجية …) لاعبين أساسيين وثانويين حسب تراتبيتهم ضمن خريطة توزع القوى التي أقرها النظام السوري مع أزلامه المرحليين. إن بقاء بري مظلالا بشريكه وليد جنبلاط هو شرط أساس لديمومة اللعبة الاوليغارشية مع تعديلات في لاعبيها (نجيب الميقاتي، السنيوره، مخزومي …)، ودخول حزب الله كلاعب أساسي استعمل روافع الدولة اللبنانية مدخلا لسياسة النفوذ المرتبطة بالاستراتيجية الشيعية التي يقودها النظام الاسلامي في إيران.

إن الابقاء على نبيه بري، او استبداله باصناء له داخل النادي الاوليغارشي الشيعي شأن شيعي بحكم عدم وجود أي منافس للثنائي في البرلمان، أو مدخل لفراغ على مستوى السلطة التشريعية يتواتر مع فراغات على مستوى السلطة الاجرائية، الأمر الذي يعني أن المؤسسات الدستورية لا تعدو كونها غطاءات شكلية لديناميكيات نفوذ فعلية.هذا هو معنى التجديد لنبيه بري في ظل جمهورية متداعية ومفلسة لا لحمة لها، لا على مستوى القيم السياسية الناظمة، ولا على مستوى حيثيات الحوكمة الدستورية والمالية والادارية.

إن أي تسليم بالتجديد لنبيه بري خارجا عن اتفاقات تفصيلية حول الاصلاحات البنيوية لجهة احترام الآليات الدستورية، وفصل السلطات، وانفاذ برامج الاصلاح المالي، والتحقيق الجنائي المالي، والتفعيل الفوري للاقتصاد اللبناني، والبت في مسألة سلاح حزب الله ، والفراغات السيادية داخل المخيمات الفلسطينية، وعودة السوريين الى بلادهم، وانهاء المفاوضات حول الحدود البرية والبحرية العالقة مع سوريا وإسرائيل، ومسألة الصندوق السيادي والتنقيب عن الغاز والنفط، وتطبيق القرارات الدولية، وانهاء التحقيق الجنائي بشأن انفجار المرفأ وما سبقه وتلاه من اغتيالات سياسية…، خارجًا عن هذه المحاور هو إضاعة لوقت لم نعد نملكه، لبنان سوف يبقى على ملتقى طرقات النزاعات الاقليمية، وهذا ما يسعى اليه حزب الله.

إن أية تسوية بشأن رئاسة المجلس النيابي تتم على قاعدة مقايضات شخصية وخارجًا عن أفق إصلاحي واضح المعالم، كما تسعى اليها الكتل النيابية مقابل نيابة الرئاسة (تيار ميشال عون، القومي السوري الفاسد الياس ابو صعب )، (ملحم خلف المرشح المنتخب من قبل الثنائي الشيعي، والمطروح من قبلهم لنيابة الرئاسة)، ( فادي كرم وغسان حاصباني ممثلين عن أكبر كتلة مسيحية معارضة)، سوف تصطدم بواقع حياتي (مالي واقتصادي واجتماعي وتربوي وبيئي كارثي)، وهجرة متسارعة وتمدد الوجود السوري غير المبرر، إلا من زاوية الحكم السوري ومصالحه في الداخلين السوري واللبناني، وترسخ صراعات النفوذ ومقاطعاتها على الأرض اللبنانية.

كلنا يعرف أن التفاوض مع اقطاب سياسات النفوذ هو مسألة موازين قوى فجة لا أفق سياسي أو قيمي يجمعها. هذه الملاحظات على صراحتها هي دعوة الى تغيير في النهج تحفزه نتائج الانتخابات، وتبقى دونه سياسات النفوذ، والمفكرات الإقليمية المتصادمة على أرضنا في ظل نظام اقليمي متفجر ونزاعات مفتوحة لا أفق لها.