شارل الياس شرتوني/انتخابات نيابية أم تحضير للحرب الاهلية، الانتخابات النيابية في ظل دولة فاشلة

48

انتخابات نيابية أم تحضير للحرب الاهلية، الانتخابات النيابية في ظل دولة فاشلة

شارل الياس شرتوني/11 أيار/2022

تحيلنا متابعة المشهد الانتخابي إلى مفارقات والتباسات تجعلنا نتساءل عن طبيعة هذه الانتخابات ومؤدياتها على مستوى المسار السياسي العام في البلاد وانعكاساتها على الأزمات المالية والاقتصادية والاجتماعية القاتلة. إن الحملات الانتخابية الجارية تشبه التحضيرات الى نزاعات دموية، أكثر منها الى تنافس ديموقراطي بين قوى سياسية  صاحبة برامج لحل الأزمات الحياتية الحادة التي دمرت البلاد، بعد مضي سنتين ونصف من تمنع إرادي لايجاد حلول مهنية تندرج ضمن توجهات اصلاحية تطال الحوكمة في كل أوجهها. إن  مجرد مشاهدة ما يجري كل مساء على تخوم الشياح وعين الرمانة، والاستماع الى الكلام السائد في الوسط الشيعي وصولا الى برلين، والى التجمعات الفاشية الملتئمة حول طقوس توتاليتارية الطابع، يطرح أكثر من سؤال حول مؤديات هذه الانتخابات ومدلولاتها الخارجة تماما عن الاصول الديموقرطية  ومبادىء دولة القانون التي تعطي للانتخابات أبعادها الحقيقية. ما نشهده هو تحضير لمناخات انقلابية تأتي الانتخابات النيابية لتكريسها واضفاء شرعية مصطنعة عليها،كما سبق وأشرت في مقال سابق حول السبيل الديموقراطي الذي اعتمدته النازية مع نهاية جمهورية ڤايمار.

-الانتخابات الحالية تجري في ظل اختلالات أسست لها عملية وضع اليد التدريجية على المؤسسات الديموقراطية وإفراغها من مضمونها، لحساب انقلابات قامت على قاعدة التحالف بين الفاشيات الشيعية وتيار ميشال عون، والتواطؤ الناشىء عن قصور الزعامة السنية الممثلة بسعد الحريري، وتداخل المصالح بينها وبين الاوليغارشيات السياسية-المالية لجهة ايجاد وتفعيل الأزمات المالية والاستنكاف عن معالجتها على مدى سنتين ونصف. البلد لم يجد نفسه أمام هذه الاستحالات بفعل الصدفة بل عملا بسياسات إرادية نافية للسيادة الدولاتية بتعبيراتها الاولية، وللارادة الاصلاحية بحدودها الدنيا. إن تناقضات النظام الانتخابي، لجهة قدرته على تظهير التنوع السياسي في البلاد، وحماية حرية ونزاهة الترشح والعمل الانتخابي والاقتراع، بينة لكل مواطن او مراقب. قانون انتخابي لا إجماع حوله وحول قدرته على ترجمة حيوية الحياة العامة، وعمليات انتخابية تحكمها اقفالات اوليغارشية محكمة،و مصادر تمويل خارجية وداخلية غير مشروعة  لاسقف لها تجعل من الانتخابات الاداة الفضلى لتزوير الارادة الشعبية.

– إن المقاطعة التي اعتمدها سعد الحريري وما تنطوي عليه من سوء  نية وتدبير، وعدم رشد، وأنانية غير مسؤولة، أضعفت قدرة المعارضة على مواجهة سياسة التمدد التي يعتمدها حزب الله من خلال التحالفات الانتهازية المشبوهة، وتأمين الشروط الموضوعية لمواجهة متكافئة مع المد الانقلابي الذي أعده. إن شرذمة الوسط السني هي أفضل سبيل لقضمه من خلال تحالفات مع لاعبين امتهنوا العمالة لسياسات ضرب الاستقرار الاهلي خلال المرحلة السورية (الأحباش، الناصريون، القوميون السوريون، عبد الرحيم مراد في البقاع، فيصل كرامي في طرابلس، عشيرة البعريني المتموضعة على خطوط التهريب مع ماهر الاسد والانتماء لتيار المستقبل، …)، وزئبقية  ومصالح نجيب الميقاتي، وفؤاد المخزومي المالية…،. إن تأمين المواجهة المتكافئة مع سياسة وضع اليد من قبل الثنائي الفاشي تتطلب تحصين التصويت السني من الخروقات للحؤول دون استثماره من قبلها وتماديها مع نهاية الاستحقاق الانتخابي.

– الواقع في الاوساط المسيحية يتطلب مواجهة مباشرة مع تيار ميشال عون وجبران باسيل، من أجل  تحجيم تمثيله تمهيدا لمرحلة نهاية عهده، وانهاء لواقع التضليل الذي يعمل على إشاعته، هذا مع العلم ان النهج الذي أعتمده كان معبرًا أساسيًا لسياسة السيطرة التي أعدها حزب الله، وشراكة كاملة في ممارسات الفساد التي حكمت جمهورية الطائف منذ بدايتها. كما لا بد من مواجهة تموضع سليمان فرنجية على خط تقاطع كل سياسات النفوذ التي تصون مصالحه الريعية وطموحاته الرئاسية دون أي تلكؤ. تضاف الى هذه مواجهات مع أدوات الخرق المتمثلة بلاعبين سياسيين كايلي الفرزلي، والياس المر…، وسواهم في اوساط الحراكات المدنية.  أما المواجهة في الاوساط الدرزية فتتوقف على ثبات جنبلاط في تحالفاته وادائة  في المرحلة التي تلي الانتخابات ، وتحجيم أدوات نفوذ حزب الله المتمثلة بطلال ارسلان ووئام وهاب.

-العنوان السياسي الجامع يلتئم حول أولوية الأولويات التي تتمثل بعملية الاصلاح المالي وما تفترضه من اعادة النظر بالحوكمة الاقتصادية والمالية من أجل احتواء الكوارث التي نشأت عن سياسة الديون البغيضة،والصناديق الانتهازية، وضرب السياسات الاستثمارية في مختلف قطاعات الاقتصاد الانتاجي وروافعه التكنولوجية والمعلوماتية،وربط الاعمال المصرفية بالمضاربات والسياسات الريعية التي حكمت اداءات اوليغارشيات الطائف  على خط التقاطع بين المصارف والبنك المركزي والمجلس النيابي (مصارف الالفا ممتلكة بنسبة ٩٥/١٠٠ من الطبقة السياسية، ١٨/٢٠ مصرفا) ووضع خطة تعافي مالية تبدأ بالتدقيق الجنائي المالي، والمقاضاة بشقيها الدولي والداخلي وتنتهي باستراتيجيات انمائية في كل المجالات.

علينا الدخول الى صندوق الاقتراع وعيوننا شاخصة على اليوم التالي  الذي يجب ان تبدأ  معه خطة احتواء الكوارث المتقادمة من كل إتجاه، بدءا بحماية السلم الاهلي، واحتواء المد الانقلابي، وحماية ذخرنا الاجتماعي الذي بني على مدى مائة عام (تربوي، صحي، مصرفي، اجتماعي، مدني، ايكولوجي …) ،وإعادة اطلاق الديناميكيات الاستثمارية في كل القطاعات، وانهاء واقع العزلة الدولية المفروضة علينا، اذا ما اردنا للبنان حياة لمئوية ثانية، واستعادة سبل الحياة اللائقة التي بنينا لانفسنا على الرغم من انقضاء ٧ عقود من النزاعات المتوالية على أرضنا.