الكولونيل شربل بركات: أهمية اللغة

173

أهمية اللغة
الكولونيل شربل بركات/27 آذار/2022

اللغة هي الوسيلة الحاملة للفكر والمعبرة عنه بشكل يسمح بنقله للآخرين أو تدوينه لاحقا لكي يستمر ويحفظ. من هنا يوم بدأ الانسان يستعمل الأصوات للدلالة عن الاشياء دخل في نقلة نوعية مهمة أخذته إلى مجالات لم تكن تخطر بالبال وأصبح النطق مرادف للانسان ما ميزه عن بقية المخلوقات المتحركة والقادرة على التنقل للتفتيش عن الغذاء. ولكن تعدد التسميات التي كانت في البدء تقليدا لأصوات الأشياء المسماة جعلت هناك نوعا من التداخل والتشويش على هذه الطريقة بحسب المستمع والذي يعبر عما يسمعه بالنطق أو تقليد الصوت، ولنا من قصة برج بابل رمزا مهما لتلك المرحلة حيث تدور القصة حول تجميع الطاقات لبناء ما (قيل هنا بأنه برج للوصول إلى الله) ولكن تعدد التسميات واختلافها أدت إلى عدم التفاهم فحصل الفشل والذي أدى إلى التوقف عن اتمام المشروع. ولذا فقد فكر الأقدمون أن يحصروا التسميات بالحاكم أو الشخص المسيطر، وخوفا من أن تتبدل هذه التسميات أيضا بتتالي الحكام وتغييرهم لهذه التسميات تدخل حراس النار (أي الكهنة) ليجعلوها مرتبطة بالخالق نفسه. ومن هنا فاننا نقرأ في سفر التكوين بأن الله خلق كل شيء ومن ثم سمى الأشياء باسمائها، لكي لا يقدر أحد على تغييرها فيما بعد كونها أتت من عند الله. وهكذا تثبتت المفردات الصوتية التي تعبر عن الموجودات فحفظت وانتشرت حتى وصلت الينا وما زلنا حتى يومنا هذا نستعمل بعض المفردات السومرية في لغتنا المحكية (لح.. شو..).

وبعد أن دخلت عملية النقل الصوتي للتسميات تلك مرحلة متطورة انتقل السومريون إلى وضع أرقى أدى إلى تصوير الأصوات هذه وتسجيلها بطريقة جديدة إعتمدت على رموز متكررة الأشكال والمواقع عرفت فيما بعد بالتدوين (أو التسطير) وما نسميه اليوم الكتابة (المسمارية) أي اعطاء اشارات معينة للاصوات (أو المقاطع الصوتية) يمكن حفظها على ألواح من الطين لتبقى بعد أن تنشف محفورة فتنقل صورة عن هذه الأصوات يتداولها الكل ويعرفون اعادة تحويلها إلى الصوت الأصلي. نقول السومريين لأن أقدم هذه الكتابات (الألواح) وجدت في ما بين النهرين وتعود إلى الفترة السومرية. وبالطبع يحتاج نمو اللغة ووسائل التعبير أو تطويرها إلى مجتمع مستقر ومرفه ومنتظم نوعا ومن هنا أهمية هذا الاستقرار وما يتبعه من الانتاجية والتي سهل وجودها فيما بين النهرين. ولذا فقد قام هؤلاء فيما بعد بترتيب هذه التعابير وتقسيمها ضمن ألواح، أي فئات تعبر عن نفس المفهوم تقريبا. وبحسب هذه الألواح وما وصلنا منها نجد بأن اللغة كانت بسيطة ولم تحمل في طياتها الفعل ولا أي من المصطلحات الجانبية أو الأدوات التي نعرفها اليوم بل شملت فقط التسميات أو الألفاظ التي تدل على الأشياء وربطها مع بعض يسمح بفهم الفكرة المطلوبة. ولكن هذه اللغة ومع الوقت والاستعمال تطورت فأدخلت الفعل وغيره من المصطلحات فأصبحت الجملة مفيدة تعني الكثير.

وفي جداول السومريين يوجد مثلا جدول “ال” وهو ما نعتبره اليوم الاله “إيل” (الذي كان معروفا في ما بين النهرين) حيث تدخل كل الأسماء العامة أو ما يعتبر اسم النوع، ومن هنا لا نزال ندخل “ال” هذه والتي نسميها ب “ال” التعريف على التسميات العامة حتى اليوم وفي الكثير من اللغات. فقد أخذت العربية، والتي ورثت الأكادية حيث كانت بدورها ورثت كل التراث اللغوي السومري، هذه “ال” ولا نزال نستعملها. كما استعارت اللاتينية أيضا هذه وأصبحت EL وفي الفرنسية LE وفي الذهن العام القديم ترتبط هذه ب”ايل” الاله ولذا ففي الانكليزية نقلت عن اليونانية بحسب مصطلح “تيو” أو “ثيو” (THEO) المنقولة عن سابقة الآلوهة الكنعانية “دو” أو “ديو” (DEO) ولا نزال نحن نخلط في لغتنا العامية بين حروف التاء والثاء والدال والذال. بينما في اللغة الفينيقية أو الكنعانية وشقيقاتها الأخريات الأرامية والعبرية فقد استعيض عن “ال” التعريف هذه بتسمية الاله “ياه” الذي كان مشهورا في بلاد كنعان وقد تحدثنا عنه سابقا وكان له هيكل مهم في بيروت وكثير من القرى والأماكن في لبنان لا تزال تحمل اسمه بكل ما يبدأ أو ينتهي ب”ياه” (سورياه، بكفياه، ام ياه، بيت ياه – أون…) وإذا بالتعريف عندهم يحمل مصطلح “ها” فيسمي الفينيقيون مصر (ها-كفتا) أي (ال- قبط) وفي السريانية نقول مثلا (“هو” قربونو أي ما معناه “ال” قربان) وكذلك في اللغة العبرية (“ها” يوم أي “ال” يوم).

هذه اللغات التي تأثرت بما وصل إليها من تراث وتفاعلت مع ما جاءها من الخبرات وما نتج عن مداركها من المصطلحات وما يغنيها به التطور لا تزال تحمل في طياتها كافة الاساطير (من الجذر الأساسي س- ط – ر) والتي تظهر معنا في الفرنسية والانكليزية بنفس المصطلح أي الأحرف الأساسية للكلمة (story s-t-r) (histoir s-t-r) وقد تناقلت كلها الأخبار والقصص التي حافظ عليها التراث البشري. ولا تزال البشرية تتشارك في الكثير من المصطلحات القديمة العابرة للغات ولنا مثلا على ذلك بعض العبارات المستعملة في الليتورجية في العالم المسيحي والاسلامي ككلمة امين (Amin) والتي نستعملها في العربية (الاسلام والمسيحية) بنفس المعنى المستعمل في الفرنسية والانكليزية وهي تعني الايمان بما قيل والموافقة عليه. ونحن في العربية نفهمها بشكل طبيعي، ويعرف معاناها من يستعملها في اللغات الأخرى بالتوارث. كما في ذلك الأسم الذي ذكره اشعيا النبي عن المسيح المنتظر والذي قال بأنه سيحمل اسم “عمانوئيل” ما يعني الله معنا اي أن الله سيسكن معنا وبيننا. وهذا الأسم منقول كما هو إلى اللغات العالمية ويفسر بالطبع كما فسره اشعيا. ولكننا نحن نعرف المعنى من اللغة فكلمة “عم” لا تزال بالعربية “مع” (بتبديل مكان الأحرف) بينما “آنو” تعني الجمع من أنا وهي في العربية بقيت كما هي “نا” التي، مضافة في آخر الكلمة، تدل على جمع المتكلم (الله مع نا – عم آنو أيل) ويبقى “إيل” هو الله هنا لا “هو” أو “ياه” بينما في “هوشعنا” يصبح “هو” أو “ياه” هو الاله الذي يشع علينا أي ينيرنا (هو- شع – نا) وهي كما عندنا لا تزال تستعمل في الفرنسية والانكليزية وبقية اللغات (Hosana). وكذلك في “هللويا” التي سبق أن تكلمنا عنها وهي عالمية الاستعمال ولو لم تستعمل بالصلاة عند المسلمين إلا أن فعل هلل يبقى فعلا عربيا لغويا واضحا لا يزال يستعمل كما هو وبالأصل هو مزيج من “ها” و”إيل” المصطلحان الدالان على الألوهة واللذان استعملهما ابراهيم جد العرب والعبَر (اسماعيل واسحاق) وهما لا يختلفان كثيرا بطريقة العيش في التاريخ القديم والذي بعد الاتفاق الأبراهيمي اليوم سيصبح ربما فاتحة لتشابه جديد لا بل تعاون وتكامل قد يعطي المنطقة مزيدا من الاستقرار والرفاه.

وكما في هيكل صور حيث وقف عامودين حول مذبح التقدمة (واحد من الذهب الخالص والآخر من النحاس بحسب هيرودوت أب التاريخ) وقد تكلمنا عنهما سابقا حيث مثلا الخير والشر ليس فقط في هيكل ملقارت بصور وسائر المدن الفينيقية وانما في الكثير من الحضارات الشرقية وخاصة الفكر المجوسي الفارسي الذي ألّه النار نوعا ما (وهو استمرار للنار الالاهية التي تكلمنا عنها سابقا) وهو الثنائي القطب في رؤيته والمستمرة في مرافقة الفكر الفارسي حتى يومنا هذا حيث لا مجال للتنوع عندهم فإما أن تكون معنا أو ضدنا، أبيض أو أسود، كما العامودين وكما شبه بهما لاحقا في هيكل سليمان الذي بناه وزينه مهندسو حيران ملك صور إذ رُمز لهما بالساروفيم والكاروبيم وهما ملاكان مجنحان ذووا الستة أجنحة حيث يستران أرجلهما بجناحين ووجهيهما بجناحين ويطيران بجناحين. وهذه الأسماء ايضا نقلت كما هي إلى اللغات الأوروبية ولها معانيها في اللغة العربية (Seraphim & Cherubim) والأولى تعني كما في العربية حامل الجمع من سار أي حامل البهجة والسرور (ساروفيم) بينما الآخر هو حامل الكرب وهي بالعربية تعني الحزن واليأس (كاروبيم). إذا فالساروفيم هو ملاك الفرح بينما يرمز الكاروبيم إلى ملاك الحزن أي ما يسميه البعض استدراكا بالخير والشر.

وإذا كانت اللغة العربية الفصحى قد حملت القرآن الكريم رمزا للوحي الالاهي فهي حملت أيضا في أحشائها خبرات انسانية عريقة منذ بدء الكلام مع السومريين أو من سبقهم إلى بدء التصوير أو التدوين حتى وصلت بكل ثقلها إلينا عبر ما حفظه العرب حفظا بدون تسجيل إلى ما بعد الفتوحات الاسلامية وانتشارها. بينما كانت اللغة الارامية واليونانية اللتين شكلتا الفكر المتوسطي خلال الفترة الهلنستية والتي عرفت الكل بالفكر اليوناني ومدارسه الفلسفية المختلفة والتي كانت ورثت الفكر الفينيقي، ومن ثم اللاتينية التي دخلت مع الرومان عبر المراسلات الرسمية والمدارس المهمة كمدرسة الحقوق في بيروت. وقد كانت المدارس الكبرى في الشرق وهي مدرسة الاسكندرية والرها ونصيبين وانطاكية وحتى جنديسابور بقيت تدرّس اليونانية لغة وفلسفة حتى في ظل الرومان.

في الفترة العباسية حاول الخلفاء اشغال الناس عن التقاتل والتباهي بالحسب والنسب فشجعوا العلوم وأساسها الترجمة من اللغات اليونانية والسريانية والفارسية إلى العربية وهكذا حفظ الفكر البشري من الاندثار، وبعد أن تلقح بكل الخبرات والممارسة التي عمت في المدن المستقرة من بغداد إلى طشقند مرورا بكل الحواضر الأخرى، انتقل إلى الأندلس حيث عاد ودخل أوروبا، التي كانت عطلت الفكر فيها الحروب والهجمات البربرية، ليعود فيزهر من جديد وينطلق مع رواد كان منهم اللبنانيون الموارنة أمثال جبرائيل الصهيوني وابراهيم الحاقلاني وسمعان السمعاني وابن القلاعي وغيرهم والذين ساهموا في دفع الفكر خاصة في فرنسا حتى قيل ذلك المثل المشهور Savant comme un Maronite . وقد تكون اللغة التي تحمل المعارف الانسانية هي الوسيلة المهمة والتي حين نمتلكها بشكل معمق نشعر بأننا قادرين على ادراك ما تحمله لنا النصوص والأفكار التي سجلها من عمل وتعب وكتب ليبقي شيئا من خبرته ومعارفه لمن سيأتي بعده فيكمل البحث وحث الفكر على تفهم الأمور ما يؤدي إلى تطوير حياة البشرية وتقدمها.