فارس خشان: مصير لبنان وواقع حزب الله بعدما حكمت المحكمة….. لقد انتهى دور المحكمة الخاصة بلبنان في فضح طبيعة حزب الله العميقة، وبدأ دور اللبنانيين وأصدقائهم في منع فرقة الإغتيال التابعة لهذا الحزب من التحكّم بمستقبلهم وحاضرهم كما سبق أن تحكّمت بماضيهم الذين أبقاه اغتيال لقمان سليم قريباً جدّاً

97

مصير لبنان وواقع “حزب الله” بعدما “حكمت المحكمة”
لقد انتهى دور “المحكمة الخاصة بلبنان” في فضح طبيعة “حزب الله” العميقة، وبدأ دور اللبنانيين وأصدقائهم في منع فرقة الإغتيال التابعة لهذا الحزب من التحكّم بمستقبلهم وحاضرهم كما سبق أن تحكّمت بماضيهم الذين أبقاه اغتيال لقمان سليم قريباً جدّاً.

فارس خشان/النهار العربي/13 آذار/2022

في تموز (يوليو) المقبل تقفل المحكمة الخاصة بلبنان أبوابها نهائياً.
في الأشهر الفاصلة عن ذلك الموعد، تُنهي المحكمة كلّ الإجراءات الخاصة بملف اغتيال الرئيس رفيق الحريري، لكنّها سوف تُبقي، خلفها ثلاث قضايا عالقة عند مستوى قرار الاتهام، وهي تلك المتصلة باغتيال جورج حاوي ومحاولتي اغتيال مروان حمادة والياس المر.

مكتب الادعاء العام لم يجد سوى في هذه الملفات الثلاثة ما يربط العمليات الإرهابية التي استهدفت الشخصيات اللبنانية “السيادية” بملف الحريري.

وفي المحصلة لا شيء جوهرياً سوف يتغيّر، حتى لو لم تجرِ المحاكمات في ملفات حاوي-حمادة-المر، بسبب قطع لبنان و”أصدقائه” التمويل المطلوب عن المحكمة التي أنشأها قرار مجلس الأمن الدولي ونظّمها ونسّق مصادرها المالية،  إذ إنّ المتّهم الوحيد في هذه الملفات “المجمّدة”، هو المسؤول الأمني في “حزب الله” سليم جميل عيّاش الذي سبق أن أنزلت به غرفة الدرجة الأولى في “المحكمة الخاصة بلبنان”، في 11 كانون الأوّل (ديسمبر) 2020، خمسة أحكام تقضي بوضعه في السجن إلى الأبد، بعدما وجدته مذنباً في حكمها الأساسي  الذي كانت قد أصدرته في18 آب (اغسطس) 2020.

ولكن قبل ان تقفل المحكمة أبوابها، وبفضل تمويل وفّر جزءاً منه “اتحاد العائلات البيروتية” للحكومة اللبنانية وأقرّت الجزء المتبقّي العواصم المشاركة في مجلس ادارة المحكمة، جرى العمل على ختم ملف اغتيال الحريري، الأمر الذي أدّى الى توسيع دائرة المحكوم عليهم في هذه الجريمة التي زلزلت بيروت قبل أن يعود ويدميها الزلزال الإجرامي الثاني، في الرابع من آب (أغسطس) 2020 المعطّلة التحقيقات اللبنانية فيه، بسبب ما تضعه جهات سياسية يقودها “حزب الله” من عراقيل في طريقها. وحده سليم عيّاش بعد اعلان موت رئيسه المباشر مصطفى أمين بدر الدين، في عملية اغتيال استهدفته في دمشق في 13 أيار (مايو) 2016 جرى الحكم عليه من بين جميع من كانوا قد شاركوه تنفيذ الجريمة. شركاؤه في الجريمة بقوا مجرّد أرقام هاتفية لم يستطع التحقيق، منذ اغتيال الرائد وسام عيد، أن يتوصّل الى معرفة اسمائهم وهوياتهم الحقيقية.

عدد هؤلاء الذين بقيت أسماؤهم مستترة خلف أرقام الهواتف يناهز خمسة عشر شخصاً.

الجزء المتصل بصناعة التضليل من خلال تحميل المسؤولية لأحمد أبي عدس وتنسيق إيصال الإعلان المزور والمفبرك عنها، الى وسائل الاعلام، كان قد انتهى في الحكم الذي أصدرته غرفة الدرجة الى مجهولين، بعد اعلان براءة كل من أسد حسن صبرا وحسين حسن عنيسي وحسن حبيب مرعي “لعدم كفاية الدليل”. مكتب الإدّعاء العام في المحكمة “رضخ” لإعلان براءة صبرا، لكنّه رفض اعلان براءة “رفيقيه”، فرفع اعتراضه الموثّق الى غرفة الاستئناف التي تضم ثلاثة قضاة دوليين وقاضيين لبنانيين. غرفة الاستئناف هذه، وهي أرفع غرفة في المحكمة، ويمتاز قضاتها بخبرة عميقة وقدرات قانونية مميّزة، وجدت، في قرار أصدرته أنّ الإدّعاء العام محق، فالأدلة المتوافرة ضد عنيسي ومرعي كافية وتبيّن، بصورة لا تقبل أيّ شك معقول، دورهما الفاعل في الجريمة ومعرفتهما بتفاصيلها لأنّهما، على هذا الأساس، نشطا، قبل حدوث الاغتيال وبعيده، في فبركة الاعلان المزوّر للمسؤولية. وهكذا انتهت قضية الحريري التي هزت، يوماً لبنان والاقليم والعالم وأنتجت تحريرا للبنان من احتلال النظام الاسدي، الى تجريم ثلاثة أشخاص وتبرئة رابع بعد اغتيال “رئيسهم” مصطفى أمين بدر الدين، وهو كان خامس المتّهمين الذين ينتسبون جميعهم الى “حزب الله”. ووفق “برنامج المكافآت من أجل العدالة” التابع لوزارة الخارجية الأميركية فإنّ سليم جميل عيّاش الذي قاد ميدانياً تنفيذ جريمة اغتيال الحريري هو “ناشط بارز في الوحدة 121  في حزب الله، وهي فرقة الاغتيالات التي تتلقى أوامرها مباشرة من زعيم الحزب حسن نصرالله”.

وأشارت غرفة الاستئناف في “المحكمة الخاصة بلبنان” في قرارها الأخير الى أنّ الشبكة الهاتفية التي كان ينسق عبرها بدر الدين وعيّاش ومرعي جريمة اغتيال الحريري وتزوير إعلان المسؤولية “تضليلاً للرأي العام”، هي “شبكة سرية خاصة بحزب الله”. وكان نصرالله قد أعلن شخصياً، وبأدبيات الوعيد والتهديد والترهيب، توفير حماية هؤلاء، عندما جرى اتهامهم، وصدرت بحقهم مذكرات توقيف غيابية، فيما ذهبت تصريحات سياسيي “حزب الله” الى حدود تطويب هؤلاء قديسين، وأبدى بعضهم استعداده لتقبيل أقدامهم “الطاهرة”. وعليه، فإنّ مفاعيل المحكمة اقتصرت فقط على جزء من المستوى الميداني، من دون أن تصل، بأيّ شكل من الأشكال، الى مستوى الأمرة أو إلى مستوى التمويل.

في واقع الحال، لقد أسهبت المحكمة في حكمها الصادر عن غرفة الدرجة الاولى في الحديث عن مصالح مشتركة لكل من النظام السوري و”حزب الله” في اغتيال الحريري، وعن صلة المجموعة المتهمة ب”حزب الله”، لكنّها لم تستنتج بناء على ذلك كلّه، وفق ما عادت وفعلت غرفة الاستئناف، مسؤوليات جنائية مباشرة. يعود ذلك، بادئ ذي بدء، الى أنّ الغرف المختصَة بإجراء المحاكمات، إنّما تحاكم حصرا من تتّهمهم النيابة العامة التي كانت قد اكتفت بإحالة خمسة أشخاص تنفيذيين ينتسبون الى “حزب الله”، من دون أن تتمكّن، في أيّ وقت من الأوقات، من أن تصدر اتّهامات ضدّ غيرهم.

وسبب اقتصار اتهام النيابة العامة على هؤلاء له أسبابه التي لا يمكن حصرها بالأبعاد القانونية، فمرحلة التحقيقات شهدت كثيراً من التطورات الخطرة والصادمة والمعرقلة، فقد جرى ترهيب شعبة المعلومات التي كانت تتعاون مع التحقيق: بداية، عندما جرت محاولة اغتيال المقدم، في حينه، سمير شحادة، ولاحقا عندما نجحت ثاني عملية لاغتيال الرائد وسام عيد، قبل الوصول الى موكب اللواء وسام الحسن وتفجيره. كما أنّ هذه المرحلة، شهدت استئساد “حزب الله” ضد التحقيق الدولي، فهوجمت فرقه العاملة في لبنان وسرقت معدّاته، وحصلت غزوة السابع من أيّار ( مايو) 2008  وتمّ التهديد بقطع كل يد تمتد الى مشتبه به ينتمي الى “حزب الله”، وأُسقطت حكومات، وصدرت تهديدات بإدخال لبنان في حرب أهلية طاحنة، فتراجع من تراجع، وهلع من هلع، وانكفأ من انكفأ.

وسط هذه الأجواء، جرت تصفيات جسدية عدة بدت كأنّها سعي إلى قطع الخطوط التي يمكنها أن تربط بين المستويات المتداخلة الضالعة باغتيال الحريري. تصفيات بدأت ب”انتحار” وزير الداخلية السورية غازي كنعان “الذي يعلم الكثير”، ووصلت الى اغتيال من يشتبه بأنّهما نسقا الجريمة بين الاجهزة اللبنانية-السورية عماد مغنية ومحمد سليمان، قبل التخلّص من رستم غزالي الذي حاول، قبيل التخلّص منه، التواصل مع “شعبة المعلومات” في قوى الأمن الداخلي. وفي المرحلة التأسيسية للتحقيقات، حيث كانت حظوظ كشف كلّ الخيوط المتشابكة كبيرة، دخلت السياسة الدولية على الخط لمصلحة النظام السوري، تحت عنوان “الاحتواء” الذي رفعته إدارة باراك أوباما وأقنعت به عدداً من الدول العربية ونشط من أجله اللوبي الصهيوني في واشنطن، فعملت قوى اقليمية ودولية لمصلحته، قاطعة بذلك، الطريق على مسار حيوي من مسارات التحقيق، بداية والمحاكمة، لاحقاً، اذ إنّ التعديلات التي جرى إدخالها على طبيعة “المحكمة الخاصة بلبنان” وصلاحياتها وإجراءاتها، منعت منعاً باتاً، كلّ ربط بين الرئيس ومرؤوسيه من جهة أولى وحظّرت محاكمة الأنظمة والتنظيمات، من جهة ثانية، وأخرجت تنفيذ القرارات التي يمكن أن تصدرها المحكمة، من “خانة” الفصل السابع.

على أيّ حال، لقد أنهت “المحكمة الخاصة بلبنان”، عملياً، أعمالها، ولم يبق أمامها إلّا القليل لإنجازه، قبل حلول تموز  المقبل، ولكنّ اللبنانيين، وبفعل ما تركته هذه المحكمة لهم، باتوا يعرفون، بالتفاصيل، حقائق خطرة للغاية، كانوا، سابقاً يتكهّنون حول دقتها وصحّتها وصوابيتها، ولكن يعجزون عن التأكّد منها أو وضع اليد على الأدلّة والقرائن.

إنّ ما انتهت اليه “المحكمة الخاصة بلبنان” لا يلاقي، بالتأكيد، ما كان يتطلّع إليه اللبنانيون ممّن عملوا وضحّوا من أجل إنشائها، لأنّها وضعت يدها على “صغار” المتّهمين وأهملت رؤساءهم، ولكن، في المقابل، وبفعل ما أنجزته المحكمة من جهة، بسبب كشفها تفاصيل مهمة عن طبيعة عمل “حزب الله”، وما عاد وفعله هذا الحزب في لبنان والاقليم، من جهة اخرى، فلقد أصبح مرذولاً في العالم العربي أكثر ممّا كان ولا يزال مرذولاً من المجتمع الدولي. صحيح أنّ هذا الحزب يملك ما يكفي من أدوات ووسائل وقدرات لفرض هيمنته على لبنان وسلطاته، ولكنّه، بالنتيجة، في ضوء الارتكابات المنسوبة إليه، لن يكون قادراً على “تقريش” قوّته، مهما طال الزمن ومهما أوجد في لبنان ممّن يضحّي بالمصلحة الوطنية العليا من أجله لقاء …”ثلاثين من الفضة”.  لقد انتهى دور “المحكمة الخاصة بلبنان” في فضح طبيعة “حزب الله” العميقة، وبدأ دور اللبنانيين وأصدقائهم في منع فرقة الإغتيال التابعة لهذا الحزب من التحكّم بمستقبلهم وحاضرهم كما سبق أن تحكّمت بماضيهم الذين أبقاه اغتيال لقمان سليم قريباً جدّاً.