كلمة الأب سيمون عساف في ذكرى القديس مارون: مارون الفخيم

61

كلمة الأب سيمون عساف في ذكرى القديس مارون: مارون الفخيم
الأب سيون عساف/09 شباط/2022
محظور علينا الكلام كما نريد، وكأننا في مصرف من المصارف اللبنانية. الحقائق تؤذي بل تفضح، والخسائر تتوالى وتشلع القلب، والانهيار يُصدَّع العمارة كلها والتداعي مُستكمل والنهاية في علم الغيب.
نتوقَّف متأملين ولا شيء يُعزي!
كانوا يترجُّوننا لنودع فلوسنا عندهم، صرنا نترجَّاهم ليمنُّوا علينا بالقليل مِما لنا.
والعيد المُطل عيد أب الكنيسة المارونية، بالحصر عيد القديس العظيم في الكنيسة الجامعة. هو أحد عظماء آباء الكنيسة قداسة وعظمة، إذ باسمه تكوَّنت جماعة “بيت مارون”، وأَسَّست وطناً لها تحضن فيه حتى مضطهديها في هذا الشرق المظلم المظلوم، الذي ما عرف يوما السلام ولا الراحة، بل عبر القرون يعوم على مسابح الدم والمجازر و”الشلدقة” والحرامية من الداخل ومن الخارج.
لن أتوسَّع في بحث تاريخي عن حياة مار مارون الشفيع، كُثُر هم الذين تناولوا ويتناولون هذا الجانب من سلوكيات االراهب القديس مارون مفصَّلا.
شخصيا أود أن أتكلَّم عن موارنة أتباع هذا الشخص الناسك القديس الكريم مارون الفخيم.
ما عنَّ على باله يوما أَن يبني على الأرض باسمه شعبا ودولة ومؤسسات الخ…كان هم هذا البطل الروحي ان يخرج بعد مشواره الدنيوي من هذا العالم رابحا معركته منتصراً مظفَّرا. وكان خلال وجوده العابر الأَيام والفصول، عملاق سلوكيات في التقشف والزهد، لم يحاشره فيها أَحد. هكذا كان مدرسة إلهية مميزة صارفا نفسه عن الأباطيل منصرفا للتعبَّد والتأمل والصوم والصلاة، تاركاً لتلاميذه اساليب العيش الواصل ارضهم بالسماء من دون حواجز او موانع او عراقيل. ويوم خاض العقل خضمَّ النزاعات اللاهوتية، كان اتباعه بقيادة رؤسائهم بمنأى عن الصراعات تابعين تعاليمه الراسخة في الأذهان.
وللأبالسة مراصد تربض في زواياه خبيئة خبيثة لتقتنص الفُرص وتنقض بشراسة مفترسة القطيع برمَّته، ويلاه من التجاريب!!
هناك في ولاية سوريا الثانية التي عاصمتها أفاميا على اسم والدة سلوقس القائد اليوناني، كان مارون، ولد وتشرَّب روح الزهد والتقوى وعاش فضائل ومشورات الإِنجيل، ومات ودفن. عطَّرت سيرةُ حياته ومماته الأمكنة التي فيها أهل البلاد. حمله الناس في القلوب والنفوس والخواطر، فصار لهم المثال والقدوة، يتغنَّون باسمه ويستنشقون عبير سمعته العابق.
بنوا له ديرا عربون إيمان وافتخار به وعلامة تقدير وتكريم له.
دبَّت الخلافات العقائدية في الكنيسة المسكونية حول طبيعة السيد المسيح له المجد. وهبَّت للتلاقي بغية ايجاد حلول لقضاياها. للأسف كانت مقاطعة كنائس الشرق (أورشليم الاسكندريه وانطاكيه) لكنائس الغرب (روما وبيزنطيه) فكانت القطيعة بين الشرق والغرب وكان الانشقاق الأول بين الكراسي الرسولية.
عُقد المجمع في خلقيدونيه عاصمة الأمبرطورية البيزنطيه اي في القسطنطينية بدعوة بابا روما والامبرطور البيزنطي. لم تُلبي اورشليم والإسكندرية وأنطاكيه الدعوة الى المجمع، فقط تودوريطس القورشي أسقف سوريا الثانية شذَّ عن القاعدة فذهب من الشرق واشترك في المجمع الخلقيدوني ووافق على سائر المقررات. هذا السلوك ازعج المعترضين فأثارهم حتى انهم حثُّوا الرعايا على الرفض والبلبلة.
هذا باختصار، ما جعلهم بعد فترة ان يكمنوا لأخوتهم الذاهبين للصلح من دير سمعان، وذبحوا ثلاثماية وخمسين راهبا. ولحقدهم نعتوهم بالموارنة، نسبة الى الدير الذي شيَّدوه إكراما لقديسهم مار مارون بقصد السخرية والتحقير. ارتضاها هذا الشعب السرياني الانطاكي من اخوته، وحمل اللقب المُكَنى مارونيا باعتزاز وزهو. ثم تلافيا للصدام الاضطهاد هرب القسم الأكبر الى جبال لبنان العاصية الجرداء الوعرة ناشداً حرية العيقدة في المسيح طبيعتين كاملتين إله وإنسان، وعقيدة الحرية لا استسلم لداخل ولا انذلَّ لدخيل.
وتعاقبت اجيال والموارنة يتنامون تحت ظلال احتلالات جائرة ظالمة من العباسيين الى المماليك الى الأتراك، وهم يتحمَّلون اقسى معاناة تعرفها البشرية. ويقاومون قناعة منهم ان إيمان بطرس الرسول صخرة البيعهْ ايمانهم الراسخ الذي لا يتزعزع.
نتيجة الأمر عبر مطافهم الزمني في لبنان، استقبلوا اخوة لهم مسيحيين وتعايشوا مع غير مسيحيين، اتَّسمت عهود بالخير والسلام، رغم أن الحكَّام والولاة كانوا يعشقون الوشاية للتعذيب والارهاب. صمد الجدود حتى توصَّلوا بعد مذابح واضطهادات واشتشهاد الى الحصول على وطن اسمه لبنان، وكم رفضوا ان يكونوا لوحدهم مع انهم كان يستطيعون، ودليل انفتاحهم وقبولهم الآخر، استقبلوا الشرائح الأخرى ليتفاهموا ويتعايشوا معا هدفهم بناء الانسان ولبنان وطنا للانسان. فشلت القيادة المارونية الوريثة للأسف، لأنها لم تقرأ التاريخ ولم تتعلم من اخطاء ارتكبها اباء قبلها. واليوم نحن في المعمعة! نسأل أبانا القديس مارون ان يساعدنا على طي المرحلة باقل خسائر، ويفتح لنا من الضيق أبواب الفرج. هو وحده بين قديسي الكنيسة جمعاء، أب كنيسة لها كيان جماعي ثري بالمآتي والمآثر، صدَّرت للسماء قديسين امثال نعمة الله وشربل والاخ اسطفان والاخت رفقا والكثير ممن لم نعرفهم. نترجى قديسينا ان ينيروا عقول الناشئة القادمة كي تستنبش تاريخها وتحفظه وتنقله للآتين بعدها، فتتحاشى اخطاءً مميتة. ونسأل ابانا مارون ان يلطف ويعطف ويُحدر من اعالي السماء بركاته على الموارنة والمسيحيين ولبنان والعالم فنرتع بنعم الله ويعم السلام الشرق والغرب والعالم.