الكولونيل شربل بركات/البروبغندا الايرانية وأهداف حزب الله

494

البروبغندا الايرانية وأهداف حزب الله
الكولونيل شربل بركات/05 شباط/2022

بينما كنت استمع لمقابلة من أحد المدافعين عن حزب إيران، والذي أتحفنا بالكثير من المعلومات المهمة عن مخططات الشر والحقد التي يرسمها جماعة الولي الفقيه، والتي تجعلنا نتمنى بأن يتدخل الله فعلا ليمحي الشر الذي يزرعونه في النفوس وقد أمرضها غيّهم واستكبارهم والعنجهية الفارغة، والتي لا تترك للخير سبيلا ولا للشفقة عليهم اي باب، هذا المدافع عن حزب ولاية الفقيه مدعيا الفهم ومتخفيا خلف عنوان كبير لمؤسسة دراسات استراتيجية “وهمية” يحاول بمطالعته إرهاب اللبنانيين أولا، ومن ثم كل المختلفين عن جماعته، بالكلام على قوة “المقاومة” التي يصرّ على أنها ليست حزب الله منفردا انما هناك تنظيمات ومسميات تعاونه. ويبدو في كلامه الكبير أن الحزب محشور فعلا، في لبنان أولا وفي بقية الجبهات التي استعمل لدعمها.

ففي لبنان يبدو بأن الشارع لم يعد يخيفه تجبّرهم فوضحت الصورة في عيون الكل وعرفوا مكامن الحقد حتى على الذات والتي أدت بهؤلاء إلى أن يدمّروا كل مظاهر الحضارة التي تغنّى بها لبنان لكي يشعروا بالتفوق على أبنائه كونهم لا يملكون ما يتباهون به سوى مسلسل الحقد والشر الذي يزرعون حيثما حلوا.

وفي العراق، وهو البلد الأقرب إلى إيران والذي تسكنه أغلبية شيعية صمم الخميني وخلفاؤه بأنها ستكون خزان المقاتلين والمدافعين عن الامبراطورية كما كان المناذرة العرب قبل الفتح الاسلامي، يبدو أنه بدأ يفقد المبادرة، بالرغم من اعتبار جماعة الحشد الشعبي التي أدخلها في مؤسسات الدولة بكامل سلاحها وتنظيمها وقيادتها المؤتمرة من الحرس الثوري، وهو في كل يوم يحصد ثمن العنجهية الفارسية وتنامي غضب الشارع الشيعي في البصرة وجنوب العراق قبل مناطق السنة أو الأكراد أو المسيحيين.

أما في اليمن “السعيد”، الذي كان أهله يعتبرون من دول الخليج العربي بشكل أو بآخر وقد عملوا في دوله وعاشوا منافع الجيرة بعد ظهور الثروة النفطية، ولو أنهم تأخروا قليلا عن اللحاق بالحضارات الجديدة كما الكثير من جيرانهم، فقد حاول الخميني ضمهم إلى حلمه حيث قرأ تاريخ الأمبراطورية الفارسية جيدا وتعلّم بأن كسرى الأول كان أرسل أحد قادته “فاهريز” على راس ثلّة من الفرسان النبلاء للاستيلاء على اليمن وقطع الطرق التجارية بين الهند والقسطنطينية. وقد كان فاهريز نصّب يومها أحد أبناء اليمن “سيف بن ذي يزن” ملكا عليها ليرعى مصالح الأمبراطورية الفارسية، وكان ذلك حوالي سنة 570 ميلادية. ولكن سيف قتل من قبل الأثيوبيين أثناء مساندتهم لثورة قامت ضده سنة 575 ما اضطر فاهريز للعودة على راس قوة من أربعة آلاف فارس إلى اليمن لطرد الأثيوبيين وتنصيب ابن سيف ملكا على اليمن. ولكنه هذه المرة بقي فيها كحاكم يمثل الامبراطور. وبحسب تاريخ “الطبري” فإن الايرانيين تزوجوا من بنات اليمن وتخالطوا معهم حيث نشأت طبقة ما يسمى “بالأبناء” والذين ورثوا السلطة. وقد حكم بعد فاهريز ابنه “مرزبان” ثم ابن ابنه “بيناغار” ومن بعده حفيده “خورا كسرى” وأخيرا “بدهان” الذي لم يكن من سلالة فاهريز. وبعد مقتل كسرى الثاني سنة 628 انقطعت صلة طبقة النبلاء الفرس هؤلاء مع الامبراطورية. ومن ثم وبعد بروز الاسلام اتفق حكام اليمن هؤلاء مع النبي محمد حيث بقي “للابناء” احترامهم وسلطتهم في اليمن في ظل الدولة الاسلامية. من هنا كان لليمن في تخطيط آية الله الخميني دورا سعى بشتى الطرق لبلورته واستعادته. ولكنها اليوم وبعد الهجمات المدعومة من قبل السعودية ودول الخليج بدأت على ما يبدو تفقد هذا الدور. فهل سيبادر “الأبناء” أو “الحوثيون” إلى القبول بالأمر الواقع والتنازل عن التحالف مع الايرانيين ومن ثم اقامة اتفاق جديد مع عرب الجزيرة؟ أم أنهم سينتظرون سقوط “المدائن” الجديدة ليقوموا بذلك؟

من هنا يبدو بأن حزب الله دخل في نوع من الخوف على المصير، ولذا فهو يضغط لاقناع جماهيره الغاضبة من جراء الحالة الاقتصادية السيئة في لبنان والفقر المرافق لها والذي تترتب المسؤولية فيه عليه أولا وأخيرا، بأن الأمور لا تزال تسير كالمخطط، وأن إيران هي قوة لا تقهر، وبالعكس فإن الفقر الذي هم فيه مخطط له، فالدول المتقدمة في المنطقة، أي دول الخليج واسرائيل ستذوق طعم الصواريخ الإيرانية فتتحطم مظاهر حضارتها وواجهات أبنيتها الزجاجية المكلفة، بينما لن تتأثر أيران وحلفاؤها بالدمار مهما حصل كونها لا تملك ما يدمر.

فكرة فذة ومبدعة تدل على الافلاس الرهيب الذي يعيشه محور إيران أو كما سماه الرئيس بوش يوما “محور الشر” فهو بالطبع أفلس من حيث ادارة الدول ولم يعرف سوى التدمير، في الفكر والنفسية والعلاقات مع الآخرين، وبالنتيجة أيضا في الاقتصاد. بالرغم من أن إيران تملك الكثير من الثروات وتسيطر على العراق الغني مثلها وتتحكم اليوم، بواسطة مراكزها في اليمن ومضيق هرمز وجزر الأمارات التي احتلتها منذ ايام الشاه، بطرق مواصلات بحرية تعتبر من أهم الطرق الدولية لما يمر فيها من خطوط تجارية عالمية. ولكنها يوم تبنت تحرير فلسطين جعلت هذه “اللازمة” مصدر قلق دفع عرب الخليج لفتح علاقات علنية مع دولة اسرائيل حتى بدون تفاوض وشروط، كونهم رأوا بأم العين بأن خطر اسرائيل، الدولة الصغيرة التي تحاول البقاء والاستقرار في هذه المنطقة، لا يعتبر بقياس الخطر المباشر والتهديد بالتوسع الامبراطوري والانفلاش الذي يحلم فيه خلفاء الخمينية وحكام دولة ولاية الفقيه.

فهل إن توسع كسرى الثاني وتشاوفه على هرقل وتمدده صوب المراكز الاستراتيجية بالأتكال على الفرسان النبلاء والعساكر الزاحفة بدأ ينتهي هذه المرة أيضا منذ قرار الرئيس ترامب مواجهة سياسة تمدد الامام خامنئي وريث الخميني باصطياد قاسم سليماني وخروج السيستاني وشيعة العراق عن وصايتهم وحرب “العمالقة” اليوم في اليمن وما سيتبعه بدون شك من وقوف اللبنانيين العزل بوجههم وتحرير قرارهم وبلادهم بدون سلاح؟

إن محاولة حزب السلاح زج لبنان في مخاطر المواجهات العسكرية ليس بجديد فهو لم يحسب حسابا للأهل في اي قرار اتخذه ولا اعتبر يوما مصالح الناس حاجزا بينه وبين تنفيذ قرارات لا بل “تمنيات” الولي الفقيه وكما فعل في حرب 2006 يوم دمر الجنوب على رؤوس أهله وفي انفجار المرفأ يوم هجر بيروت وسكانها الذين حموه واستقبلوه في بيوتهم، فهو قادر بدون شك على تحميل كل اللبنانيين في كل مكان، من الهرمل إلى عكار وصولا للناقورة وحاصبيا، وزر أوامر وتمنيات صاحب الزمان ولذا قد يدخل لبنان كما يهدد في حرب صواريخ وردود الفعل التي تليها بالطبع ويهدم معها ما تبقى من البيوت لأنه دمر المؤسسات ولم يعد لأي منها أي دور في بناء الوطن وحماية أهله وقد زرع ما يكفي من المتفجرات بين البيوت في كل المناطق لمساواتها بمرفأ بيروت وهو بالطبع مستعد لتهجير كل اللبنانيين وحتى قتلهم فهم ليسوا من جماعته ولن يكونوا. ولذا فقد حضرني قول شاعرنا الجنوبي فيهم ما يلي:

لم القى شعباً بغير الأرض مرتبطاً له ولاءٌ غريبٌ كيفما ارتحلَ
لم ألقَ شعباً يرجّي هدم موطنه ليبني الغير من أنقاضه دولَ
شعبٌ كهذا جديرٌ إن مررتَ به أن تسدد الأنف من نتنٍ وتنعدلَ